مقالات
حمدي عبد العزير
حمدي عبد العزير

كاتب وسياسي

حمدي عبد العزيز يكتب: لفافة وليلة طويلة (2-2)

أمسكت باللفافة وقبضت عليها دونما مراجعة، وقلت له أن الأمانات عنده تزيد واستأذنته في الانصراف.

مشاركة:
حجم الخط:

 كانت المفاجأة الكبرى عندما أخرج الكاتب اللفافة التي بها أعداد المجلات اليسارية السرية، وأكتشف انها لفافة مستندات البنك الذي يعمل به، وهنا كانت الليلة الظلماء في عقله، وفي الجزء الثاني يستكمل حمدي عبد العزيز الحكاية.

آخر الكلام 

حمدي عبد العزيز يكتب: لفافة وليلة طويلة (1-2)

لعبت كل الأفكار السوداء برأسي

وتحركت المشاهد التي أتصورها كعواقب مترتبة على فداحة ما ارتكبت من خطأ لا يغتفر في حق نفسي وحق رفاقي وحق الأفكار التي ناضلت من أجلها

أبسط هذه الأفكار أنه لابد أن أخصائي الحسابات سيفزع عندما يفتح اللفافة فيجد الوعي، والانتصار.

ودعوات إسقاط نظام السادات بدلًا من حركة البنك، ولابد أنه سيبلغ رئيسه صباحًا أنه لم يتمكن من تفريغ وإعداد وضبط ميزان الحركة العامة لبنوك القرى والفرع لغياب حركة بنك القرية الذي أعمل به.

ولابد أنه سيخبره أن الأفندي الشيوعي المستهتر أرسل منشورات سياسية بدلًا من أن يسلم حركة البنك.

بالتأكيد سيتصرف رئيس حسابات الفرع، وسيرسل مذكرة إلى الإدارة مرفق بها محتويات لفافتي.

بالتأكيد سأفصل من عملي، وهذا أقل الاحتمالات سوءًا

لأن هناك احتمالات أخرى أكثر سوءًا بالقدر الذي سينهي مبكرًا كل سمعتي وتاريخي الذي لم يبدأ بعد.

سيقبض علي وسيقبض على الرفاق وسأكون أنا من سلمتهم تسليم الأهالي كما يقولون ، وأكون ذلك الذي خان القضية والرفاق.

ليت أتوبيس الساعة العاشرة والنصف كان قد وقع بي في الترعة ونجا جميع ركابه بلا خدوش ومت أنا غريقًا.

اقتربت ساعات الصباح وأنا في هذا المنولوج الحالك الزرقة، انتهيت إلى أن هناك من سيقرع الباب بعنف بعد ثوان أو دقائق، وعلى أن أتماسك ، وأن ما حدث قد حدث وعلى أن أجيب على سؤال

ما العمل؟

مبدئيًا لو قبض علي سأقول للمحققين:

أن هذه لفافة وجدتها في الطريق العام، وافترضت أنها لفافة حركة البنك قد سقطت مني لسبب ما، ووضعتها في حقيبتي دون أن أدرك أن لفافة حركة البنك لم تقع.

هذا أفضل من أن أنكرها تمامًا لأن حارس البنك سيقول أنني أنا من سلمته اللفافة وموظف الحسابات سيشهد أنها خاصة بي وإدارة البنك ستفيد بذلك.

كذلك فإنني لن أستطيع تخبأة لفافة حركة البنك أو التصرف فيها لأن في ذلك كارثة أكبر هي التسبب في ضياع أموال البنك وحقوق كل المتعاملين في هذا النهار الأسود.

“كان يومًا أسودًا يوم أن عميت بصيرتي عن التمييز بين اللفافتين”

جهزت نفسي لاحتمال إلقاء القبض علي

وجهزت أقوالي بحيث أنه في أسوء الأحوال لا أتسبب في القبض على أحد سواي

استجمعت كل قواي

وتذكرت كل النصائح والخبرات والدروس والتدريبات التي تلقيتها حول طبيعة وأساليب تحقيقات ضباط مباحث أمن الدولة وتحقيقات النيابة ، وكيف أتعامل معها ..

وعندما بدأت شمس الصباح في السطوع ، ولم يأت أحد لدق الباب.

أسرعت في السادسة صباحًا بعد أن رميت وجهي بحفنة من الماء وبنفس ملابسي التي لم أخلعها بعد إلى منزل أخصائي حسابات البنك.

لم تكن هناك تليفونات محمولة وكانت التليفونات الأرضية وقفًا على من استطاع إليها سبيلًا ، قرعت باب زميلي أخصائي الحسابات ومعي لفافة الحركة

فتح لي بابتسامة غامضة

قائلًا:  تصدق انا صاحي بدري عشان مستنيك؟ تعالى جوه

صمت قليلًا ثم قال: معاك الحركه؟ 

  تسارعت دقات قلبي

  وناولته اللفافة بيد تهم بالارتجاف والخذلان كأنها تحمل ثقلًا هي أضعف من أن تحمله

فاستأذنني ودخل إلى غرفة داخلية ثم عاد إلى الصالون ومعه اللفافة التي انطس نظري وسلمتها لحارس البنك ، ووضعها أمامي على الطاولة ثم ابتسم ابتسامة ودودة قائلًا: خد بالك واوعى تعملها مع حد تانى.

لاحظ تعرق وجهي وارتباكي وتلعثم الكلمات على لساني فبادرني:

راجعها الأول وشوف حاجه ناقصه ولا لأ؟

  أمسكت باللفافة وقبضت عليها دونما مراجعة، وقلت له أن الأمانات عنده تزيد واستأذنته في الانصراف.

  فقبض على ساعدي قائلًا بحسم: انت مش هاتمشى قبل مانفطر سوى وتشرب الشاي.

  قلت له: إعفيني

  فبادرني قائلًا: اسمع، انت شكلك لانمت ولافطرت، وانت لو ماكنتش جيت كنت هاعدى عليك في البيت واجيبلك ورقك واخد الحركه.                                                                                               

  : هوه انت كنت فاكرنى هااعمل إيه بالورق ده

  : هابلغ عنك مثلًا ؟

: ليه؟ هو انت شايف انى مش جدع وقليل الأصل مثلًا 

لم أنطق وانا ابتلع ريقى وخجلى وارتباكى سوى بكلمة: لاسمح الله يااستاذ حسن

لم أستطع أن أكمل حديثي فقد كانت هناك يد تناوله من وراء باب الصالون صينية الفطور التي لم أستطع أن أهرب منها بعد أن قال حسن: 

“مش عاوز تاكل عيش وملح معايا ولا إيه؟             

 أدرك تمامًا معنى العيش والملح باعتباري فلاح من حيث الأصل، وأدرك مغبة أن يرفض الإنسان دعوة مشاركة العيش والملح خصوصًا إذا كان صاحب هذه الدعوة يقصد دون أن يصرح بأن يكون هذا العيش والملح تدشينا لعلاقة صداقة وأخوة لم تكن متداركة من قبل”

بالفعل تناولت الفطور مع حسن

وانصرفنا هو إلى طريق مقر عمله، وأنا إلى طريق مقر عملي بعد أن قال لي مودعًا: “منك لله 

هااضطر اطبق اليوم كله في البنك عشان اخلص حركة امبارح وحركة النهارده”

  هممت بالاعتذار له، لكنها قاطعني وقال:

عيب ياعم حمدى،  احنا ولاد بلد جدعان، انت بس اللى مش واخد بالك” 

بعد هذا اليوم لم ينبس حسن ببنت شفة عن هذه الحكاية لأحد أو حتى لى أنا شخصيا وكأنه وضعها في حفرة سحيقة من ذاكرته وردم عليها للأبد

وأنا بدوري لم أتمكن حتى هذه اللحظة من التعبير الملائم عن مدى شعوري بالامتنان لما فعله معي، وربما لا يعرف هو أنه أنقذني من مصير عاصف ومدمر

وربما لا يعرف حتى الآن أنه قد لقنني درسًا لا أنساه، وهي أنه حيث يوجد بشر حقيقيون يوجد أمان حقيقي لا يمكن تبديده.

وربما لا يعرف أنني بعد أن تفرقت بنا سبل الحياة، وأصبحنا هو في مدينة وأنا في مدينة أخرى، لا يعلم كل منا متى يلتقي وجهانا، لازلت أحفظ جميله، وسأظل كذلك حتى أخرج زفرتي الأخيرة

شارك المقال: