د. أيمن خالد يكتب: اختبار إيران الذي قد يعيد تشكيل الناتو
في قلب هذا المشهد، تبدو إسلام آباد مثقلة بتحمل وصفها منصة حاسمة، وأكثر قربًا إلى “محطة انتظار” في سباق يتجه نحو اختبار قاسٍ قد يقع في أي لحظة، مع تسارع الوقائع وتضخم الضغوط وتضاؤل هوامش المناورة.

صورة من وحي المقال
لم تعد الأزمة الدائرة حول إيران مجرد ملف نووي أو مواجهة إقليمية قابلة للاحتواء، بل تحولت إلى اختبار مركب يضع الولايات المتحدة في مواجهة حسابات أوروبا، ويكشف في الوقت ذاته هشاشة التوازن بين الحلفاء، ويُدخل على المعادلة عاملين ثقيلين: روسيا والصين، بما يجعله أحد أخطر مفاصل إعادة تشكيل النظام الدولي المعاصر.
وفي قلب هذا المشهد، تبدو إسلام آباد مثقلة بتحمل وصفها منصة حاسمة، وأكثر قربًا إلى “محطة انتظار” في سباق يتجه نحو اختبار قاسٍ قد يقع في أي لحظة، مع تسارع الوقائع وتضخم الضغوط وتضاؤل هوامش المناورة.
د. أيمن خالد يكتب: من التفاوض إلى فرض الوقائع بالقوة
د. أيمن خالد يكتب: فخّ إسلام آباد وساعة الصفر
1. الناتو بين القيادة والهيمنة: تحالف تحت إعادة التعريف
لم يعد حلف شمال الأطلسي كما كان؛ فالمعادلة الداخلية للحلف تشهد تحولًا من “القيادة التوافقية” إلى “القيادة الضاغطة”، حيث تسعى واشنطن إلى تحويل الحلف من منصة تنسيق إلى أداة تنفيذ، وهو ما يُنتج توترًا بنيويًا داخل أوروبا التي لم تعد ترى في كل المعارك الأمريكية معاركها الخاصة.
المسألة هنا لا تتعلق برفض أوروبي للتحالف، بل برفض أن يتحول إلى آلية إلزام سياسي وعسكري في ملفات لا تمس مباشرة الأمن القومي الأوروبي.
2. فرنسا: هاجس الاستقلال الاستراتيجي في مواجهة الواقع
في قراءة فرنسا، بقيادة إيمانويل ماكرون، فإن الخطر لا يكمن فقط في الحرب مع إيران، بل في نتائجها على توازن أوروبا:
فرنسا تدرك أن الانخراط الكامل خلف واشنطن يعني:
* تكريس التبعية الاستراتيجية
* إضعاف مشروع “الاستقلال الدفاعي الأوروبي”
* تقليص هامش القرار الأوروبي المستقل
ولذلك تتحرك باريس في مساحة دقيقة: لا كسر للتحالف… ولا تسليم كامل للقرار.
3. ألمانيا: الاقتصاد يحدد سقف السياسة
أما ألمانيا، فتتعامل مع الأزمة بعين اقتصادية قبل أن تكون عسكرية؛ فالحرب مع إيران تعني عمليًا:
* اضطراب إمدادات الطاقة
* ارتفاعًا حادًا في الأسعار
* ضغطًا مباشرًا على الصناعة الألمانية
برلين لا ترى في التصعيد مصلحة استراتيجية، بل مخاطرة اقتصادية، ولذلك تميل إلى احتواء الأزمة لا تفجيرها.
4. إسبانيا: الرفض الهادئ وتآكل الإجماع
في المقابل، تقدم إسبانيا نموذجًا مختلفًا، حيث تتبنى موقفًا حذرًا يقترب من الرفض غير المعلن:
* تقييد استخدام القواعد
* تحفظ على الانخراط العسكري
* خطاب سياسي يميل للتهدئة
وهذا يعكس تحوّلًا داخل الناتو من الإجماع إلى تعدد مستويات الالتزام.
5. روسيا والصين: الحضور الغائب المؤثر
لا يمكن قراءة الموقف الأوروبي دون إدخال روسيا والصين في المعادلة؛ فهما تمثلان الإشكالية الكبرى في الحساب الأوروبي:
* روسيا تمثل تهديدًا أمنيًا مباشرًا
* الصين تمثل شريكًا اقتصاديًا لا يمكن الاستغناء عنه
وأي انخراط أوروبي في حرب ضد إيران قد:
* يضعف القدرة على مواجهة موسكو
* يضر بالعلاقات الاقتصادية مع بكين
هنا يصبح القرار الأوروبي مزدوج القلق: أمني واقتصادي في آنٍ معًا.
6. لحظة الفرز داخل الناتو: وحدة شكلية وانقسام فعلي
في حال اندلاع المواجهة، لن نشهد انهيارًا رسميًا للحلف، بل سنشهد:
* وحدة خطابية
* وانقسامًا عمليًا في:
* حجم المشاركة
* طبيعة الدعم
* حدود الالتزام
وهذا النمط أخطر من الانقسام العلني، لأنه يخلق تحالفًا بوجهين.
7. مضيق هرمز: الجغرافيا التي تختصر العالم
في مضيق هرمز، تتقاطع كل خطوط الأزمة:
* الطاقة
* التجارة
* الأمن
وأي تصعيد هناك سيحوّل المواجهة من إقليمية إلى أزمة عالمية فورية، وهو ما تخشاه أوروبا أكثر من غيرها.
8. استشراف الصراع: بين الحسم العسكري والفوضى الاستراتيجية
إذا انطلقت المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، فإن النتائج ستكون مركبة:
* عسكريًا: تفوق أمريكي واضح، مع قدرة على إلحاق ضرر كبير بإيران
* اقتصاديًا: صدمة عالمية، وأوروبا في قلب المتضررين
* سياسيًا: تآكل في تماسك الناتو، وتصاعد الدعوات للاستقلال الأوروبي
* استراتيجيًا: إعادة تشكيل التحالفات، وصعود قوى أخرى على حساب الغرب
خلاصة القول: ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة مع إيران، بل لحظة إعادة تعريف لعلاقة أوروبا بأمريكا، وحدود الناتو، وموقع روسيا والصين في النظام الدولي.
ومع تراجع فاعلية المسارات التفاوضية في إسلام آباد، وتسارع الوقائع الميدانية، تبدو الأيام القادمة أقرب إلى أيام اختبار حقيقي، قد تُحسم فيها ليس فقط معركة، بل شكل العالم الذي سيليها.






