سد النهضة.. أين يقف الملف وما السيناريوهات المقبلة؟
يقف ملف سد النهضة في مرحلة ما بعد افتتاح السد، بينما لا تزال مصر وإثيوبيا من دون اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد التشغيل وتبادل البيانات والتعامل مع فترات الجفاف. وتتمسك القاهرة باتفاق ملزم، في حين تؤكد أديس أبابا حقها في استخدام مواردها المائية للتنمية. لذلك تظل المفاوضات أو استمرار الوضع القائم أو تصاعد الخلاف أبرز السيناريوهات المطروحة.
بعد افتتاح سد النهضة رسميًا في سبتمبر 2025، انتقل الخلاف المصري–الإثيوبي إلى مرحلة جديدة
تتركز على قواعد التشغيل وتبادل البيانات وآليات التعامل مع فترات الجفاف.
وبينما تتمسك القاهرة باتفاق قانوني ملزم، تؤكد أديس أبابا حقها في تطوير مواردها المائية.
ومع استمرار غياب الاتفاق، تبرز عدة سيناريوهات لمستقبل الملف.
جنوب السودان يضع مصر في مأزق إقليمي
سد النهضة.. أزمة دخلت مرحلة التشغيل
لم يعد سد النهضة مشروعًا قيد الإنشاء. فقد افتتحت إثيوبيا السد رسميًا في 9 سبتمبر 2025،
لتبدأ مرحلة جديدة في النزاع الممتد مع مصر والسودان.
وبذلك، تغيّر السؤال الرئيسي في الملف.
فبعد سنوات من الخلاف حول البناء والملء، أصبح التركيز الآن على كيفية تشغيل السد، وقواعد التصريف،
وتبادل البيانات، والتعامل مع فترات الجفاف.
وهذه الملفات لم تصل حتى الآن إلى اتفاق قانوني ملزم بين الدول الثلاث.
وتشير دراسة أكاديمية منشورة في يناير 2026 إلى أن غياب اتفاق قانوني فعال وملزم كان أحد أسباب تعثر المفاوضات.
تشاتام هاوس: السياسة الخارجية المصرية ستظل محدودة التأثير إقليمياً خلال 2026
لماذا يتمسك الموقف المصري باتفاق ملزم؟
تؤكد القاهرة أن جوهر الخلاف لا يتعلق برفض حق إثيوبيا في التنمية أو توليد الكهرباء،
وإنما بطريقة إدارة السد وتأثيرها المحتمل على دولتي المصب.
ولهذا، تطالب مصر بوجود قواعد واضحة وملزمة لتنظيم التشغيل، خصوصًا خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد،
إلى جانب آلية فعالة لتبادل البيانات.
وفي يوليو 2026، وصف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الأمن المائي بأنه قضية وجودية وأولوية وطنية،
واتهم إثيوبيا باتخاذ إجراءات أحادية في تشغيل السد.
كما قال وزير الموارد المائية والري هاني سويلم في أغسطس 2026 إن مصر تطالب بآلية واضحة وملزمة لتبادل بيانات التشغيل،
بحيث تتمكن دولتا المصب من معرفة التصريفات المتوقعة وخطط التشغيل السنوية.
وتؤكد القاهرة كذلك أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تحمي مصالح مصر والسودان، مع احترام قواعد القانون الدولي
المتعلقة بالأنهار الدولية.
ماذا حدث للمفاوضات؟
وصل آخر مسار تفاوضي مباشر بين مصر والسودان وإثيوبيا إلى طريق مسدود في ديسمبر 2023.
وأعلنت وزارة الموارد المائية والري المصرية، آنذاك، انتهاء الجولة الرابعة والأخيرة من المفاوضات التي كانت تستهدف
التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة. وقالت القاهرة إن الجولة لم تحقق تقدمًا،
وإنها رأت استمرار الخلافات بشأن الحلول الفنية والقانونية.
ومنذ ذلك الحين، لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي ينظم تشغيل السد.
وفي يونيو 2026، أكد وزير الري المصري أن القاهرة علّقت المفاوضات، مشددًا على أن مصر لن تعود إلى مسار جديد
من دون إطار واضح وضمانات تحمي حقوقها المائية.
وهنا تظهر إحدى أهم عقد الملف: المشكلة لم تعد في غياب الحوار فقط،
وإنما في غياب أرضية مشتركة يمكن أن ينتج عنها اتفاق ملزم.
إثيوبيا: السد جزء من التنمية وحق استخدام الموارد
في المقابل، تتمسك إثيوبيا بحقها في تطوير مواردها المائية وتوليد الطاقة.
وتقدم أديس أبابا سد النهضة باعتباره مشروعًا رئيسيًا للتنمية وإنتاج الكهرباء، وترفض الطرح الذي يربط تشغيله بالحصول
على موافقة مصر أو السودان على كل خطوة.
وفي وثيقة قدمتها إثيوبيا إلى مجلس الأمن عام 2025، أكدت أديس أبابا أن افتتاح السد يمثل إنجازًا تنمويًا،
وقالت إنها اتخذت خطوات تراها متوافقة مع إعلان المبادئ الموقع عام 2015. كما رفضت الاتهامات المصرية المتعلقة بالتصرف الأحادي.
وتكشف هذه المواقف عن فجوة سياسية وقانونية واسعة بين الطرفين.
مصر تركز على إلزامية قواعد التشغيل وحماية دول المصب، بينما تركز إثيوبيا على حقها في استخدام مواردها المائية للتنمية.
هل انتهت أزمة سد النهضة؟
الإجابة هي: لا.
فالافتتاح الرسمي للسد لم ينهِ الخلاف، وإنما نقل النزاع إلى مرحلة مختلفة.
أصبح التشغيل السنوي، وتبادل البيانات، والتعامل مع سنوات الجفاف، والمشروعات المائية المستقبلية، ملفات أكثر أهمية من مسألة البناء نفسها.
وفي سبتمبر 2025، أكدت مصر في موقف رسمي موجه إلى مجلس الأمن رفضها للآثار التي تراها ناتجة عن الإجراءات الإثيوبية الأحادية،
وتمسكت بموقفها من ضرورة احترام القانون الدولي ومصالح دول المصب.
لذلك، يمكن وصف المرحلة الحالية بأنها مرحلة إدارة الخلاف أكثر من كونها مرحلة حسمه.
مشروعات مائية جديدة.. جبهة أخرى في الخلاف
لم يتوقف الجدل عند سد النهضة.
ففي 2026، ظهرت تقارير عن خطط إثيوبية لإنشاء مشروعات كهرومائية إضافية على النيل الأزرق، وهو ما أثار مخاوف مصرية جديدة.
وفي أغسطس، قال وزير الري المصري إن القاهرة لن تسمح ببناء سدود إثيوبية جديدة على النيل،
مطالبًا بآلية قانونية واضحة لتبادل بيانات تشغيل سد النهضة.
لكن يجب التفريق هنا بين التقارير الإعلامية بشأن مشروعات مستقبلية وبين القرارات الإثيوبية الرسمية بشأن تنفيذها.
فالمصادر التي تناولت هذه المسألة أشارت إلى أن إثيوبيا لم تعلن رسميًا في ذلك الوقت عن تلك المشروعات بالشكل الذي تناولته بعض التقارير.
وهذا يعني أن ملف السدود المستقبلية لا يزال يحتاج إلى متابعة دقيقة، بعيدًا عن تحويل التقارير أو التصريحات إلى حقائق مكتملة.
هل يمكن أن تعود المفاوضات؟
رغم تعثر المسار السابق، لا يعني ذلك اختفاء الخيار الدبلوماسي.
فملف سد النهضة ظل مرتبطًا بأدوار إقليمية ودولية، كما ظهرت خلال 2026 دعوات لإعادة تحريك الوساطة.
وتشير تحليلات حديثة إلى وجود مساحات يمكن أن تتحرك فيها وساطات جديدة، سواء من خلال الاتحاد الأفريقي
أو أطراف دولية أخرى. كما أن الاتحاد الأفريقي جعل الأمن المائي موضوعًا قاريًا مهمًا في 2026.
غير أن استئناف المفاوضات وحده لن يكون كافيًا.
فالاختبار الحقيقي سيكون في المرجعية التي ستبدأ منها المفاوضات، والقضايا التي ستتناولها، وطبيعة الاتفاق الذي يمكن أن ينتج عنها.
ما السيناريوهات المقبلة؟
السيناريو الأول: عودة التفاوض
يبقى هذا السيناريو الأكثر هدوءًا.
وقد تبدأ أي مفاوضات جديدة من الملفات الفنية التي ظلت محل خلاف، مثل:
- قواعد التشغيل.
- تبادل البيانات.
- التصريفات السنوية.
- التعامل مع الجفاف والجفاف الممتد.
- الإخطار المسبق.
- آلية تسوية النزاعات.
لكن نجاح هذا المسار يحتاج إلى تغيير في طريقة إدارة المفاوضات، وليس مجرد استئناف الاجتماعات السابقة.
السيناريو الثاني: استمرار الوضع القائم
في هذا السيناريو يستمر السد في العمل، بينما تظل مصر متمسكة باتفاق قانوني ملزم.
وفي الوقت نفسه، تواصل إثيوبيا إدارة السد وفق رؤيتها الخاصة، مع استمرار الخلاف حول القواعد القانونية والفنية.
هذا المسار لا يعني بالضرورة مواجهة مباشرة.
لكنه يعني استمرار التوتر، واحتمال عودة الأزمة إلى الواجهة كلما ظهرت ظروف مائية استثنائية أو مشروعات جديدة على النيل الأزرق.
السيناريو الثالث: تصعيد سياسي ودبلوماسي
قد يرتفع مستوى التصعيد إذا اتخذ أي طرف خطوات يعتبرها الطرف الآخر تهديدًا لمصالحه الأساسية.
في هذه الحالة، يمكن أن ينتقل الملف إلى مستوى أكبر من التحرك الدولي، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية.
غير أن هذا السيناريو احتمال تحليلي وليس توقعًا بوقوع مواجهة عسكرية.
ومن المهم عدم الخلط بين ارتفاع حدة الخطاب السياسي وبين وجود قرار فعلي بالتصعيد العسكري.
السودان.. الطرف الثالث في المعادلة
لا يمكن قراءة ملف سد النهضة من دون وضع السودان في قلب الصورة.
فالخرطوم دولة مصب، وفي الوقت نفسه يمكن أن تستفيد من بعض الآثار المرتبطة بتنظيم المياه
وتوليد الكهرباء إذا تم تشغيل السد بالتنسيق مع دولتي المصب.
لذلك، توجد مصالح مشتركة بين السودان ومصر في بعض الملفات، خصوصًا تبادل البيانات والسلامة والتنسيق التشغيلي، مع بقاء اختلافات في تقدير بعض جوانب السد.
وتزيد الحرب السودانية من تعقيد المشهد، لأنها أثرت في قدرة الخرطوم على الانخراط الطبيعي في الملفات الإقليمية والفنية.
هل أصبح سد النهضة أمرًا واقعًا؟
نعم، وجود السد نفسه أصبح واقعًا قائمًا بعد افتتاحه وتشغيله.
لكن هذا لا يعني أن جميع القواعد التي تحكم علاقته بدولتي المصب أصبحت محسومة.
وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية.
فالقضية لم تعد: هل سيُبنى السد؟
بل أصبحت:
كيف سيُدار؟
ما البيانات التي ستتبادلها الدول الثلاث؟
ماذا يحدث خلال سنوات الجفاف؟
وكيف تتم معالجة أي نزاع مستقبلي؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل الملف أكثر من مسألة الإنشاء التي انتهت بالفعل.
ما الذي تريده مصر في المرحلة المقبلة؟
الموقف المصري المعلن يركز على الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل السد ويحمي المصالح المائية لدولتي المصب.
كما تطرح القاهرة أهمية تبادل البيانات والتنسيق بشأن التشغيل، إلى جانب رفض الإجراءات الأحادية التي ترى أنها يمكن أن تؤثر في أمنها المائي.
وفي المقابل، ستظل إثيوبيا متمسكة بحقها في التنمية واستخدام مواردها المائية.
لذلك، فإن الوصول إلى تسوية يحتاج إلى مساحة مشتركة بين هذين الموقفين.
الخلاصة
دخل ملف سد النهضة مرحلة مختلفة بعد افتتاح السد في سبتمبر 2025.
لم يعد الخلاف يدور حول بناء المشروع فقط، وإنما حول قواعد التشغيل وإدارة المياه وتبادل البيانات والتعامل مع الجفاف والمشروعات المستقبلية.
وتتمسك مصر باتفاق قانوني ملزم يحمي أمنها المائي، بينما تؤكد إثيوبيا حقها في تطوير مواردها المائية.
أما السودان، فيبقى طرفًا رئيسيًا في أي ترتيبات مستقبلية تخص النيل الأزرق.
وبناءً على المعطيات الحالية، تبدو أمام الملف ثلاثة مسارات رئيسية: استئناف المفاوضات، أو استمرار الوضع القائم، أو تصاعد الخلاف سياسيًا ودبلوماسيًا.
ويبقى السيناريو الأكثر استقرارًا هو التوصل إلى قواعد واضحة وملزمة للتشغيل وتبادل البيانات، لأن استمرار الخلاف من دون إطار قانوني لا يلغي الأزمة؛ بل يؤجل أزماتها المحتملة إلى المستقبل.
شاركنا برأيك