د. رمضان بلال يكتب: مسرح ماسبيرو من حلم فردي لمشروع مؤسسي (2)
مشروع يعيد للمسرح التليفزيوني معناه، ويمنح أبناء ماسبيرو فرصة لصناعة منتج فني يستطيع الوصول إلى الجمهور.
صورة تعبيرية للموضوع
في نهاية عام 2015، لم يكن مشروع «مسرح ماسبيرو» قد خرج بعد من دائرة الفكرة.
لم تكن هناك ستة عروض جاهزة، ولا عشرات البروفات، ولا أسماء نجوم وشباب، ولا حديث عن عودة مسرح التليفزيون إلى الشاشة.
كان هناك فقط سؤال بسيط:
ماذا لو استخدم ماسبيرو ما يملكه بالفعل، بدلًا من أن ينتظر ميزانية ضخمة لا تأتي؟
وتشير التغطيات الصحفية المنشورة في ديسمبر 2015 إلى أن بذرة المشروع خرجت من داخل اتحاد الإذاعة والتليفزيون، وكان في مقدمتها علي أبو هميلة، سيد عيسوي، ناصر رشوان، وائل الجندي، وعمرو رشاد.
لم تكن الفكرة مجرد اقتراح عابر، بل مبادرة نابعة من معرفة مباشرة بإمكانات ماسبيرو، وبالمواهب الموجودة داخله، وبالقدرة على إنتاج عروض مسرحية اعتمادًا على الموارد المتاحة بدلًا من انتظار تمويل كبير.
كان أبو هميلة، ومعه سيد عيسوي، وعمرو رشاد، من أوائل الذين حملوا الفكرة وطرحوا إمكانية تحويلها إلى مشروع حقيقي.
وقد أدركا أن ماسبيرو لا يفتقر إلى العناصر الأساسية لصناعة العرض المسرحي، فالمكان موجود، والخبرات الفنية والإدارية موجودة.
والكوادر القادرة على الكتابة والإخراج والتمثيل والتصوير والإضاءة والديكور تعمل بالفعل داخل المؤسسة.
لكن الفكرة، مهما كانت قوية، كانت تحتاج إلى قرار يفتح أمامها الطريق.
لذلك تحركت مجموعة من العاملين لتقديم المشروع إلى رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون وقتها عصام الأمير.
وهنا حدثت اللحظة الفاصلة:
عصام الأمير قال: نعم.
لم تكن هذه الموافقة مجرد إجراء إداري، ولم تكن توقيعًا على ورقة تنتهي آثارها في أحد الأدراج.
كانت اعترافًا بأن الفكرة تستحق التجربة، وإذنًا بتحويل المبادرة التي حملها أبو هميلة ورفاقه من حديث داخل أروقة ماسبيرو إلى مشروع يمكن أن تتحرك له المؤسسة.
لقد منح قرار عصام الأمير الفكرة غطاءً رسميًا، لكنه لم يصنعها من البداية.
فالبداية كانت من العاملين أنفسهم، وفي مقدمتهم أبو هميلة،عيسوي، ورشاد، اللذان قدما تصورًا يقوم على استثمار ما هو متاح داخل الاتحاد بدلًا من ربط المشروع بميزانية ضخمة.
كان التصور واضحًا:
الاستفادة من الاستوديوهات، وأماكن البروفات، والديكور، والملابس، والإضاءة، والتصوير، والخبرات البشرية.
مع فتح الباب أمام أصحاب المواهب للمشاركة في الكتابة والتأليف والإخراج والتمثيل والتلحين والصوت والجرافيك والإخراج التليفزيوني.
وهذا هو جوهر الحكاية:
حين لا يكون المال هو رأس المال الوحيد.
فقد كان ماسبيرو يمتلك ما هو أغلى من المال أحيانًا:
المكان… والخبرة… والأجهزة… والموظف الموهوب… والفنان… والمخرج… والكاتب… والرغبة في العمل.
وقد تحدثوا وقتها عن إمكانية توفير الإمكانات اللوجستية للمشروع من داخل اتحاد الإذاعة والتليفزيون، مع الاستعانة بمسرحيين من خارجه عند الحاجة.
لكن هذه الإمكانات لم تكن لتتحول إلى مشروع لولا المبادرة الأولى التي قدمت، ولولا القدرة على إقناع الإدارة بأن الفكرة قابلة للتنفيذ.
ولم يكن المشروع يريد أن يقدم مجرد «اسكتشات» تليفزيونية للضحك ثم تنتهي الحكاية.
كان الطموح أكبر:
نص مسرحي.
إخراج حقيقي.
تمثيل.
إضاءة.
حركة.
ومشروع يعيد للمسرح التليفزيوني معناه، ويمنح أبناء ماسبيرو فرصة لصناعة منتج فني يستطيع الوصول إلى الجمهور.
في ديسمبر 2015 فُتح الباب أمام العاملين في الاتحاد للمشاركة؛ كتابةً، وتأليفًا، وإخراجًا، وتمثيلًا، وتلحينًا، وإضاءةً، وصوتًا، وديكورًا، وجرافيكًا، وملابس وإكسسوارات، بل وحتى الإخراج التليفزيوني.
أي أن الفكرة لم تكن:
«أعطني ميزانية وسأصنع مسرحًا»
بل كانت:
“أعطني فرصة، وسأريك ماذا يستطيع أبناء ماسبيرو أن يصنعوا بما لديهم”
وهنا بدأت تظهر المشكلة التي ستلازم الحكاية كلها:
الحلم كان موجودًا…
و كانوا قد وضعوا الفكرة على الطريق.
والإمكانات كانت موجودة.
لكن المؤسسة الكبيرة لا تتحرك بالحماس وحده.
ففي يناير 2016 ظهرت بالفعل صعوبة في استقطاب العدد المأمول من العاملين، رغم أن التليفزيون كان يمتلك كثيرًا من أدوات الإنتاج المسرحي.
ومع ذلك لم يمت المشروع.
بل حدث العكس.
بدأت الاجتماعات، الاختبارات، بدأ اختيار المواهب، ثم جاءت البروفات.
ثم ظهر اسم مازن الغرباوي مديرًا مسرحيا للمشروع.
وبحلول أبريل 2016 كان المشهد قد تغير تمامًا.
لم تعد الحكاية عن فكرة طرحها علي أبو هميلة ورفاقه وتبحث عن مكان.
لقد أصبح هناك ستة عروض مسرحية يجري إعدادها للموسم الأول، بمشاركة نحو 150 وجهًا جديدًا إلى جانب فنانين معروفين، وكان الفريق قد أمضى قرابة خمسة أشهر في البروفات والتحضيرات.
وهنا، يا عزيزي القارئ، تبدأ المفارقة الكبرى.
مشروع بدأ بمبادرة من داخل ماسبيرو، وبإمكانات محدودة، وبإصرار من رجال آمنوا بأن المؤسسة تستطيع أن تنتج من داخلها.
تحول إلى مشروع يحمل عشرات المواهب ومجموعة من الكتاب والمخرجين والفنانين.
مشروع لم يكن رأس ماله الأول خزينة ضخمة، بل الإنسان
وتبقى الحقيقة الأهم أن موافقة عصام الأمير كانت لحظة حاسمة، لكنها جاءت بعد أن وُلدت الفكرة على يد العاملين، الذين حملا المشروع من مساحة الاقتراح إلى مساحة الفعل، وفتحا الباب أمام تجربة أثبتت أن الإمكانات المعطلة يمكن أن تتحول إلى إنتاج حين تجد من يراها ويؤمن بها.
وهذه هي النقطة التي ستأخذنا في الحكاية القادمة إلى السؤال الأخطر:
إذا كان أبو هميلة ورفاقه قد حملوا الفكرة، وإذا كان عصام الأمير قد منحها الموافقة، وإذا كان الرجال قد بدأوا العمل، وإذا أصبحت العروض الستة قريبة من النور.
فمن الذي كان سيطفئ النور قبل لحظة الافتتاح؟
يتبع…
الحكاية الثالثة:
نحن لا نريد أجورًا..
شاركنا برأيك