محمد الروبي يكتب: حكايات سينمائية (3) ” لا وقت للحب ” كل الأوقات للعب
"لا وقت للحب" ترك فيّ شيئًا تجاوز الحكاية نفسها، لا أذكر الآن تفاصيل كثيرة من المشاهدة الأولى بقدر ما أذكر المشهد الأخير.
فيلم لا وقت للحب إنتاج 1953 عن قصة ليوسف إدريس
شاهدتُ “لا وقت للحب” أول مرة وأنا طفل، في زمن لم يكن جهاز التلفزيون قد دخل كل البيوت بعد.
كنا من القلائل الذين اقتنوه مبكرًا، ولذلك كانت شقتنا العامرة في حي روض الفرج بشبرا تتحول، مساء الخميس، إلى ما يشبه دار عرض سينمائي صغيرة.
كنا نحن الأطفال نجلس في الصف الأول، على الأرض مباشرة أمام الشاشة.
من ورائنا تتدرج الصفوف، الأصغر فالأكبر، حتى يصل الأمر إلى أبي وأصدقائه من رجال العمارة، الذين يحظون بالكراسي الوثيرة.
أما أمي وجاراتها، فكن يتحركن بين المطبخ والصالة كأنهن جزء من ماكينة العرض نفسها، سندوتشات، وبطيخ، ولب وسوداني، وكثير من الشاي، لم تكن مشاهدة الفيلم في ذلك الزمان، مجرد جلوس أمام جهاز التلفزيون.
كان البيت يتسع للجيران، والجيران يصيرون جمهورًا، والتلفزيون يتحول إلى شاشة سينما، ونحن الأطفال نكتشف، من دون أن ندري، سحر الحكاية والصورة والجمهور معًا.
لكن “لا وقت للحب” ترك فيّ شيئًا تجاوز الحكاية نفسها.
لا أذكر الآن تفاصيل كثيرة من المشاهدة الأولى بقدر ما أذكر المشهد الأخير.
كان حمزة، الذي لعب دوره رشدي أباظة، عائدًا بعد عملية للمقاومة ضد القوات الإنجليزية، فيما كانت قوات الاحتلال تترصد له وتحاول إغلاق الطريق أمامه.
وفي اللحظة التي يبدو فيها الخطر محكمًا، يأتي الإنقاذ من المكان الذي لا يتوقعه أحد، يأتي من الأطفال.
يبدأ طفل بالغناء، ثم ينضم إليه أطفال آخرون، وتتحول الأغنية شيئًا فشيئًا إلى رسالة لتحذير حمزة.
ثم يتسع صوت الأطفال ليشمل أهل الحارة، رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، حتى يصبح صوت المكان كله جزءًا من عملية الإنقاذ.

كان المشهد بالنسبة إلى طفل مثلي شديد السحر.
هؤلاء الأطفال الذين يشبهونني ليسوا مجرد خلفية للأحداث، إنهم يفعلون شيئًا. والحارة التي أعرفها، برجالها ونسائها وأطفالها، لا تكتفي بمشاهدة ما يحدث للبطل، وإنما تتدخل في مصيره.
لكن ما لم أكن أعرفه أنني سأحمل من هذا المشهد شيئًا آخر معي إلى خارج الفيلم.
بعد المشاهدة، صارت الأغنية أغنيتنا نحن الأطفال.
كنا نرددها في لعبنا، أنا وأقراني، ونغني
” يا وابور يا مولّع.. حط الفحم…”
لم تكن بالنسبة إلينا أغنية فيلم، بقدر ما كانت أغنية تخصنا.
أخذناها من الشاشة إلى الشارع، ومن الحكاية إلى اللعب، من دون أن نسأل من أين جاءت أو ماذا تعني في أصلها.
لم أعرف إلا بعد أن كبرت أن الأغنية فلكلورية، من تلك الأغاني التي كان الأطفال يتغنون بها في ألعابهم، وأن صلاح جاهين، أحد أبطال الفيلم، استلهمها ووظفها في هذا السياق.

حين عرفت ذلك، بعد سنوات طويلة، بدا لي المشهد أكثر دلالة.
فالفيلم لم يضع في أفواه الأطفال أغنية غريبة عن عالمهم، وإنما استدعى صوتًا يعرفه الأطفال أصلًا، ثم منحه وظيفة درامية جديدة. أغنية من فضاء اللعب الشعبي أصبحت، داخل الفيلم، وسيلة تحذير ومقاومة.
لعل أجمل ما في الأمر أنني عشت هذه العملية مرتين من دون أن أعرف، أولًا حين شاهدت الأطفال يغنون في الفيلم، ثم حين أخذت الأغنية نفسها لأغنيها في لعبنا.
لم أكن أعرف أنني، بذلك، أعيد إنتاج ما فعله الفيلم نفسه، أغنية شعبية تنتقل من اللعب إلى الدراما، ثم تعود من الدراما إلى لعب الأطفال.
اليوم، حين أعود إلى “لا وقت للحب”، أراه بعين مختلفة تمامًا.
أعرف شيئًا عن بناء المشهد، وعن الإيقاع، وعن علاقة الصورة بالصوت، وعن قدرة السينما على جعل المكان والجمهور جزءًا من الفعل الدرامي.
لكنني، في الوقت نفسه، لا أستطيع أن أتخلص من ذلك الطفل الذي كان يجلس على الأرض في شقة أبيه بروض الفرج، وينظر إلى الشاشة مأخوذًا بأطفال يشبهونه وهم ينقذون بطل الفيلم.

ربما لهذا بقي المشهد كل هذه السنوات.
ليس لأنه مشهد مقاومة فحسب، ولا لأن رشدي أباظة كان في خطر، وإنما لأنني، وأنا طفل، اكتشفت فيه شيئًا بسيطًا وكبيرًا في الوقت نفسه، أن الصوت يمكن أن يفعل شيئًا، وأن الجماعة يمكن أن تحمي واحدًا منها، وأن الطفل الذي يبدو صغيرًا على هامش الحكاية قد يصبح في لحظة ما جزءًا من صناعتها.
بينما نسيتُ كثيرًا مما قيل في الفيلم، ما زلت أسمع، بعد كل هذه السنوات، أصوات الأطفال وهي تبدأ الغناء، ثم يتسع الصوت حتى تصبح الحارة كلها جوقة واحدة.
أتذكر، قبل الناقد الذي صار فيما بعد، الطفل الذي خرج من أمام الشاشة ليغني الأغنية نفسها مع أقرانه.
“يا وابور يا مولّع.. حط الفحم…”
هكذا خرج الفيلم من الشاشة، ولم أعرف وقتها أنه سيبقى معي كل هذا العمر.
شاركنا برأيك