آراء و تحليلات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: وهم الدور الراسخ والزعامة التي لا تشيخ

وهم الزعامة الإقليمية المسيطرة:تستدعي لغة "الزعامة" صورة القاهرة الناصرية: العاصمة التي تُصاغ فيها السياسة العربية، وتتحرك منها حركات التحرر، ويحسب الآخرون حساباً لقرارها.

مشاركة:
حجم الخط:

أوهام الجمهورية الجديدة! (6- 12)

من أكثر أوهام “الجمهورية الجديدة” حضوراً ذلك التصور الذي يقدّم مصر باعتبارها قوةً إقليميةً ثابتةً لا يتزحزح موقعها، وصاحبة “الدور التاريخي” و”القيادة الطبيعية” التي لا يستطيع الإقليم الاستغناء عنها.

من فلسطين إلى ليبيا والسودان وسد النهضة، يبدو الخطاب الرسمي والإعلامي واثقاً من أنَّ القاهرة ما زالت تمسك الخيوط، وأنَّ العالم يصغي إليها كما كان يفعل في عقود سابقة.

لكنَّ الدول لا ترث النفوذ كما ترث الآثار؛ فالقوة التي لا تُجدَّد تتحول من رصيد إلى ذكرى..

والمشكلة ليست أنَّ مصر فقدت أهميتها؛ فموقعها وسكانها وجيشها وقناة السويس ووزنها التاريخي تمنحها أهميةً لا يمكن تجاهلها.

المشكلة أنَّ الأهمية شيء، والقدرة على تحويلها إلى نتائج شيء آخر.

فقد صعدت حولها قوى أكثر حركةً وتمويلاً: السعودية والإمارات وقطر وتركيا وإثيوبيا، وأصبحت ملفات كانت القاهرة تعدها امتداداً طبيعياً لأمنها القومي ساحات مفتوحة لمنافسين آخرين.

ومع اعتماد الاقتصاد المصري المتزايد على التمويل الخليجي، تقل مساحة الحركة المستقلة، ويصبح الحديث عن “الزعامة” أحياناً أكبر من أدواتها الفعلية.

أيمن منصور ندا يكتب: وهم الجمهورية الجديدة! (3- 12)

سد النهضة يقدم المثال الأكثر قسوة فقد اكتمل البناء والملء والتشغيل بينما ظلت المفاوضات تدور.

وفي السودان، الذي كان لعقود عمقاً استراتيجياً مباشراً لمصر، أصبحت قوى إقليمية أخرى أكثر حضوراً في الصراع ومساراته.

وفي ليبيا فرضت تركيا وجوداً عسكرياً وسياسياً واضحاً في الغرب، بينما تحركت القاهرة داخل شبكة واسعة من اللاعبين.

وحتى في فلسطين، حيث تظل مصر طرفاً لا يمكن تجاوز موقعه الجغرافي ودوره في المعابر والمفاوضات والمساعدات، أصبحت الوساطة نفسها مجالاً تتقاسمه قوى أخرى.

وأن تكون موجوداً في كل الملفات لا يعني أنك تحسم أياً منها، أو أن لك اليد العليا في أي منها..

المؤكد أنَّ القوة الإقليمية ليست مقعداً محفوظاً باسم الدولة إنها قدرة متجددة على التأثير في القرار، وحماية المصالح، وصنع البدائل، وتحميل الخصم كلفة تجاهلك.

فإذا تراجعت هذه الأدوات، قد يبقى العلم على طاولة المفاوضات بينما يتراجع الوزن الذي يحمله.

وينبثق من هذا الوهم الكبير، خمسة أوهام فرعية: –

أولاً: وهم القوة الناعمة التي لا تشيخ:

اعتادت مصر أن تستدعي السينما والموسيقى والأزهر والجامعات والإعلام باعتبارها دليلاً جاهزاً على استمرار قوتها الناعمة.. وهذا صحيح تاريخياً؛ فقد كانت القاهرة مصنعاً أساسياً للثقافة العربية المشتركة، وكانت لهجتها ونجومها وصحفها وجامعاتها جزءاً من تكوين أجيال عربية كاملة.

لكنَّ القوة الناعمة لا تعيش على المعاش.

فالدراما التركية والخليجية تنافس بقوة إنتاجية وانتشار رقمي واسع.

ومؤسسات دينية إقليمية أخرى بنت شبكات عالمية بتمويل ضخم.

والجامعات المصرية لم تعد تحتل الموقع العربي الذي كان شبه مضمون لها.

والإعلام المصري انكفأ بدرجة كبيرة إلى الداخل.

المؤكد أننا نملك مخزوناً هائلاً من القوة الناعمة، لكنَّ المخزون ليس هو ما يجري في القنوات.

أن تكون قد أثرت في وجدان المنطقة لا يعني أنك ما زلت تصنع وجدانها اليوم؛ فالمجد الثقافي أصل يمكن استثماره، لكنه ليس شهادة ملكية أبدية للريادة.

ثانياً: وهم الزعامة الإقليمية المسيطرة:

تستدعي لغة “الزعامة” صورة القاهرة الناصرية:

العاصمة التي تُصاغ فيها السياسة العربية، وتتحرك منها حركات التحرر، ويحسب الآخرون حساباً لقرارها.

لكن الإقليم تغير.. دول الخليج أصبحت تملك رأس المال والاستثمار وشبكات النفوذ.

وتركيا وإيران تملكان أدوات عسكرية وسياسية عابرة للحدود.

وإثيوبيا فرضت إرادتها في ملف يمس الأمن المائي المصري مباشرةً.

والمشكلة ليست أن الآخرين صعدوا؛ فهذا حقهم الطبيعي؛ المشكلة أن نستمر في قياس أنفسنا بميزان قديم بعد أن تغيرت الأوزان.

والزعامة ليست لقباً يحتفظ به الأقدم؛ إنها نتيجة يحصل عليها الأكثر قدرةً على الفعل.

والاقتصاد هنا ليس شيئاً هامشياً؛ الدولة المثقلة بالديون والأزمات النقدية يصعب عليها استخدام المساعدات والاستثمارات والتمويل كأدوات نفوذ، مهما كان تاريخها السياسي كبيراً.. النفوذ يحتاج موارد؛ والعَلَم وحده لا يمول سياسةً خارجية.

ثالثاً: وهم “القاهرة مركز القرار الدولي”:

تكثف مصر حضورها الدولي باستضافة القمم والمؤتمرات والمنتديات: المناخ، وغزة، والقمم العربية، والأوروبية، والأفريقية.

وهذا الحضور مفيد ويؤكد أن القاهرة ما تزال مكاناً مقبولاً للاجتماع، لكنه لا يثبت وحده أنها مركز اتخاذ القرار.

هناك فارق بين العاصمة التي يجتمع فيها صانعو القرار، والعاصمة التي تصنع القرار الذي يجتمعون من أجله.. وقد تستضيف الدولة مؤتمراً ضخماً، وتوفر القاعة والصورة والبيان الختامي، بينما تكون موازين القوى التي صنعت الاتفاق قد تشكلت في عواصم أخرى.. وهنا يصبح خطر “التجميل البروتوكولي”:

أن نحسب عدد الرؤساء الذين هبطت طائراتهم في القاهرة بدلاً من حساب عدد القرارات التي تغيرت لأن القاهرة أرادت ذلك.. المؤتمر صورة للقوة، وليس القوة نفسها.

رابعاً: وهم أن الوساطة تعني النفوذ:

يتكرر وصف مصر بأنها “وسيط لا غنى عنه” في غزة وليبيا والسودان وغيرها، وكأنَّ الجلوس بين الخصمين يعني امتلاك مفاتيح الحل، لكنه ليس كذلك بالضرورة.

الوسيط قد يكون مطلوباً لأنه مقبول من الطرفين، أو لأنه يملك الجغرافيا، أو لأنه قناة اتصال مناسبة.

أما النفوذ فيظهر عندما تستطيع الدولة دفع الأطراف إلى تغيير مواقفها، أو حماية مصالحها إذا رفضوا.

الوساطة تجعلك على الطاولة، والنفوذ يحدد ما الذي سيخرج من الطاولة.

وكلما تقلصت أدوات الضغط الاقتصادية والتمويلية والعسكرية والسياسية، أصبح خطر تحول الوساطة إلى وظيفة علاقات عامة أكبر:

اجتماعات كثيرة، صور كثيرة، بيانات كثيرة، لكن قدرة محدودة على تغيير الوقائع.

وهذا هو الفارق بين إدارة الأزمة وصناعة نتيجتها.

خامساً: وهم “الشريك الاستراتيجي الدائم للغرب”

: تقدم مصر نفسها، ويقدمها الغرب أحياناً، بوصفها “ركيزة للاستقرار” وشريكاً لا يمكن الاستغناء عنه.. ولديها بالفعل وظائف استراتيجية مهمة: قناة السويس، حدود غزة وإسرائيل، مكافحة الإرهاب، الهجرة، والاستقرار الإقليمي.

لكن الخطأ هو تحويل هذه الحاجة إلى ضمان أبدي للمكانة.

السياسة الدولية لا تعرف الحب الدائم؛ تعرف المصلحة الدائمة.

الغرب يحتاج مصر حين تؤدي وظيفة يحتاجها، لكنه يعيد ترتيب أولوياته عندما تتغير الظروف.

لذلك توجه اهتمامه في أزمات الطاقة إلى دول الخليج، ويبحث في ملفات الطاقة الجديدة عن شركاء متعددين، ويتعامل مع تركيا وإسرائيل والمغرب وغيرها وفق ما تحتاجه اللحظة.

الشراكة التي تقوم أساساً على ما تقدمه للآخر لا تصبح تلقائياً علاقةً متكافئةً معه.

وهنا يقع الوهم الأكبر: أن نخلط بين كون مصر دولةً مهمة وبين كونها دولةً لا يمكن تجاوز إرادتها.

الأولى لا تزال صحيحةً بدرجات كبيرة؛ الثانية تحتاج إلى إثبات جديد كل يوم.

مصر لم تصبح دولةً هامشية، ولن تصبح كذلك بسهولة.

لكن القوة لا يحفظها التاريخ وحده، ولا الموقع وحده، ولا حجم السكان، ولا البيانات التي تكرر أن مصر “رقم صعب”، الرقم الصعب هو الرقم الذي يغير نتيجة المعادلة.

ولهذا فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل “الجمهورية الجديدة” ليس:

هل ما زلنا دولةً كبيرة؟

بل: كم من كِبَرنا التاريخي تحول اليوم إلى قدرة فعلية؟

كم قراراً استطعنا تغييره؟ كم مصلحةً استطعنا حمايتها؟ كم سوقاً ثقافية ما زلنا نصنع ذوقها؟ وكم أزمةً انتهت بالشكل الذي أردناه لا بالشكل الذي اضطررنا إلى قبوله؟

إنَّ الدول لا تفقد قوتها عندما تعترف بتراجعها،بل عندما تجعل الاعتراف بالتراجع ممنوعاً.

لأنَّ أول شروط استعادة النفوذ أن نتوقف عن استخدام صورته القديمة بديلاً عن بنائه من جديد.. ومصر لا تحتاج إلى أن تقنعنا كل يوم بأنَّها قوية؛ تحتاج إلى أن تجعل الآخرين يتصرفون على أساس أنها كذلك.

شارك المقال: