بين الغربة وبناء الأسطورة
المكان في «أسطورة الغريبة» ليس خلفية محايدة، بل فاعل أساسي في إنتاج المعنى. الحارة تعمل بوصفها عقلًا جمعيًا، له منطقه الصارم وحدوده الواضحة

علاف رواية أسطورة الغربة
بقلم:
أحمد رجب شلتوت
تستعيد رواية «أسطورة الغريبة» للروائي عامر سنبل مسارات متعددة من الذاكرة الشعبية، المخيلة الجمعية، والواقع الاجتماعي والسياسي لتصوغ نصًا فنيًا يطرح أسئلة وجودية عميقة حول الغربة، الهوية، والجسد الأنثوي. من العنوان نفسه يبرز السؤال المحوري: من هي الغريبة؟ هل هي نويرة البدوية، الهاربة من قبيلتها، أم مواهب الابنة التي ورثت غربتها المكثفة؟ أم أن النص يصور الغربة كحالة متواصلة بين جيلين، لتتحول الأسطورة إلى بنية تتجاوز الفرد؟
تعمل الرواية على مستويات دلالية متعددة، الغربة ليست مكانية فحسب، بل وجودية وثقافية؛ غربة المرأة في مجتمع أبوي، وغربة الفرد في مواجهة الجماعة، وغربة القرية المهمشة في مواجهة المركز، وبالتالي يصبح العنوان مفتاحًا لقراءة الرواية بأبعادها الرمزية والاجتماعية.
صورتان للغريبة
تنقسم الرواية إلى محورين رئيسيين يعكسان تكرار الأسطورة وتجددها، فنويرة، الأم البدوية، تأتي من الصحراء حيث الشمس تغرب خلف الجبال، تخدع من قِبل حمدان، فتختار الهرب، حاملة معها صراعًا قبليًا محتدمًا. موتها عند الولادة لا يمثل نهاية، بل بداية حياة جديدة، إذ تلد مواهب التي تواصل إرث الغربة والاغتراب.
تنشأ مواهب، الابنة، في بيئة غريبة عنها، تحت رعاية أسرة بديلة، وتواجه عالم القرية المملوء بالحكايات الشعبية عن الجن والعفاريت، حيث يصبح التراث الشفهي أداة لتكثيف الرمز وإعادة إنتاج الأسطورة. رغم قدرتها على التفاعل مع تلك الحكايات، تميل نحو التمرد، محاولة الخروج من أسر الهامش الاجتماعي والخرافة على حد سواء. العلاقة بين الأم والابنة أشبه بدائرة مغلقة؛ موت الأولى يمنح حياة للثانية، وغربة الثانية تواصل غربة الأولى، مما يجعل الأسطورة نصًا مفتوحًا ومتجدداً عبر الزمن
«أسطورة الغريبة»… حين يصنع الهامش أسطورته
أحمد رجب شلتوتلا تُقرأ رواية «أسطورة الغريبة» للروائي عامر سنبل بوصفها حكاية امرأة هامشية فحسب، ولا باعتبارها استدعاءً زخرفيًا للتراث الشعبي أو توظيفًا للغرائبي، بل بوصفها نصًا يشتغل في عمقه على تفكيك آلية ثقافية راسخة: كيف تصنع الجماعة أسطورتها حين تعجز عن الفهم، وحين تخاف من المختلف، وحين تبحث عن تبرير أخلاقي للنبذ والإقصاء.
منذ العنوان، يضعنا النص أمام إشكالية مزدوجة. فنحن لا نقرأ «الغريبة»، بل نقرأ «أسطورتها». أي أننا بإزاء حكاية صُنعت حول شخص، لا سيرة ذاتية لشخص بعينه. الغريبة هنا ليست هوية ثابتة، بل موقع رمزي يتكرر؛ كل من تشغله الجماعة في هذا الموقع يتحول تلقائيًا إلى مادة للأسطرة، وإلى موضوع للريبة والخوف والرغبة في آن.

الغريبة: من الاسم إلى الموقع
تتعدد تجليات «الغريبة» داخل الرواية دون أن تتكاثر الشخصيات بمعناها التقليدي. نويرة، المرأة البدوية الهاربة من عالم الصحراء، تمثل الجذر الأول للأسطورة. تأتي محمّلة بخطيئة العشق والفرار، وتنتهي حياتها بالموت لحظة الولادة، في مشهد يزاوج بين الفناء والبداية. موتها لا يُغلق الحكاية، بل يفتحها على مصير آخر، إذ تولد مواهب من رحم الفقد، حاملة ميراث الغموض والاختلاف.
هذا التعدد في الأسماء (نويرة، الأم المجهولة، مواهب) لا يدل على ارتباك سردي، بل يكشف أن «الغريبة» ليست شخصًا بقدر ما هي وظيفة. إنها كل من تقع خارج الإجماع الاجتماعي، وكل من تهدد توازن الجماعة الهش، وكل من يُنظر إليها باعتبارها استثناءً يجب تفسيره، أو احتواؤه، أو التخلص منه رمزيًا.
الأسطورة بوصفها بديلًا عن المعرفة
واحدة من أبرز إنجازات الرواية أنها تُظهر كيف تعمل الأسطورة بوصفها آلية اجتماعية لضبط الجماعة. ففي عالم يعاني هشاشة القانون وغياب المعرفة، تتحول الحكاية الشعبية إلى أداة تفسير وعقاب في آن واحد. حين تموت نويرة، لا يُسأل أحد عن المسؤول، بل تُحوَّل الواقعة فورًا إلى معجزة/لعنة. وحين تكبر مواهب، لا تُقرأ موهبتها بوصفها إمكانية إنسانية، بل كعلامة خطر.
الأسطورة، بهذا المعنى، لا تريح الجماعة من التفكير فحسب، بل تعفيها من المسؤولية، وتمنحها شرعية العنف الرمزي. الرواية لا تستخدم الأسطورة لتجميل الواقع، بل لتعرية منطقه العميق، حيث يصبح الخيال الشعبي بديلًا عن العدالة، والحكاية بديلاً عن المساءلة.
البنية السردية: حكاية لا تستقر
يعتمد سنبل بنية سردية غير مستقرة عمدًا. لا بداية حاسمة، ولا ذروة تقليدية، ولا خاتمة مغلقة. الحكاية تتشظى، وتتعدد أصواتها، وتتقاطع الروايات حول الحدث الواحد. هذا التفكك لا يعكس فقط مصير البطلة، بل يحاكي طبيعة الوعي الشعبي ذاته، الذي لا يعرف حقيقة نهائية، بل يملك روايات متجاورة ومتعارضة.
السارد العليم لا يفرض هيمنته الكاملة، بل يترك مساحات للأصوات الجمعية، للإشاعة، للهمس، وللاعتقاد. وبذلك يتحول النص إلى محاكاة لبنية الحكاية الشعبية، لا إلى خطاب يفسرها من علٍ. القارئ يظل معلقًا بين التصديق والتشكيك، بين الواقعي والأسطوري، وهو توتر مقصود يمنح النص حيويته.
المكان: الحارة كعقل جمعي
المكان في «أسطورة الغريبة» ليس خلفية محايدة، بل فاعل أساسي في إنتاج المعنى. الحارة تعمل بوصفها عقلًا جمعيًا، له منطقه الصارم وحدوده الواضحة. كل ما يخرج عن مألوفها يُعاد تفسيره بوصفه تهديدًا. شجرة النبق، مثلًا، لا تُقدَّم كرمز طبيعي بريء، بل كمركز للحكاية، وموضع إسقاط للمخاوف والآمال. تُعلَّق عليها الأساطير، وتُستدعى كلما احتاجت الجماعة إلى تفسير ما لا تفهمه.
حتى الجغرافيا الأوسع للرواية تتحرك في مسار دلالي واضح: الصحراء فضاء الأصل والخذلان، القرية فضاء الخرافة والنبذ، والمدينة فضاء الانفتاح الذي ينتهي بخذلان آخر. الانتقال المكاني لا يحمل وعد الخلاص، بل يكشف عن تبدل أشكال القمع.
مواهب: وهم الخلاص الفردي
تقدّم الرواية شخصية مواهب بعيدًا عن نموذج البطلة التقليدية. هي واعية، موهوبة، راغبة في الخروج من أسر الحارة، لكنها تصطدم بحقيقة قاسية: الانتقال الجغرافي لا يعني بالضرورة تحررًا وجوديًا. فالقاهرة، التي تبدو أفقًا مفتوحًا، تكشف عن وجه آخر: مدينة الاستهلاك، حيث تتحول الموهبة إلى واجهة، والجسد إلى سلعة، والحلم إلى عقد غير مكتوب.
بهذا المعنى، تفكك الرواية وهم الخلاص الفردي، دون أن تقع في خطاب وعظي أو تشاؤمي فج. مواهب لا تُدان أخلاقيًا، ولا تُقدَّم بوصفها نموذجًا للتحرر، بل تُوضع داخل شبكة قوى أكبر منها، تكشف حدود الإرادة الفردية في سياق اجتماعي لم تتغير بنيته العميقة.
الجسد الأنثوي: من الأسطورة إلى السوق
يمر الجسد الأنثوي في الرواية بتحولين متناقضين: في الحارة، جسد أسطوري، ملتبس، مهدِّد؛ وفي المدينة، جسد اقتصادي قابل للتسعير. وفي الحالتين، لا يُترك الجسد لذاته. إنه دائمًا موضوع تفسير أو استغلال. المفارقة أن القمع لا يختفي بتغير المكان، بل يغير شكله وأدواته، من الخرافة إلى السوق.
الرواية هنا لا تقدم خطابًا نسويًا مباشرًا، لكنها تكشف بوضوح كيف يُعاد إنتاج السيطرة على الجسد الأنثوي، سواء باسم الأخلاق أو باسم الحرية.
اللغة: السرد بدل التفسير
لغة عامر سنبل لا تميل إلى التحليل المباشر، ولا إلى الشعرية المجانية. إنها لغة تعتمد الوصف الحسي، وتكثيف المشهد، وترك المعنى معلقًا. كأن النص يعترف بعجز اللغة عن تقديم حقيقة نهائية، ويكتفي بأن يحكي. هذا الخيار الجمالي يمنح الرواية قوتها، إذ لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تعرض عملية إنتاج المعنى نفسها، بكل ما فيها من ارتباك والتباس.
ما الذي تضيفه الرواية؟
تضيف «أسطورة الغريبة» إلى السرد العربي المعاصر أمرين لافتين:
أولًا، تفكيك صورة الأسطورة بوصفها تراثًا بريئًا، وكشفها كأداة اجتماعية للضبط والإقصاء.
ثانيًا، مساءلة فكرة البطولة الفردية في سياق لم تتغير شروطه العميقة.
إنها رواية لا تمجد التمرد، ولا تدينه، بل تشرح لماذا يفشل حين يُترك وحيدًا.
خاتمة
لا تنقذ الرواية بطلتها، ولا تدين مجتمعها صراحة، لكنها تفعل ما هو أصعب: تجعلنا نرى كيف نعيد إنتاج «الغريبة» في كل مرة، وبأسماء مختلفة. «أسطورة الغريبة» ليست عن امرأة واحدة، بل عن آلية ثقافية كاملة: حين نعجز عن الفهم، نحكي. وحين نخاف، نؤسطِر. وحين نُقصي، نقنع أنفسنا بأننا نحمي الجماعة.
ولهذا تظل الرواية نصًا مفتوحًا، موجعًا، وضروريًا… لأنها لا تكتب عن الهامش فقط، بل تكشف كيف نصنعه.
رابط المقال المختصر:





