مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

سياسة الاقتراب دون الانفجار

كل يوم يمر دون مواجهة يعيد تشكيل الحسابات، يراكم الكلفة النفسية والسياسية، ويفتح مساحات جديدة للمناورة

مشاركة:
حجم الخط:

 خاص: آخر الكلام

المشهد القائم بين الولايات المتحدة وايران لا يمكن قراءته كطريق مستقيم يقود من التصعيد الى الحرب، ولا كحالة استقرار قابل للدوام. نحن امام لحظة مركبة، كثيفة الاشارات، لكنها محكومة بمنطق ادارة التوتر لا بمنطق الحسم. هذا التمييز اساسي، لان اخطر ما يمكن ان يقع فيه التحليل هو تحويل الجاهزية الى قرار، والاقتراب الى قفز، والضغط الى قدر محتوم.

الولايات المتحدة اليوم تظهر في موقع القوة التي تمتلك الادوات لكنها تفتقد الرغبة في استخدامها حتى النهاية. الانتشار العسكري الواسع، تعزيز الدفاعات، تكثيف الحضور الجوي والبحري، وتوسيع دوائر الضغط الاقليمي، كلها مؤشرات على رفع الجاهزية الى مستويات عالية. غير ان هذه الجاهزية، مهما بدت صاخبة، لا تعني ان قرار الحرب قد اتخذ. في العقل الاستراتيجي الامريكي، القدرة على الضرب لا تعادل القدرة على التحكم بالنتائج، وهنا تكمن العقدة. اي مواجهة شاملة مع ايران لا يمكن احتواؤها ضمن ضربة جراحية او زمن قصير، بل ستفتح سلسلة تفاعلات اقليمية تمتد من اسواق الطاقة الى امن القواعد والاساطيل، وصولا الى تفعيل شبكات الرد غير المباشر.

لهذا، تتعامل واشنطن مع التصعيد بوصفه اداة سياسية قبل ان يكون مسارا عسكريا. هي ترفع منسوب التوتر لتضييق هامش المناورة امام طهران، لا لاغلاقه بالكامل. الرسالة واضحة، الكلفة سترتفع، والبدائل ستتقلص، لكن الباب لن يغلق طالما ان امكانية تعديل السلوك لا تزال قائمة. هذا النمط ليس جديدا في السلوك الامريكي، بل يعكس عقيدة ادارة الخصوم لا تدميرهم، خصوصا حين يكون الخصم قادرا على ايذاء المصالح الامريكية وحلفائها على نطاق واسع.

في المقابل، لا تقف ايران في موقع المتلقي السلبي. سلوكها في هذه المرحلة يكشف عن ادارة دقيقة للمخاطر. لا اندفاع نحو مواجهة شاملة، ولا تراجع يوحي بالاستسلام. ما تقوم به هو رفع مدروس لكلفة الضغط، عبر اظهار القدرة، تنويع ادوات الردع، وتوسيع هامش اللايقين امام الخصم. ايران تدرك ان قوتها الحقيقية لا تكمن في خوض حرب تقليدية مفتوحة، بل في جعل الحرب خيارا بالغ الكلفة وغير مضمون النتائج. لذلك، توازن بين ارسال رسائل صلابة داخلية وخارجية، وبين الحفاظ على خطوط تمنع الانزلاق غير المحسوب.

العلاقة بين الطرفين في هذه اللحظة تحكمها معادلة اقتراب متبادل من الحافة. كل طرف يحاول ان يبدو اكثر استعدادا لتحمل المخاطر، دون ان يكون مستعدا فعليا لدفع ثمن الانفجار الشامل. هذا التوتر ليس عشوائيا، بل منضبط بقواعد غير مكتوبة. القواعد تقوم على الردع المتبادل، على معرفة كل طرف بان كسر الخط الاحمر سيستدعي ردا يتجاوز نية الفعل الاولية. لذلك، نرى تصعيدا تحت العتبة، واختبارا مستمرا للحدود دون تجاوزها.

اللافت ان الضغط الامريكي لا يسير في مسار واحد. هو ضغط متعدد الابعاد، عسكري، سياسي، اقتصادي، واعلامي. هذا التعدد لا يعكس نية حسم، بل يعكس غياب خيار حسم نظيف. القوة التي تريد الحرب تميل الى التركيز، الى تبسيط الجبهة، الى حشد كل الادوات في اتجاه واحد. اما حين تتوزع الادوات وتتعدد المسارات، فهذا يعني ان الهدف هو تعديل التوازن لا كسره، واعادة ضبط السلوك لا اسقاط النظام.

في المقابل، تستثمر ايران هذا التعدد لصالحها، عبر اللعب على التناقضات، استخدام الزمن، واستنزاف الاعصاب. الزمن هنا ليس عنصرا محايدا. كل يوم يمر دون مواجهة يعيد تشكيل الحسابات، يراكم الكلفة النفسية والسياسية، ويفتح مساحات جديدة للمناورة. اطالة التوتر قد تكون بحد ذاتها خيارا استراتيجيا، ليس انتظارا للحرب، بل رهانا على ان الكلفة ستدفع الطرف الاخر الى مراجعة سقوفه.

الخطاب المتشدد الذي يصدر عن دوائر مختلفة في واشنطن لا يمكن فصله عن هذه المعادلة. هو جزء من معركة الوعي، لا اعلان قرار. يستخدم لرفع الردع، اختبار ردود الفعل، وتهيئة الداخل والخارج لاحتمالات متعددة. غير ان التجربة تثبت ان الخطاب غالبا ما يكون اكثر تطرفا من الفعل، لان الفعل محكوم بقيود لا تعترف بها اللغة.

الخطر الحقيقي في هذه اللحظة لا يكمن في الحرب بوصفها خيارا مقصودا، بل في سوء التقدير. حين يسيء طرف قراءة اشارات الطرف الاخر، او يبالغ في تفسير الجاهزية بوصفها نية، قد يتحول التصعيد المدروس الى انفلات غير مقصود. هنا، لا تكون الحرب نتيجة قرار عقلاني، بل نتيجة تراكم اخطاء صغيرة، وضغط نفسي، وسوء قراءة للسياق.

الخلاصة ان المواجهة الامريكية الايرانية اليوم هي صراع على التحكم بايقاع التوتر، لا سباقا نحو اطلاق النار. هي معركة ارادات، حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه دون كسر الطاولة. الحرب حاضرة كاحتمال، لكنها ليست الغاية، بل الشبح المستخدم لفرض معادلات جديدة. من يفهم هذا يدرك ان اخطر ما في اللحظة ليس التصعيد ذاته، بل القراءة السطحية له. لان تحويل الاحتمال الى يقين، والاداة الى غاية، هو الطريق الاقصر لدفع الاطراف الى قرار لم تكن تريد اتخاذه اصلا.

شارك المقال: