مقالات
سامح حسنين
سامح حسنين

كاتب صحفي

سامح حسنين يكتب: المسيح الناصري

لقد قتلوا المسيح الناصري، وخلقوا مسيحًا امبرياليًا ليست صورته تلك المرسومة حتى في لوحة العشاء الأخير.

مشاركة:
حجم الخط:

المسيح لم يكن أوروبيًا ولا أمريكيًا ولا من العربان

لم يكن أبيضًا ولا صاحب عيون زرقاء، لم يقتل بشرًا ولا قطع شجرًا، ولا رمي على أحد حجرًا.

لم يتحالف مع القتلة ولم يغتصب أرضًا، لربما كان هو أرنستو تشى جيفارا حين رأت امرأة جثته في أحراش بوليفيا فصاحت: “يا إلهي إنه يشبه المسيح”

ولربما حلَّ في سيدي عمر المختار وضحى كعادته وشُنق بدلًا منه، فتعرفت عليه فاطمة العبارية وأطلقت زغرودتها في معتقل سلوق.

لكن من المؤكد أنه كان مع “نفيسة” في البداية والنهاية يعاني الفقر وسوء الحظ والخذلان والقهر فقفز معها من فوق كوبري قصر النيل.

بعض العارفين يقولون أنهم تخلصوا منه مع جمال عبدالناصر في ليلة واحدة لئلا يكملا طريق الخروج على إله العصر الجديد.

ويقسم عاطف الطيب أنه شارك حسن “سواق الأتوبيس” في تجميع قيمة رهن “الورشة”

لكن فيديل كاسترو أكد أنه رافقه في جبال السيرا مايسترا وقاتل معه جنرالات باتيستا، والتحق بصفوف الثورة الجزائرية بصحبة زهرة وجميلة بو حيرد، وشارك مع جوستافو غوتيريز في صياغة لاهوت التحرير وكتابة إنجيل الفقراء وصاحب إرنستو كاردينال في ثورة الساندينستا.

آخرون يقولون أنه رآه بصحبة توماس سانكارا وهما يطعمان الجياع وأنه شاركه في صياغة الخطاب الذي ألقاه في الأمم المتحدة قبل اغتياله.

صورة تعبيرية للمقاوم يحيى السنوار
صورة تعبيرية للمقاوم يحيى السنوار

لم يقتل المسيح بشرًا ولا قطع شجرًا، ولا بنى معابد مرصعة بالجواهر ومزخرفة بالنقوش

بل سعى ليبني بيتًا لله في قلب كل إنسان، لم ينهب المسيح ثروات الشعوب ولا استباح أوطان الناس.

لم يكن المسيح استعماريًا ولا امبرياليًا ولا بنى قواعد عسكرية تنطلق منها طائرات الموت وتصب جحيمها فوق رؤوس العباد.

لم يكن للمسيح عملاء ولا جواسيس ولا قاد انقلابات عسكرية تسوم الشعوب سوء العذاب.

لم يكن المسيح عنصريًا ولم يأت ليقيم مملكة في الأرض وينصب نفسه ملكًا ابن الإله لتنحني له رؤوس العباد، بل جاء ليقيم مملكة للفقراء وليرفع رؤوسًا أحناها القهر والفقر وسياط الجلاد.

لم يكن المسيح تلموديًا ولا تبنى روايات توراتية تزعم أن هناك شعبًا لله مختارًا ولا أن الرب يأمر بالقتل والذبح والإبادة والتجويع والحصار، بل كان المسيح ينحاز وفقط للإنسان.

يقسم صديقي أنه رأى المسيح في كربلاء يضع رأس سيدي أبي الفضل العباس في حجره، وأخذ يمسح الدم والتراب عن وجهه، فبكى العباس وهو يلفظ أنفاسه:

تمسح الدم والتراب عن وجهي فمن سيمسح الدم والتراب عن وجهك فوق الصليب؟!

وأقسم آخر أنه رأه أيضا يوم الطف يسقي العطاشى، ويحمل اللواء، ويحمي الخيام ويزود عن بنات النبي، ورأه قتيلًا بلا كفين.

بعض الفقهاء يقولون أنه حل وارتحل ليشارك المظلومين والمستضعفين آلامهم أينما كانوا ، لكنه لم ينس أبدًا كونه ناصريًا.

فعاد في الثامن من أكتوبر ليسيل دمه مع دم شعبه النازف في مدينة الله، تبكيه الأمهات كل يوم ويغنين غناءً كالبكاء ( رجع الخي يا عين لا تدمعيله . . رجع الخي فوق أكتاف رفقاته ومحبينه . . رجع الخي يا يمه زغرديله .. هالشهيد دماته دين علينا”

فمن أين أتاكم ذلك التصور عن المسيح بعينيه الزرقاوتين ولونه الأبيض؟!

لقد قتلوا المسيح الناصري، وخلقوا مسيحًا امبرياليًا ليست صورته تلك المرسومة حتى في لوحة العشاء الأخير.

مسيحهم الذي صنعوه يؤمن بالقتل لا بالمحبة، ويبشر بالمثلية والشذوذ ويقدس الخطيئة.

مسيحهم ينحاز للأقوياء لا للضعفاء والمساكين، ويقود عولمتهم الرأسمالية المعسكرة، بعد أن قادهم لنهب ثروات الشعوب عبر قرون.
مسيحهم المزعوم خلق إسرائيل وزرعها فوق أراضينا بالقهر والعدوان ويمدها بأسباب البقاء، مسيحهم صهيوني أكثر من صهيون.

لكن مسيحنا الذي نعرفه لو عاد للعن دين أوروبا وأميركا وإنسانيتهم الكاذبة الزائفة.

ولذهب إلى أرضه المحتلة ليقاتل مع الفدائيين، ولينزف دمًا مع النازفين، ويبكى مع الباكين.

ولأعلن براءته من رب الجنود وحمل البندقية، مسيحنا الذي نعرفه من أنصار الجنوب المقاتل في لبنان يرفع مع نعيم قاسم شعار هيهات منّا الذلّة كما رفعه من قبل مع سماحة السيد حسن ومع راغب حرب ومع كل المحرومين.

مسيحنا هو مسيح المحبة والانحياز للمستضعفين.

هو المسيح صديقي الذي يسهر معي كل ليلة لنحرس الشهداء ونحن نسمع الست وهي تغني:

“حكيت لك عن سبب نوحي” ويحكي لي عن شهداء الطحين في غزة وعن الجوع في الخيام وعن قوافل الشهداء.

“ونار الوجد في دموعي” يحكي عن دموع الثكالى في البقاع الغربي والجنوب، وعن الأمهات اللاتي دفعن بأبنائهن ليقاتلوا فعادوا إليهن جثثًا بلا رؤوس كالحسين.

“أطاوع في هواك قلبي” لكنه لم يطاوع هؤلاء الذين باعوا دماء الشهداء وعملوا ككلاب حراسة للمشروع الصهيو أميركي

“وأنسى الكل علشانك” ويقسم أنه لن ينسى تلفت القلب والأرض المروية بالدم من النهر للبحر.

“ويزداد الجوى بيا” ويزداد الجوى به مع الذين يصعدون للسماء حيث لا دموع ولا حصار ولا تجويع ولا خذلان ولا دماء، يقول :

في السماء لن يتركنا الله للعدو، لن نعيش حالة حصار، في السماء لن يخذلنا الله وسيجد الصغار لبنًا والأمهات سيجدن طعامًا والعجائز سيشعرون بالرحمة والذين بُترت أوصالهم ستنمو لهم أجنحة، والشهداء سيعودون للحياة ثانية سعداء.

“يبان الدمع في عنيا” وبان الدمع في عينيه وهو يتحدث عن الذين جفت مآقيهم ولم يجدوا من يعيرهم حتى أعينًا للبكاء وهم يحملون نعوش الأحبة ” يا شايل نعش عيني”

“وتلك الأيام نداولها بين الناس” يقرأ وأقول له وأيضا تلك الأحزان نداولها بين الناس الذين تبقّي لديهم بقية من قلب ودم ودمع.

نتابع سويًا المعارك في غزة ولبنان وإيران ونتلو معهم ما تيسر من سفر الكرامة، ويواسي نفسي الثكلى وما تبقّى من القلب، وأهب المقاتلين معه ما تبقّى من عمري وقلبي ودمي.

ونغني ” أتظن أنك بعدما أحرقتني ورقصت كالشيطان فوق رفاتي ، أتظن انك قد محوت هويتي وطمست تاريخي معتقداتي؟!

عبثًا تحاول لا فناء لثائر أنا كالقيامة ذات يوم آت .. أنا كالقيامة ذات يوم آت”

شارك المقال: