آراء و تحليلات

معتز منصور يكتب: الدولة التي تمن!

الدولة التي تقول للمواطن إنها لم تعد قادرة على تحمل تكلفة الدعم، مطالبة قبل ذلك بأن تجيب عن سؤال آخر: ما الذي فعلته لتقليل كلفة إنتاج الاقتصاد نفسه؟

مشاركة:
حجم الخط:

ثمة شيء أكبر من مجرد رفع سعر الخبز أو الوقود أو الكهرباء يجري في الاقتصاد المصري، شيء يتعلق باللغة التي أعادت الدولة من خلالها تعريف علاقتها بالمواطن.

منذ سنوات، يجري وضع مجموعة محددة من النفقات تحت عنوان واحد هو «الدعم» ثم يجري الحديث عنها باعتبارها عبئا تتحمله الدولة من أجل المواطن، إلى أن يصل الخطاب في نهايته إلى المواطن نفسه وكأنه ينبغي أن يشعر بالامتنان لأن الدولة ما زالت «تدعمه».

المشكلة أن كلمة «الدعم» هنا تؤدي وظيفتين في وقت واحد.

وظيفة محاسبية، وهي أن الدولة تتحمل جزءا من الفرق بين تكلفة السلعة أو الخدمة وسعر بيعها، وهذه حقيقة اقتصادية لا جدال فيها.

ووظيفة سياسية، وهي أن تجعل المواطن يرى ما يحصل عليه من المال العام باعتباره منحة تقدمها له الدولة.

والفارق بين الاثنين هو كل الحكاية.
فالدولة لا تدفع من جيب الرئيس، ولا من مال الحكومة الخاص، ولا من ثروة شخصية للحاكم.

إنها تنفق من المال العام، والمال العام في النهاية هو مال المجتمع، تجمعه الدولة من الضرائب والرسوم والعوائد والموارد المختلفة، وتضيف إليه الاقتراض الذي سيدفع المجتمع كلفته في المستقبل.

لذلك فإن السؤال الطبيعي ليس: كم دعمت الدولة المواطن؟
السؤال الأكثر نزاهة هو: كم جمعت الدولة من المواطن والمجتمع، وكيف أنفقت هذا المال، وما العائد الذي حصل عليه المجتمع في المقابل؟

هذه ليست لعبة ألفاظ.
لأنك عندما تقول للمواطن «الدولة تدعمك»، فأنت قد نقلت العلاقة من المجال المؤسسي إلى المجال الشخصي.

معتز منصور يكتب: من يمنح ؟ ومن يمنع ؟

الدولة لم تعد تؤدي وظيفة.
الدولة أصبحت تمنح والمواطن لم يعد صاحب حق في خدمة عامة، أصبح مستفيدا من كرم الدولة.

وهنا يصبح من السهل جدا أن تقول له بعد ذلك: “لم نعد قادرين على تحمل الدعم”

لكن لماذا يسمى الإنفاق على رغيف الخبز دعما، ولا يسمى الإنفاق على الشرطة «دعما أمنيا»؟
لماذا لا يقال إن الدولة تدعم المواطن قضائيا عندما تنفق على المحاكم؟
لماذا لا يسمى الإنفاق على الخارجية «دعما دبلوماسيا»؟
ولماذا لا يقال إن الموازنة تقدم للمواطن دعما تشريعيا ورقابيا من خلال الإنفاق على البرلمان؟
ولماذا لا يسمى ما تنفقه الدولة على جهازها الإداري «دعما إداريا»؟

لأن تلك كلها، ببساطة، وظائف طبيعية للدولة.
وهذا بالضبط ما ينبغي أن يحدث مع الغذاء والتعليم والصحة والطاقة، من حيث المبدأ.

قد نختلف حول حجم الإنفاق، وحول كفاءته، وحول الطريقة الأفضل لتوزيعه، وقد يكون الدعم العام أقل كفاءة من الدعم الموجه في بعض الحالات، وهذه مناقشة اقتصادية مشروعة.

لكن تحويل الإنفاق على هذه الخدمات إلى «فضل» من الدولة، بينما تختفي بقية تكلفة الدولة من هذا الخطاب، ليس نقاشا اقتصاديا خالصا.

إنه إعادة صياغة لعلاقة السلطة بالمواطن.وهنا يصبح خطاب عبد الفتاح السيسي عن «القرارات الصعبة» جديرا بالتوقف عنده.

فالدولة التي تقول للمواطن إنها لم تعد قادرة على تحمل تكلفة الدعم، مطالبة قبل ذلك بأن تجيب عن سؤال آخر: ما الذي فعلته لتقليل كلفة إنتاج الاقتصاد نفسه؟

لأن رفع السعر ليس هو الإصلاح ، خفض الدعم ليس هو الإصلاح ، رفع الكهرباء ليس هو الإصلاح، تحرير سعر الوقود ليس هو الإصلاح.

هذه كلها أدوات قد تدخل في برنامج إصلاحي، لكنها لا تصبح إصلاحا لمجرد تنفيذها.

الإصلاح الحقيقي هو أن تصبح الدولة أقل حاجة إلى هذه الأدوات مع مرور الوقت، لأن الاقتصاد أصبح أكثر إنتاجا، وأكثر قدرة على التصدير، وأقل اعتمادا على الاستيراد، والدخل الحقيقي للمواطن أصبح أعلى، والدين أصبح أقل ضغطا، وإدارة الموارد أصبحت أكثر كفاءة.

أما أن ترتفع الأسعار، ثم يقال لنا إن الاقتصاد يتعافى لأن الدولة أصبحت تنفق أقل على الدعم، فهذه ليست سوى قراءة لنصف الصورة.

والنصف الآخر هو: من دفع الفرق؟

في يوليو الماضي، رفعت مصر أسعار الكهرباء لمعظم شرائح الاستهلاك المنزلي بمتوسط يقارب 12 بالمئة، بينما قالت الدولة إنها تتحمل نحو 100 مليار جنيه سنويا لسد الفارق بين تكلفة إنتاج الكهرباء والأسعار للمستهلكين. وفي الوقت نفسه، كانت الحكومة تمضي في تقليص دعم الطاقة ضمن مسار الإصلاح المرتبط ببرنامج صندوق النقد.

لكن ارتفاع السعر لا يختفي من الاقتصاد عندما يخرج من بند الدعم.

هو فقط ينتقل.

يدخل في تكلفة النقل، ثم الصناعة، ثم الغذاء، ثم الخدمات، ثم يعود إلى المواطن في صورة تضخم.

وقد أشارت تحليلات اقتصادية في مصر بالفعل إلى أن رفع أسعار الوقود ينتقل إلى تكاليف المدخلات والأسعار عبر الاقتصاد.

أي أن السؤال ليس فقط كم وفرت الموازنة بل السؤال: كم انتقلت الكلفة من الموازنة إلى جيوب الناس؟
هذه هي النقطة التي كثيرا ما تختفي خلف لغة الأرقام.

وعندما نتحدث عن «الدعم» يجب أن نتحدث أيضا عن بقية الحساب.

إذا خفضت الدولة دعما بقيمة معينة، ثم ارتفعت تكلفة المعيشة على المواطن بسبب ذلك، فلا يمكن اعتبار الرقم الموفر في الموازنة مكسبا صافيا للمجتمع من دون النظر إلى أثره الكامل.

وإذا ارتفعت الضرائب غير المباشرة، والأسعار الإدارية، وتكلفة الطاقة، وتكلفة النقل، وانخفضت القوة الشرائية للأجور، فلا يكفي أن نقول إن الدولة وفرت مليارات من بند الدعم.
ينبغي أن نسأل: وفرت لمن، وعلى حساب من؟

هذه هي المسألة التي لا يحب الخطاب الاقتصادي الرسمي الاقتراب منها كثيرا.

والأكثر أهمية أن «الدعم» لا يعيش منفصلا عن بقية السياسات.

مصر اليوم لا تخفض الدعم وحده، بل تتحرك داخل منظومة تشمل الدين، وسعر الصرف، وأسعار الطاقة، والإنفاق العام، والضرائب، ودور الدولة في الاقتصاد.

واللافت أن صندوق النقد نفسه، في مراجعته الأخيرة، تحدث عن التقدم في مرونة سعر الصرف وتعديلات أسعار الوقود وضبط الإنفاق، لكنه في الوقت نفسه أعاد التأكيد على ارتفاع الدين واحتياجات التمويل، وعلى اتساع الدور الاقتصادي للدولة، ودعا إلى تسريع التخارج وإتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص.

وهنا يصبح من الصعب أن نختزل الأزمة في «الدعم».

الدعم ليس أصل المشكلة، هو أحد البنود التي تظهر عليها أعراض المشكلة.أما الأصل فيتعلق بكيفية إدارة الاقتصاد، وبحجم الالتزامات التي صنعتها الدولة، وبطريقة توزيع الموارد، وبالأولويات التي اختارتها، وبمن يتحمل كلفة الاختيارات عندما تضيق مساحة المناورة.

ولهذا فإن المواطن الذي يسمع منذ سنوات أن «الدعم يكلف الدولة كثيرا» من حقه أن يسأل السؤال المعكوس:

وماذا كلفت سياسات الدولة المواطن؟
كم كلفه التضخم؟
كم كلفه تراجع قيمة العملة؟
كم كلفه ارتفاع الوقود؟
كم كلفته الكهرباء؟
كم كلفته تكلفة الدين العام التي تتحول في النهاية إلى قيود على الإنفاق العام؟
كم كلفته زيادة أسعار الخدمات؟
وكم خسر من دخله الحقيقي حتى تستطيع الدولة أن تقول إنها أصبحت أكثر قدرة على ضبط الموازنة؟

هذه الأسئلة لا تعني أن كل دعم جيد، ولا أن كل خفض للدعم سيئ.

بل العكس.

هي محاولة لإخراج النقاش من الثنائية الساذجة: «مع الدعم أو ضده».

فالدعم قد يكون مشوها، وقد يستفيد منه الأغنياء كما يستفيد منه الفقراء، وقد تكون هناك طرق أفضل لحماية محدودي الدخل.

لكن إذا كان البديل هو أن تنتقل الكلفة إلى المواطن، بينما لا تتغير أسباب الاختلال التي أنتجت هذه الكلفة، فنحن لم نصل بعد إلى الإصلاح.

لقد غيرنا فقط مكان دفع الفاتورة.

ولذلك فإن الانتقال من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، الذي تدفع به الحكومة حاليا، ليس مجرد تحديث تقني لنظام المساعدة الاجتماعية. إنه جزء من تحول أوسع، من دولة تبيع بعض السلع بأسعار مدارة إلى دولة تدفع للمواطن مبلغا نقديا وتترك السوق يحدد السعر. الحكومة أعلنت بالفعل توسيع منظومة الدعم النقدي للسلع الأساسية، مع استمرار دعم الخبز لملايين المواطنين.

وهذا التحول قد يكون أكثر كفاءة في بعض الحالات، لكنه يطرح سؤالا أشد أهمية:

هل يرتفع الدعم النقدي بالسرعة نفسها التي ترتفع بها الأسعار؟

لأن المواطن لا يعيش على قيمة الدعم في دفتر الموازنة. هو يعيش على قدرته الفعلية على شراء الطعام والطاقة والعلاج والتعليم.

إذا كان المبلغ النقدي ثابتا والأسعار تتحرك، فإن ما يسمى «دعما» قد ينكمش في قيمته الحقيقية عاما بعد آخر.

عندها تكون الدولة قد حافظت على اسم الدعم، لكنها خفضت قدرته. وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

ربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال المواطن إن كانت الدولة «تدعمه».

السؤال الأصح هو: هل الدولة تؤدي وظائفها الاقتصادية والاجتماعية بكفاءة وعدالة؟

فالمواطن لا يحتاج إلى دولة تمن عليه بأنها تدفع جزءا من ثمن الخبز.

يحتاج إلى دولة تجعل الاقتصاد قادرا على إنتاج الخبز بكلفة معقولة. ولا يحتاج إلى دولة تمن عليه بأنها تدعم الكهرباء.

يحتاج إلى اقتصاد قادر على إنتاج الطاقة وإدارتها بكفاءة، ودولة تعرف كيف تستثمر مواردها بحيث لا يصبح كل تغير في سعر النفط أو الغاز أو العملة سببا جديدا لزيادة الفاتورة عليه.

ولا يحتاج إلى أن يسمع كل عام أن الحكومة اتخذت «قرارا صعبا» برفع الأسعار.

يحتاج أن يعرف لماذا أصبحت القرارات الصعبة دائما تقع في الجهة نفسها من المعادلة. على المواطن نفسه.

المشكلة في النهاية ليست أن الدولة ترفع الدعم.ولا أن الدولة تخفضه.

المشكلة عندما يصبح المواطن هو المكان الدائم الذي تنتهي عنده تكلفة الأخطاء والاختلالات والديون والسياسات غير الكفؤة، ثم يقدم له انتقال الفاتورة باعتباره إصلاحا.

الدولة ليست جمعية خيرية.والحكومة ليست صاحبة مال خاص.والمواطن ليس ضيفا على موازنة بلده.

هناك مال عام، وهناك مسؤولية عامة، وهناك حساب يجب أن يكون متبادلا.

ولهذا فإن أكثر سؤال يزعج خطاب «الدعم» ليس: كم ستوفر الدولة بعد رفعه؟بل:كم كان يمكن أن توفره الدولة لو أدارت أسباب الأزمة قبل أن تطلب من المواطن أن يدفع ثمن نتائجها؟

هنا فقط يبدأ النقاش الحقيقي حول اقتصاد مصر.

أما أن نضع كلمة «الدعم» فوق فاتورة المواطن، ثم نطلب منه أن يشكر من رفعها، فهذه ليست سياسة اقتصادية فقط.
إنها طريقة في الحكم.

شارك المقال: