مقالات
علاء عوض
علاء عوض

كاتب وباجث

علاء عوض يكتب: بوتين يرفع ثمن السلام

بوتين سيكون، في رأيي، أحمقًا سياسيًا إذا وقع في فخ أي هدنة لا تعكس التحولات التي حدثت على الأرض

مشاركة:
حجم الخط:

موسكو في مواجهة واشنطن وأوروبا

وصل سماسرة ترامب ، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى موسكو لإجراء مفاوضات مع القيادة الروسية

وتقديم عرض للرئيس فلاديمير بوتين بشأن الحرب في أوكرانيا، في محاولة للوصول إلى صيغة تضمن وقف القتال.

لكن السؤال الأهم هنا ليس: ماذا سيعرض ترامب على بوتين؟

بل: ماذا سيحصل عليه بوتين مقابل إنهاء الحرب؟

فهل يقبل بوتين باتفاق لا يعترف بالمكاسب الجغرافية الروسية الفعلية على الأراضي الأوكرانية

مع التعهد بعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، مع تقديم ضمانات أمنية وفرض قيود على القدرات العسكرية الأوكرانية ؟

وهل ستقبل أوروبا بعرض مثل هذا ؟

الأمر يبدو أكثر تعقيدًا، خصوصًا أن هذه الزيارة تأتي بعد زيارة مدير المخابرات الأمريكية إلى موسكو نهاية الشهر الماضي، والتي لم تنجح، بحسب ما ظهر من مسار الأحداث، في إنهاء التصعيد أو تخفيف حالة العداء المتزايدة بين روسيا من جهة وألمانيا وبريطانيا من جهة أخرى.

وفي الوقت نفسه، استمرت روسيا في توجيه ضربات عنيفة إلى أوكرانيا، بما في ذلك العاصمة كييف، في رسالة واضحة بأن موسكو لا تتعامل مع الحرب باعتبارها ملفًا منفصلًا عن موازين القوة على الأرض.

علاء عوض يكتب: إعلان صفقة ترامب في فنزويلا تحرير النفط من أصحابه

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية أمام ترامب.

فأوروبا غارقة بالفعل في حرب غير مباشرة مع روسيا، وألمانيا وبريطانيا تواصلان رفع مستوى دعمهما لأوكرانيا.

وفي الوقت نفسه قامت روسيا بتهديد بريطانيا وألمانيا

والاخيرة قلصت الوجود الدبلوماسي الروسي في ألمانيا

علي خلفية ضبط طائر مسيرة بجوار مطار لايبزيغ الألماني تحمل بصمات روسيا.

بينما يحاول ترامب البحث عن مخرج سياسي يستطيع تقديمه للشعب الأمريكي باعتباره إنجازًا دبلوماسيًا قبل انتخابات التجديد النصفي في ظل تعثره في حرب إيران.

ولهذا السبب، يبدو أن إرسال ويتكوف وكوشنر إلى موسكو لا يتعلق فقط بصناعة السلام، وإنما بمحاولة الوصول إلى وقف للحرب بأسرع وقت ممكن، وبصيغة يستطيع بوتين قبولها.

فترامب يحتاج إلى وقف لإطلاق النار، حتى لو كان مؤقتًا، يمكن أن يتحول داخل الولايات المتحدة إلى ورقة سياسية ثمينة، يرفع بها شعبيته قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل.

فالبيت الأبيض لا يحتاج بالضرورة إلى اتفاق تاريخي ينهي كل الملفات

مجرد إعلان وقف إطلاق النار يمكن تقديمه للرأي العام الأمريكي باعتباره نجاحًا للرئيس الذي وعد بإنهاء الحروب.

أما الهدف الثاني للزيارة، فهو احتواء التصعيد المتزايد ومنع الحرب الروسية الأوكرانية من التحول إلى مواجهة أوسع بين روسيا والقوى الأوروبية، في وقت تشتعل فيه جبهات أخرى، وعلى رأسها إيران.

لكن السؤال يبقى:

هل يستطيع ويتكوف وكوشنر إقناع بوتين بالتوقف الآن؟

بوتين سيكون، في رأيي، أحمقًا سياسيًا إذا وقع في فخ أي هدنة لا تعكس التحولات التي حدثت على الأرض.

فالحرب الإيرانية الأمريكية، وما تسببت فيه من استنزاف للقدرات والموارد الأمريكية العسكرية ، تفرض ضغوطًا جديدة على الولايات المتحدة، وقد تنعكس على قدرة واشنطن على مواصلة دعم أوكرانيا بالمستويات نفسها.

وفي المقابل، فإن أي هدنة طويلة تمنح أوكرانيا فرصة لإعادة تنظيم قواتها، وإعادة بناء قدراتها العسكرية، واستعادة تدفق الأسلحة والإمدادات، وهو ما قد يسمح لكييف بالعودة إلى الحرب في ظروف أفضل.

وهنا تصبح الهدنة، من وجهة نظر موسكو، سلاحًا ذا حدين.

إذا حصل بوتين على شروطه الأساسية، فقد تكون الهدنة مقدمة لإنهاء الحرب.

أما إذا كانت مجرد استراحة تمنح أوكرانيا فرصة لإعادة التسليح والاستعداد لجولة جديدة، فقد تكون موسكو أقل استعدادًا لقبولها.

والأهم من ذلك أن ما يحدث في إيران، وما يواجهه ترامب من إخفاقات وضغوط في تلك الحرب عامل قوة تفاوضية إضافي لموسكو.

فكلما انشغلت الولايات المتحدة بجبهات أخرى، وكلما ازدادت الضغوط على قدراتها العسكرية والسياسية، تغيرت حسابات الطرف الآخر على طاولة المفاوضات.

ولهذا يجب على واشنطن أن تأخذ في الحسبان حقيقة أساسية:

الواقع على الأرض في أوكرانيا تغير، وهذا التغير لم يكن لمصلحة كييف. بسبب غرق أمريكا في مضيق هرمز فلماذا يقدم بوتين تنازلات؟

وأي تسوية مؤقتة لا تعالج الأهداف الجيوسياسية والعسكرية الأساسية التي دفعت موسكو إلى خوض الحرب ضد أوكرانيا قد لا تكون بالنسبة لروسيا نهاية للصراع، وإنما مجرد تأجيل له.
فموسكو لا تبحث فقط عن وقف إطلاق النار، وإنما عن ضمانات تمنع عودة الحرب بشروط أسوأ عليها.

وفي النهاية، هناك معادلة صعبة تواجه ترامب:

أوكرانيا تريد الأمن دون التنازل عن أراضيها، وأوروبا تريد هزيمة استراتيجية لروسيا أو على الأقل منعها من تحقيق مكاسب كبرى، بينما تريد موسكو تثبيت نتائج الحرب والحصول على ضمانات أمنية طويلة المدى.

وبين هذه المصالح المتضاربة، يحاول ترامب صناعة صفقة سريعة يستطيع بيعها للناخب الأمريكي باعتبارها انتصارًا سياسيًا.

لكن لماذا يقدم بوتين تنازلات الآن، بينما يرى أن مرور الوقت قد يجعل شروطه أفضل؟

فإذا كانت كييف تعاني من نقص السلاح، وواشنطن منشغلة بجبهة أخرى، وأوروبا غير قادرة وحدها على تعويض الفجوة العسكرية الأمريكية، فإن أي هدنة تمنح أوكرانيا وقتًا لإعادة التسليح قد تكون بالنسبة لموسكو فرصة ضائعة أكثر منها مكسبًا.

فترامب يريد وقف الحرب ليبيع إنجازًا للناخب الأمريكي، وبوتين يريد أن يعرف أولًا: ماذا سيكسب الآن؟

بينما العواصم الأوروبية تخشى أن يبرم ترامب صفقة من فوق رؤوسهم تدفع أوروبا ثمنها الأمني مستقبلاً،

«فالذاكرة الأوروبية لا تزال تستحضر تجربة اتفاق ميونيخ عام 1938، عندما قُدّم إقليم السوديت لهتلر في محاولة لشراء السلام، قبل أن يتضح أن التنازل لم ينهِ أطماعه فكانت الحرب العالمية الثانية.

 ولهذا فإن ويتكوف وكوشنر يصلان إلى موسكو حاملين عرض ترامب، لكن ما سيجدانه هناك ليس مجرد طاولة مفاوضات، بل شبكة معقدة من المصالح وخطوط حمراء متعارضة.

فترامب يريد وقفًا سريعًا لإطلاق النار يستطيع تقديمه للرأي العام الأمريكي باعتباره إنجازًا سياسيًا،
وبوتين يريد تنازلات جيوسياسية مؤلمة خاصة أن عامل الوقت يعمل لمصلحة موسكو،
بينما تخشى العواصم الأوروبية أن تتحول أي صفقة أمريكية روسية إلى تسوية تدفع أوروبا ثمنها الأمني لسنوات قادمة.

ولهذا فإن مهمة ويتكوف وكوشنر أصعب مما يتصور ترامب

شارك المقال:

شاركنا برأيك