غلاء الأسعار في مصر: أزمة مؤقتة أم واقع جديد؟
في تلك اللحظة تحديدًا، لا يصبح الغلاء خبرًا يُقرأ في الصحف، بل يصبح سيرة ذاتية تُكتب على جلد الروح. وهنا مكمن الخطر: أن يتحول الاقتصاد من علمٍ جامد ندرسه في الكتب، إلى ساردٍ شرسٍ يحكي قصة انهيارنا الشخصي ببطء

صورة تعبيرية للمقال
حين يصبح السعر سيرة ذاتية
ثمة لحظة فارقة في حياة كل مصري، يمكن تأريخها بدقة لو أردنا، تلك اللحظة التي دخل فيها إلى متجر يتردد عليه منذ سنوات، ومد يده إلى رف يعرفه عن ظهر قلب، لتسقط عيناه على الرقم الجديد المدون على السلعة، فيشعر فجأة وكأن جدارًا زجاجيًا قد نبت بينه وبين ما يريده.
في تلك اللحظة تحديدًا، لا يصبح الغلاء خبرًا يُقرأ في الصحف، بل يصبح سيرة ذاتية تُكتب على جلد الروح. وهنا مكمن الخطر: أن يتحول الاقتصاد من علمٍ جامد ندرسه في الكتب، إلى ساردٍ شرسٍ يحكي قصة انهيارنا الشخصي ببطء.
أولا: تشريح الأزمة داخل البيت
لكي نفهم ما يحدث، علينا أن نمارس نوعًا من الحفريات النفسية في طبقات الحياة اليومية. انظروا إلى ثلاجة أي بيت مصري من الطبقة المتوسطة – تلك الطبقة التي كانت عمود الخيمة الاجتماعي – تجدوا متحفًا للانكماش. علب السمن التي كانت حجمًا كبيرًا صارت حجمًا وسطًا، ثم صغيرًا، ثم اختفت تمامًا ليحل محلها “البديل النباتي” الأرخص.
الجبن الذي كنا نقطعه شرائح سميكة لندلّل به أنفسنا، صار يُبشر مثل الكنز كي يكفي لعدد أكبر من السندوتشات. هذه ليست مجرد استراتيجيات اقتصاد منزلي، هذه طقوس دفنٍ يومية لعاداتٍ كانت تُشكّل هويتنا.
الغلاء لم يضرب الجيب فقط، بل ضرب الذاكرة. كل ربة بيت صارت تمتلك أرشيفًا عقليًا دقيقًا: “الزيت كان بكام السنة اللي فاتت؟ واليوم بكام؟ وبكرة حيبقى بكام؟”
هذا الأرق الحسابي المستمر، هذه المعادلات التي تُجرى في الرأس من لحظة الاستيقاظ حتى النوم، تُنتج إنسانًا جديدًا: كائنًا حسابيًا بامتياز، يُترجم كل شيء إلى أرقام، حتى الابتسامة صارت تُوزن بميزانية الخروج من البيت، حتى زيارة الأم العجوز في آخر الشهر صارت بندًا يحتاج إلى لجنة تخطيط.
ولعل أقسى ما في الأزمة هو إعادة تعريف كلمة “ضروري”. ما كان ضروريًا بالأمس صار ترفًا اليوم. الفاكهة التي كانت تُشترى بالصندوق صارت تُشترى بالثمرة.
اللحوم التي كانت طبقًا رئيسيًا تحولت إلى “نكهة” تُضاف إلى طبق الخضار، مجرد ضيف شرف على المائدة لا بطلها. وعيادة طبيب الأسنان المؤجلة، ونظارة الابن التي صارت مقاسها أصغر من عينيه، كلها قصاصات من دفتر يوميات أزمة لا تجد من يسمع أنينها الخافت.
الفصل الثاني: التضخم الرسمي وتضخم الحواس
هنا يجب أن نتوقف عند مأزق إدراكي خطير. هناك ما يُسمى “التضخم المُعلن”، ذلك الرقم الذي تخرجه التقارير الرسمية في ثوب لائق، يجلس على منصة النشرات الاقتصادية بأناقة تخفي جراحه.
ثم هناك “التضخم المعاش” ذاك الذي يقطن في حواس الناس، في عيونهم حين يغادرون السوق، في حناجرهم حين يبتلعون الريق أمام “الفاتورة”، في أصابعهم المرتجفة وهي تعد النقود تحت المنضدة خلسة كي لا يراها أحد فيشفق عليها.
هذه الازدواجية الإدراكية تخلق شرخًا عميقًا في الثقة. عندما يسمع المواطن أن التضخم انخفض، بينما هو يدفع ضعف ما كان يدفعه منذ شهور، يشعر أن هناك من يتآمر على معاناته، أن هناك من يريد سرقة حتى ألمه وتحويره.
هذا الانفصام بين ما يُعلن وما يُعاش ليس مجرد إشكالية إحصائية، إنه مقتل للتعاقد الاجتماعي الضمني بين الدولة والمواطن، إنه تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أنه غريب في وطنه الاقتصادي، أن لغته لم تعد مفهومة، وأن قاموس معاناته قد أُلغي من التداول الرسمي.
محمود عبد اللطيف يكتب: فشل الدبلوماسية يعيد خلط أوراق القوة
د. محمود عبد اللطيف يكتب: تفتيت المنطقة بالتطبيع!
ثالثا: إعادة تشكيل الطبقات وصعود “المعدمين الجدد”
ما يحدث الآن ليس مجرد تغير في مستويات المعيشة، بل هو إعادة رسم لخريطة الطبقات الاجتماعية برمتها.
نحن نشهد بزوغ ظاهرة “المعدمين الجدد” وهم فئة كانت حتى وقت قريب تنتمي إلى الطبقة المتوسطة الدنيا، أولئك الذين كانوا ينامون وهم يعرفون أنهم فقراء لكن “مستورين” أنهم لا يمدون أيديهم لأحد، أن لهم كرامة تُشترى بدفع الفواتير في موعدها.
هؤلاء تحديدًا هم ضحايا الغلاء الصامتون، لأنهم يسقطون دون صوت، دون أن يراهم أحد، إذ لا يصلون إلى حد التسول، ولا يملكون قدرة الشراء التي تبقيهم في مرتبة “المستهلكين”.
الغلاء لم يوسع رقعة الفقر فقط، بل عمّق مأساة الفقر ذاته. فقراء الأمس كانوا يملكون استراتيجيات بقاء مُجربة، يعرفون كيف يتدبرون أمورهم في حاراتهم وأسواقهم الشعبية.
لكن فقراء اليوم الجدد قادمون من أبراج الطبقة المتوسطة، من شقق التمليك بنصف أثاث، من الوظائف الحكومية ذات الياقات الحديدية الصدئة.
هم لا يعرفون لغة الأسواق الشعبية، يخجلون من شراء “حوائط” الخضار التالفة، لا يُجيدون فن الصرف على “الكتالوج”، يشعرون بالدونية وهم يتعلمون الفقر في منتصف العمر، وهذا أقسى أنواع الفقر: فقرٌ لا تجيده.
رابعا: حين يصبح الألم لغة مشتركة
لكن، في قلب هذه الكارثة، ثمة ظاهرة إنسانية تستحق التأمل. تحول الغلاء إلى ما يشبه لهجة عامية جديدة يتحدثها الجميع.
في المواصلات، في الطوابير، في المصالح الحكومية، لم يعد الناس يبدأون حديثهم بالشكوى من الطقس أو الزحام، بل صار السؤال الافتتاحي: “شفت السعر الجديد؟”
تحولت الفاتورة إلى نص أدبي جماعي يُقرأ ويُفسر ويُعلق عليه، وتحولت ربة البيت العائدة من السوق إلى ما يشبه الناجية من معركة تروي مذكراتها.
هذه اللغة المشتركة للألم، رغم قسوتها، تخلق نوعًا من التضامن العابر للطبقات. عندما يتحدث الغني والفقير عن سعر الطماطم نفسه، نكتشف أن هناك شيئًا لا يزال يجمعنا.
هذه ليست دعوة للتفاؤل الساذج، بل اعتراف بأن الألم حين يصبح كونيًا، يصبح لغة، ويصبح – بقدر ما هو مُذل – رابطًا إنسانيًا لا يستهان به.
خامسا: أزمة مؤقتة؟ التفاؤل الذي يقتل والتشاؤم الذي يُحيي
لنكن صرحاء إلى أقصى مدى: هل ما نعيشه أزمة مؤقتة أم واقع جديد؟ الإجابة التقنية تقول إن التضخم ظاهرة دورية، وإن موجات الغلاء تأتي وترحل، وإن التاريخ الاقتصادي مليء بقصص التعافي.
لكن الإجابة الإنسانية مختلفة تمامًا. بالنسبة لمن فقد وظيفته، لمن لم يعد قادرًا على تعليم أبنائه، لمن هاجر أبناؤه هربًا من مستقبل مسدود، بالنسبة لكل هؤلاء، ليس مهمًا إن كانت الأزمة “مؤقتة” في علم الاقتصاد، المهم أنها دائمة بما يكفي لتدمير حياتهم.
هنا تكمن إشكالية “التفاؤل الاستراتيجي” الذي يُروّج له أحيانًا. التفاؤل، في بعض صوره، يصبح أفيونًا، يصبح وسيلة لتخدير الناس لا لحثهم على المواجهة.
نحتاج إلى “تشاؤم نقدي” يرى الكارثة على حقيقتها، يسمي الأشياء بأسمائها، يرفض تجميل القبح، لأن الوعي الحقيقي يبدأ من رؤية الهاوية بوضوح، لا من إنكار وجودها. التفاؤل الذي يقتل هو ذاك الذي يمنعك من بناء القارب لأنك تؤمن أن الطوفان سينحسر، أما التشاؤم الذي يُحيي فهو ذاك الذي يجعلك تبني الفلك.
خاتمة: ما بعد الغلاء، أو تشريح الروح المصرية
في نهاية هذه الرحلة في دهاليز الأزمة، لا نملك ترف تقديم إجابات جاهزة، لأن السؤال نفسه لا يزال مفتوحًا. هل الغلاء واقع جديد؟ ربما، لكن الأهم: هل نحن مستعدون للتكيف مع هذا الواقع دون أن نفقد ما تبقى من إنسانيتنا؟
هل يمكننا أن نستمر في الضحك، في الحب، في إنجاب الأطفال وتعليمهم، في الحلم بمستقبل أفضل، بينما تتآكل قدرتنا الشرائية كما تتآكل الشواطئ أمام مدٍ عنيد؟
الجواب في مكان ما، في قلب تلك المرأة التي لا تزال تزرع النعناع في علبة سمن فارغة على شباك المطبخ، في ذلك الأب الذي يواصل تعليم ابنه رغم أن مصاريف المدرسة تعني أنه لن يأكل اللحم هذا الشهر، في ذلك الشاب الذي يضحك مع أصدقائه على “الكوبون” وهو يعرف أن حسابه في البنك صفر.
الغلاء قد يأخذ منا الكثير، قد يغير شكل حياتنا وملامح مدننا، لكنه لا يستطيع – رغم كل شيء – أن يأخذ تلك الروح العنيدة التي ترفض أن تنطفئ.
هذه الروح ليست مجرد تفاؤل رومانسي، إنها استراتيجية بقاء تعلمها المصريون عبر آلاف السنين.
إنها القدرة على تحويل المأساة إلى نكتة، والعجز إلى إبداع، والفقد إلى حكاية. ربما لا نستطيع هزيمة الغلاء، لكننا نستطيع – وهذا انتصار صغير لكنه ثمين – ألا نسمح له بأن يحولنا إلى أرقام.
ألا نسمح له بأن يسرق منا، مع الخبز والزيت والسكر، ذلك الشيء اللامرئي الذي يجعل الحياة تستحق أن تُعاش، رغم كل شيء، وفوق كل شيء، وبعد كل شيء.






