علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
سارة سويلم
سارة سويلم

صحفية أردنية

سارة سويلم تكتب: من غزة إلى هرمز الشرق الأوسط الذي دخل حرباً بلا جبهة واحدة

غزة ليست تفصيلاً في المشهد.. إنها مفتاحه لهذا، فإن الحديث عن شرق أوسط جديد يبدأ من إيران أو الخليج ولا يصل إلى فلسطين، سيظل حديثاً ناقصاً.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تعد المنطقة تعيش حرباً واحدة يمكن تحديد بدايتها ونهايتها

ما يجري هو شيء أكثر تعقيداً: شرق أوسط تتداخل فيه الجبهات، وتتقاطع فيه المصالح، وتتغير فيه قواعد الردع، فيما تبدو غزة كأنها الجرح الذي ينتقل معه الصراع من عاصمة إلى أخرى.

ثمة لحظة في تاريخ الحروب يصبح فيها السؤال عن «الجبهة» أقل أهمية من السؤال عن «النظام» الذي تنتجه الحرب.

ربما يكون الشرق الأوسط قد بلغ هذه اللحظة.

من غزة إلى طهران، ومن جنوب لبنان إلى دمشق، ومن عمّان إلى الخليج، لم تعد الصواريخ تعرف تماماً أين تنتهي حدود الحرب. ولم تعد الدول قادرة على التعامل مع التطورات باعتبارها أزمات منفصلة.

فما يحدث في غزة يؤثر في لبنان، وما يحدث في لبنان يرتبط بإيران، وما يحدث في إيران ينعكس على الخليج العربي وما يحدث في الخليج يصل إلى أسواق الطاقة العالمية،

بينما يجد الأردن نفسه في المساحة الأكثر حساسية بين فلسطين وسوريا والعراق، وتجد الولايات المتحدة نفسها أمام شبكة من الأزمات لا يمكن إدارتها عسكرياً إلى ما لا نهاية.

هنا تكمن القصة الحقيقية.

الشرق الأوسط لا يخوض حرباً واحدة؛ بل يخوض صراعاً على شكل المنطقة التي ستأتي بعد الحرب

غزة.. المكان الذي يحاول الجميع تجاوزه ولا يستطيع

في لحظة انشغال العالم بإيران وهرمز والخليج، قد تبدو غزة وكأنها تراجعت إلى الهامش ، لكن غزة لم تتراجع.

الذي تغير هو العنوان!

فبعد قرابة عام من وقف إطلاق النار، لا تزال الحياة في القطاع محكومة بآثار الحرب والدمار والنزوح، فيما تستمر الضربات وتبقى إعادة الإعمار متعثرة.

في سبتمبر/أيلول الماضي، أدى انهيار مبنى متضرر في غزة إلى ارتقاء 21 شخصاً، بينهم أطفال ، في مشهد يلخص حجم الدمار الذي لم ينتهِ بانتهاء القتال واسع النطاق.

وتقول الأمم المتحدة إن الهجمات ما زالت تضرب مناطق مأهولة، وإن نقص المياه والخدمات الصحية والمواد الأساسية يفاقم الأزمة الإنسانية.

لكن الأهم من ذلك كله أن الحرب لم تنتج حلاً سياسياً.

وهنا تكمن المفارقة.

لقد استطاعت القوة العسكرية أن تغير الجغرافيا داخل غزة، لكنها لم تستطع أن تنتج إجابة عن السؤال الفلسطيني.

ومن دون هذه الإجابة، ستظل كل ترتيبات الأمن الإقليمي ناقصة.

إسرائيل.. أمن بلا نهاية للحرب؟

إسرائيل تنظر إلى المشهد من زاوية الأمن.

إيران تهديد استراتيجي.

حزب الله تهديد على الحدود الشمالية.

غزة جبهة لم تُغلق تماماً.

والحوثيون قادرون على التأثير في البحر الأحمر.

لكن تحويل كل هذه الملفات إلى ساحات عسكرية يفتح سؤالاً آخر:

هل يمكن تحقيق الأمن عبر توسيع مساحة الحرب باستمرار؟

في جنوب لبنان، تصاعدت العمليات الإسرائيلية بصورة دفعت الأمين العام للأمم المتحدة إلى التحذير من الخسائر المدنية والدمار، والدعوة إلى وقف الأعمال القتالية وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية واحترام سيادة لبنان.

هنا تصبح المعادلة أكثر تعقيداً

فإسرائيل لا تواجه جبهة واحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع ضمان أن ضرب جبهة ستغلق الأخرى.
كل ضربة قد تنتج رداً.وكل رد قد يفتح مساراً جديداً.
وهكذا يتحول الأمن من هدف إلى حالة حرب دائمة.
إيران.. الدولة التي لم تسقط معها شبكة النفوذ
المواجهة مع إيران ليست مجرد مواجهة حول منشآت نووية.
إنها مواجهة على النفوذ، والردع، والممرات، ومستقبل التوازنات الإقليمية.

الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران دخلت شهرها السابع، ومع ذلك لا تزال طهران قادرة على التأثير في المشهد الإقليمي، بينما تستمر تداعيات الصراع في البحر الأحمر والخليج.

وهذا يكشف شيئاً مهماً: الدولة قد تتلقى ضربة عسكرية، لكن النفوذ السياسي لا يختفي بالضرورة مع سقوط القنابل.

إيران بنت خلال عقود شبكة من الحلفاء والأدوات والقدرات الممتدة خارج حدودها.

لذلك فإن محاولة إضعاف إيران عسكرياً لا تعني تلقائياً إعادة تشكيل المنطقة سياسياً وفق الرؤية الإسرائيلية أو الأمريكية.

هذا تحديداً ما يجعل الحرب أطول وأكثر تعقيداً.

لبنان.. حين تصبح الدولة جغرافيا للصراع

في لبنان، يبدو السؤال مختلفاً:

ماذا يحدث عندما تكون الدولة محاصرة بين حرب أكبر منها؟

التصعيد الإسرائيلي في الجنوب لا يضغط على حزب الله وحده؛ بل يضغط على الدولة اللبنانية والمجتمع والبنية التحتية والمدنيين.

الأمم المتحدة حذرت في سبتمبر من سقوط مدنيين ومن استهداف منشآت صحية ومؤسسات عامة، إلى جانب موجات نزوح جديدة.

لبنان لا يملك رفاهية اختيار توقيت الحرب.

هذه إحدى أكثر المآسي السياسية تعقيداً في المنطقة:

الدولة التي لا تملك وحدها قرار الحرب قد تكون أول من يدفع ثمنها.

لهذا فإن مستقبل لبنان لا يرتبط فقط بموازين القوة بين إسرائيل وحزب الله، بل بقدرة الدولة اللبنانية على استعادة مساحة القرار والسيادة، وبالتسوية الإقليمية التي ستخرج من هذه الحرب.

سوريا.. الفراغ الذي يراقبه الجميع

سوريا ليست في قلب العناوين دائماً، لكنها في قلب الجغرافيا.

حدودها تجعلها متصلة بإسرائيل ولبنان والعراق والأردن وتركيا.

لهذا فإن أي إعادة تشكيل للمنطقة ستحتاج، بصورة أو بأخرى، إلى التعامل مع سوريا.

السؤال ليس فقط: ماذا يحدث داخل سوريا؟

بل: أي موقع ستحتله سوريا في الشرق الأوسط الجديد؟ هل تصبح جسراً بين القوى الإقليمية؟ هل تتحول إلى منطقة تنافس؟هل تستعيد دورها العربي؟

أم تبقى مساحة نفوذ تتقاطع فيها مصالح الآخرين؟

الإجابة ستؤثر مباشرة في أمن الأردن والعراق ولبنان، وفي مستقبل الممرات التجارية والطاقة والنفوذ الإقليمي.

الأردن.. الدولة التي تريد ألا تصبح جبهة في قلب هذه المعادلة

الأردن هي الدولة التي لا تريد الحرب، لكنها تقع في محيط لا يسمح لها بتجاهلها.

فلسطين غرباً.سوريا شمالاً العراق شرقاً.

القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة.

وخلال الحرب الأمريكية-الإيرانية، امتد التصعيد إلى الأراضي الأردنية؛ ففي يوليو/تموز أعلنت الولايات المتحدة مقتل عسكريين أمريكيين في الأردن بعد هجوم إيراني.

هذا يكشف حساسية الموقع الأردني.

الأردن لا يستطيع أن يعزل نفسه عن الصراع، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يتحول إلى ساحة حرب بالوكالة.

الأخطر أن المسألة الأردنية لا تتوقف عند الصواريخ والمسيّرات.

هناك الضفة الغربية .. هناك القدس.

هناك مستقبل القضية الفلسطينية.

هناك الخوف من أن تتحول التحولات الإسرائيلية في الضفة إلى أزمة تتجاوز حدود فلسطين.

لهذا فإن الأمن الأردني ليس ملفاً منفصلاً عن مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

الخليج العربي  عندما يتحول المضيق إلى ورقة سياسية

ثم تأتي دول الخليج الدول التي بنت خلال العقود الأخيرة اقتصاداً قائماً على الطاقة والتجارة والاستثمار والانفتاح العالمي، وجدت نفسها أمام سؤال لم يكن في حساباتها الاقتصادية وحدها:

ماذا لو أصبح أمن الممرات البحرية جزءاً من الحرب؟ مضيق هرمز هو المثال الأوضح.

فبحسب بيانات نقلتها رويترز، انخفض عدد سفن السلع التي عبرت المضيق في أحد أيام سبتمبر إلى أربع سفن فقط، مقابل متوسط يبلغ 16 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.

هذا ليس تفصيلاً تقنياً هرمز ليس مجرد ممر بحري إنه أحد الشرايين التي تربط الخليج بالاقتصاد العالمي ولهذا فإن الحرب التي تبدأ بين واشنطن وطهران يمكن أن تتحول سريعاً إلى أزمة في الطاقة والتجارة والتأمين والنقل والغذاء.

هنا تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة دقيقة تحتاج إلى الولايات المتحدة أمنياً، لكنها لا تريد أن تتحول إلى ساحات للحرب الأمريكية الإيرانية وتحتاج إلى الاستقرار مع إيران، لكنها لا تستطيع تجاهل حساباتها الأمنية وتريد استمرار مشاريعها الاقتصادية، لكن الحرب تهدد البيئة التي تقوم عليها تلك المشاريع

واشنطن.. تستطيع ضرب إيران، لكن ماذا بعد؟

هذه هي العقدة الأمريكية الولايات المتحدة تملك القوة العسكرية الأكبر، لكنها تواجه سؤالاً سياسياً لا تجيب عنه الطائرات:

كيف تنتهي الحرب؟

في سبتمبر الماضي ، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يأمل أن تكون الحرب مع إيران قريبة من نهايتها، بينما كانت الحرب قد دخلت شهرها السابع من دون تسوية نهائية واضحة.

كما أشارت تقارير إلى لقاء مرتقب مع قادة أو وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي لمناقشة مرحلة ما بعد الحرب.

هنا يظهر الفرق بين إدارة الحرب وإدارة ما بعد الحرب.القوة تستطيع تدمير منشأة.

لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام أمني جديد ولا تستطيع وحدها حل القضية الفلسطينية ولا تستطيع وحدها إعادة بناء لبنان. ولا تستطيع وحدها تحديد مستقبل سوريا.

لا تستطيع وحدها ضمان أمن الخليج إلى الأبد.

لهذا فإن الاختبار الحقيقي لواشنطن ليس قدرتها على خوض الحرب، بل قدرتها على إنتاج تسوية سياسية قابلة للاستمرار.

إسرائيل وإيران.. الصراع على اليوم التالي

إذا كانت الحرب الحالية تبدو في ظاهرها مواجهة حول النووي والأمن والردع، فإن جوهرها أوسع من ذلك.

إنها مواجهة حول السؤال:

من يملك حق تحديد قواعد الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب؟

إسرائيل تريد بيئة إقليمية أكثر أمناً بالنسبة إليها، مع تقليص القدرات التي تعتبرها تهديداً وجودياً ، إيران تريد الحفاظ على قدرتها على الردع والنفوذ ، واشنطن تريد منع توسع الصراع مع الحفاظ على نفوذها.

دول الخليج تريد الاستقرار وحماية اقتصاداتها.

الأردن يريد حماية حدوده واستقراره ومنع ارتداد الأزمة الفلسطينية عليه.

لبنان يريد ألا يتحول إلى ساحة مفتوحة.

سوريا تريد استعادة مكانتها بعد سنوات من الحرب.

أما الفلسطينيون، فما زالوا ينتظرون الإجابة عن السؤال الذي لم تستطع كل هذه الحروب إخفاءه:

ماذا عن الدولة والحرية والسيادة؟

المشكلة أن الجميع يتحدث عن الأمن.. وقليلين يتحدثون عن جذور الصراع

ربما تكون أكبر مشكلة في السياسة الإقليمية أن كلمة «الأمن» أصبحت قادرة على ابتلاع كل شيء. الأمن الإسرائيلي ، الأمن الإيراني.

الأمن الخليجي ، الأمن الأردني ، الأمن الأمريكي.

لكن أين الأمن الفلسطيني؟

هل يمكن أن يستقر أمن الآخرين بينما يعيش ملايين الفلسطينيين في ظل الاحتلال أو النزوح أو الدمار؟

التجربة منذ أكتوبر/تشرين الأول أثبتت أن القضية الفلسطينية لا تختفي بمجرد تجاهلها.

بل تعود في اللحظة التي يظن فيها الآخرون أنهم تجاوزوها.

هذا ما يجعل غزة أكثر من جبهة.

إنها اختبار للنظام الإقليمي كله.

شرق أوسط جديد.. أم شرق أوسط أكثر هشاشة؟

قد تنتهي الحرب الحالية بتسوية وقد تستمر.

قد تتغير خرائط النفوذ.

لكن شيئاً واحداً يبدو واضحاً: المنطقة بعد هذه الحرب لن تكون كما كانت قبلها.

لقد تغيرت حسابات الردع وتغيرت علاقة دول الخليج بالأمن الأمريكي وتغيرت مكانة إيران ،، وتغيرت طبيعة المواجهة الإسرائيلية مع الجبهات المحيطة.

أصبح أمن الممرات البحرية جزءاً من الأمن القومي للدول العربية والعالم.

لكن التغيير الأخطر قد يكون في مكان آخر:

تآكل فكرة أن بالإمكان إدارة أزمات الشرق الأوسط إلى الأبد من دون معالجة جذورها.

يمكن تأجيل الحرب ، يمكن عقد هدنة.

يمكن تغيير خطوط الانتشار ، يمكن فتح المعابر ،،يمكن فرض عقوبات.

لكن لا يمكن تأجيل السياسة إلى ما لا نهاية.

غزة ليست تفصيلاً في المشهد.. إنها مفتاحه

لهذا، فإن الحديث عن شرق أوسط جديد يبدأ من إيران أو الخليج ولا يصل إلى فلسطين، سيظل حديثاً ناقصاً.

فالمنطقة ليست بحاجة فقط إلى وقف إطلاق النار في هذه الجبهة أو تلك.

إنها بحاجة إلى إعادة تعريف قواعد العلاقة بين الأمن والسياسة.

إلى ترتيبات تحمي الدول من الحروب بالوكالة إلى ضمانات تمنع تحويل لبنان واليمن وسوريا وغيرها إلى ساحات دائمة للصراع إلى نظام إقليمي يحمي الممرات والطاقة وقبل كل ذلك، إلى حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية لأن الأمن الذي يستثني الفلسطينيين لن يبقى أمناً طويلاً والاستقرار الذي يُبنى فوق غزة المدمرة سيظل هشاً والسلام الذي لا يجيب عن سؤال الاحتلال سيبقى هدنة مؤجلة الانفجار السؤال الذي سيبقى بعد انطفاء الصواريخ ربما تنتهي الحرب يوماً قد تفتح المفاوضات أبوابها.

قد تعود السفن إلى هرمز وقد تهدأ الحدود اللبنانية وقد تبدأ إعادة إعمار غزة.

لكن السؤال الأهم سيبقى:

هل تعلمت المنطقة من هذه الحرب، أم أنها تستعد فقط للحرب التالية؟

هنا تحديداً يتحدد مستقبل الشرق الأوسط.

القوة تستطيع أن تعيد رسم خطوط على الخريطة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنح المنطقة سلاماً دائماً.

الصواريخ تستطيع تغيير ميزان القوة، لكنها لا تستطيع كتابة عقد سياسي جديد.

أما غزة، التي حاول كثيرون تحويلها إلى هامش في الحسابات الكبرى، فقد أثبتت مرة أخرى أنها في قلبها. من غزة بدأ انكشاف هشاشة النظام الإقليمي ومن غزة اتسعت الجبهات.

من غزة انتقل السؤال الفلسطيني إلى كل عاصمة عربية تقريباً.

لهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي:

من انتصر في الحرب؟

بل السؤال الذي سيحدد تاريخ المنطقة لعقود قادمة:

هل يستطيع الشرق الأوسط أن يخرج من منطق إدارة الحروب إلى منطق صناعة السلام؟

فإذا لم يحدث ذلك، فقد تتغير أسماء الجبهات، وتتبدل التحالفات، وتتغير الحكومات والخرائط لكن المعادلة ستبقى كما هي:
غزة تشتعل، فيشتعل الإقليم!

شارك المقال:

شاركنا برأيك