د. أيمن منصور ندا يكتب: أن تكون مصطفى مدبولي
يتشابه مدبولي مع كثير من سابقيه أيضًا في محدودية الحس السياسي، وضعف القدرة على مخاطبة الجماهير بصورة مقنعة، لذلك يظهر كثيراً، لكن أثره الاتصالي أقل من حجم ظهوره؛ والبصمة أقل من الحضور.

صورو تعبيرية للمقال
الرأس دائم الاهتزاز والكرسي كامل الاستقرار
يُروى عن الأمير اللبناني بشير الشهابي، الذي حكم جبل لبنان بين 1788- 1840، أنه اشتهى الباذنجان، فراح خادمه يعدد محاسنه.
ثم قال الأمير: إنَّ الباذنجان يؤلمه، فانقلب الخادم يعدد عيوبه.
وحين سأله عن التناقض، أجابه: “يا مولاي، أنا خادم الأمير ولستُ خادماً للباذنجان”
تذكرتُ هذه الحكاية وأنا أتابع الدكتور مصطفى مدبولي يهز رأسه موافقاً على كل ما يقوله الرئيس.
الهز ليس الحكاية، بل علامتها.
أن تكون مصطفى مدبولي هو أن تعرف موقعك: تتلقى التوجيه فتحوله إلى تكليف غير قابل للنقاش أو الاختلاف.
تشرح أكثر مما تعترض، تنفذ أكثر مما تناقش، تتحمل الجانب الأكبر من تكلفة القرار دون أن تنازع على ملكيته؛ وتكون حاضراً في الملفات بلا مشروع سياسي خاص.
روى الدكتور الجنزوري في مذكراته أن السيد/عمر سليمان فسر إقالته بأن المحيطين بالرئيس مبارك أقنعوه بأنه أصبح “ندَّاً له”
وكتب السيد/ عمرو موسى أنه كان هناك من يوغر صدر مبارك تجاه أي مسؤول ناجح، لأنه لا ينبغي أن يكون على الساحة شخص آخر معترف بدوره غير الرئيس.
د.أيمن منصور ندا: نكسة مدبولي!
في أنظمة كثيرة، نجاح الرجل الثاني يؤهله لأن يصبح الأول
أما عندنا فقد يكون شرط عدم القدرة على المنافسة شرطاً لبقائه ثانياً (وهذا أيضاً غير مضمون)
مدبولي لا حزب ولا تيار ولا جمهور خاص ولا مشروع مستقل.
هو رئيس حكومة كبير بما يكفي لإدارة الدولة، وصغير سياسياً بما يكفي ألّا يقلق أحداً.
والرجل الذي لا يستطيع منافستك على كرسيك هو الأكثر أماناً لكي تمنحه كرسياً كبيراً بجوارك.
وهكذا يكبر المنصب دون أن يكبر الظل..
ولو فتشنا في تاريخ رؤساء الحكومات عن الأقرب إلى مصطفى مدبولي، لوجدنا “علي لطفي” و”عاطف عبيد” و”إبراهيم محلب” رؤساء حكومات غلب عليهم الطابع التنفيذي، ولم يصنعوا لأنفسهم مشروعاً سياسياً مستقلًا أو مركز قوة يزاحم الرئيس.
إنهم رؤساء حكومات كبرت مسؤولياتهم، لكن ظلالهم بقيت أقصر من ظل الرئيس.
ويتشابه مدبولي مع كثير من سابقيه أيضًا في محدودية الحس السياسي، وضعف القدرة على مخاطبة الجماهير بصورة مقنعة، لذلك يظهر كثيراً، لكن أثره الاتصالي أقل من حجم ظهوره؛ والبصمة أقل من الحضور.
وحين لا تكفي شخصية المسؤول لإقناع الناس، تصبح الحاجة قائمة إلى “الاستعانة بصديق” يشرح الفكرة أو يبرر القرار، وهو ما يفعله دائماً مدبولي.
والدكتور مدبولي أقرب إلى رئيس حكومة يذوب في النظام، وليس إلى رئيس حكومة يترك للنظام اسمه.
وهنا تحديداً تكمن خصوصيته، أن يكون حاضراً في كل شيء، دون أن يصبح هو “الشيء”
لقد أدرك مدبولي المعادلة المعاكسة: أن يكبر الكرسي دون أن يكبر صاحبه سياسياً.
وربما كان هذا، أكثر من أي شيء آخر، سر بقائه، واستمراراه.. والمؤكد عندي، أن مدبولي صادق جداً في إخلاصه للرئيس، ولا يتصنع الإخلاص له.
بدأ مع الرئيس وزيراً (2014) ثم رئيساً للحكومة (2018) وقد يرى، عن حق، أن المناصب التي اختير لها تجاوزت كثيراً ما كان يتوقعه أو يحلم به لمسيرته المهنية.
والاختيار يولد الامتنان.
وحين يختلط الامتنان للشخص بالولاء للمؤسسة يصبح الاعتراض أصعب، ويصبح الوفاء بديلاً عن الاختلاف.. ويصبح هز الرأس الدائم مطلوباً ومبرراً.
لكنَّ الإخلاص للرئيس لا يغني عن الاختلاف معه، بل ربما يجعل الحاجة إلى هذا الاختلاف أكبر.
فالرئيس القوي لا يحتاج رئيس وزراء يوافقه دائماً، ولا معارضاً استعراضياً يبحث عن بطولة، بل يحتاج إلى من يستطيع أن يختلف معه باحترام.
وأن يقول داخل الغرفة المغلقة: هذه الأرقام ناقصة، وهذا القرار مكلف، وهناك بديل أفضل.
وهذا ما تسميه أدبيات الإدارة “الاعتراض الصاعد” Upward Dissent، أي قدرة المسؤول على نقل رأي مخالف إلى صاحب القرار من دون أن يتحول الاختلاف إلى تمرد.
وهي وظيفة أساسية في أي نظام يريد اكتشاف الخطأ قبل أن يصبح سياسة.
الرئيس القوي لا يضعفه أن يسمع “لا” يضعفه أن يكتشف بعد التنفيذ أن أحداً لم يجرؤ على قولها.
والوزير الذي يقول “تمام يا فندم” دائماً قد يكون مريحاً في الاجتماع، لكنه مكلف جداً بعده.
والدستور الحالي (دستور 2014) لا يجعل الحكومة سكرتارية للرئيس، بل يمنحها دوراً في صنع السياسة العامة.
والمؤكد عندي أن تصوير الوزراء باعتبارهم سكرتارية يسيء إلى الرئيس نفسه.
حين يصبح الوزير منفذاً للتوجيه لا صاحب سياسة، ورئيس الحكومة منسقاً للتكليفات لا شريكاً في صناعتها، تضعف المحاسبة.
وكلما أضعفنا الوزراء بحجة تقوية الرئيس، حملناه أخطاءهم.
نظام “السكرتارية” يمنح الرئيس الفضل عند النجاح، ثم يرسل إليه الفواتير عند الفشل.
وحين يصبح الرئيس عملياً الوزير الوحيد في الحكومة، تصبح أزمات الكهرباء والأسعار والتعليم والدواء ملفات رئاسية في وعي الناس.
وقد يحمي الولاء المفرط الوزير، لكنه يترك الرئيس وحيداً أمام الحساب.
منذ عدة أشهر (15 فبراير 2026) كتبتُ مقالاً عنوانه: “نكسة مدبولي”
حمَّلتُ فيه الدكتور مدبولي جانباً من مسؤولية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي نمر بها حالياً، باعتباره رئيساً للحكومة.
المدهش والمثير أن تعليقات الناس كانت: “أنت كاذب.. مدبولي مش مسؤول!”
فإذا كان رئيس الوزراء، بعد ثماني سنوات، ليس له من الأمر شيء، وليس مسؤولا، فلماذا هو رئيس للوزراء أصلاً؟
من أرادوا تبرئة مدبولي من الفشل جردوه، من حيث لا يقصدون، من السلطة.
أنا اتهمته بأنه رئيس حكومة أخفقت، وهم دافعوا عنه بالقول إنه ليس رئيس الحكومة فعلاً!
وهكذا تحولت البراءة الشعبية إلى شهادة وفاة سياسية للمنصب.
لكن المفارقة تفرض الإنصاف:
من لا يملك كامل القرار لا يتحمل كامل المسؤولية.
أصعب وظيفة في السياسة أن تُحاسَب على قرار أكثر مما تملك حق اتخاذه.. إنَّ المسؤولية بلا سلطة ظلم، والسلطة بلا مسؤولية أخطر من الظلم..
ويمكنني الزعم، أنه ربما لم تكن المسافة بين رئيس وزراء والجمهور في مصر أوسع مما هي عليه في زمن الدكتور مدبولي.
يتحدث مدبولي عن إنجازات غير مسبوقة، بينما يتحدث الناس عن سنوات شدة غير مسبوقة.
وهو يستشهد بمؤشرات الاقتصاد الكلي، وأرقام النمو، وحجم الاستثمارات، وما تحقق في البنية الأساسية.
بينما يستشهد المواطن بسعر الطعام، وفاتورة الكهرباء، وقسط المدرسة، وإيجار البيت، وما تبقى في جيبه قبل نهاية الشهر.
والمشكلة هنا ليست بالضرورة أن أحد الطرفين يكذب والآخر يقول الحقيقة، بل إن كليهما يعيش داخل “حقيقة” مختلفة.
الحكومة تنظر إلى مصر من أعلى، فتراها طرقاً ومدناً ومشروعات وأرقاماً في الجداول.
والمواطن ينظر إليها من أسفل، فيراها دخلاً يتآكل وأسعاراً تصعد وقدرةً على الاحتمال تضيق.
هنا تتسع المسافة بين مصر التي تظهر على شاشة العرض، ومصر التي تفتح الثلاجة.
الحكومة تقيس الاقتصاد من أعلى بالشارت، والمواطن يقيسه من أسفل بالفاتورة
وقد يقول المؤشر إن التضخم يتراجع، فترد الثلاجة: لا أعرف هذا الرجل.
ولهذا، كلما زاد مدبولي في شرح الإنجاز، بدا لقطاعات من الجمهور كأنه يشرح لهم بلداً آخر.
يتحدث مدبولي بلغة المؤشرات، والناس تتحدث بلغة الفواتير.
والمشكلة أن اللغتين، مثل الشرق والغرب، لا تلتقيان، أو، بتعبير باسم يوسف: مدبولي والجمهور (دونت ميكس Don’t mix)!
والحل اللغوي لهذه الفجوة يسكن مكاناً غامضاً اسمه “الفترة المقبلة”
الإصلاح بدأ، والمؤشرات تتحسن، والمواطن سيشعر بالنتائج، وعليه الصبر والانتظار.
روجت حكومة مدبولي لوهم كبير اسمه “الازدهار المؤجل” ويقوم على فكرة أنَّنا نسير في طريق الإصلاح الاقتصادي الصعب والطويل والشاق، وأنَّ ما قمنا به هو خطوات مهمة على الطريق الصحيح، ولكنَّنا لن نرى آثار هذا الإصلاح ونتائجه إلَّا بعد فترة زمنية طويلة.
ومن ثمَّ، ليس أمام المواطنين سوى الصبر والتحمّل والتفاؤل حتى يروا نتائج هذا الإصلاح.
وربما يكون أكثر الأماكن ازدحاماً بالمصريين ليس القاهرة ولا الإسكندرية، وإنما مكان غامض اسمه “الفترة المقبلة”
هناك ستنخفض الأسعار، وهناك سيشعر المواطن بالإصلاح، وهناك ستظهر ثمار المشروعات.
المواطن يعيش اليوم، بينما كثير من الوعود الحكومية حجزت له شقة في المستقبل البعيد.
ولأن المستقبل يحتاج شرح الماضي، صار مدبولي المترجم الرسمي للألم الاقتصادي:
الحرب، الدولار، الطاقة، الفائدة، الإقليم، صندوق النقد.
كثير من هذه الأسباب حقيقي، لكن كثرتها تصنع مفارقة:
رئيس الحكومة يعرف بالتفصيل لماذا حدثت الأزمة وهي كلها من وجهة نظر الحكومة أسباب خارجية، لا دخل للحكومة بها.
مدبولي من أفضل المسؤولين في شرح لماذا أصبحت الأمور كما أصبحت؛ ويبقى الامتحان الأصعب هو جعلها شيئاً آخر.
للإنجاز في حكومة مدبولي أب معروف، أما الأزمة فتحمل جواز سفر أجنبياً، أو تكون بسبب الشعب نفسه!
وبقدر ما أصبح طول البقاء شهادة لمدبولي، ودليلاً على كفاءته، فقد صار حجة عليه ودليل إدانة ضده.
منذ 2018 والدكتور مدبولي رئيس للحكومة، تغير الوزراء وبقي هو.
بعد ثماني سنوات يفقد الدكتور مدبولي رفاهية لوم الحكومة السابقة؛ لأن الحكومة السابقة كانت حكومته هو.
وقد يستطيع الوزير الجديد أن يقول: “استلمت الملف كده”
أما مدبولي فقد يضطر إلى الإشارة إلى نفسه.
خلال هذه السنوات، كلما شعر مدبولي باهتزاز في سيارة الحكومة قام بتغيير بعض قطع الغيار، بينما ظل المحرك خارج جدول الصيانة، حتى بات من الضروري استبداله.
وهنا نفهم لماذا يحتاجه النظام، ولماذا لم يغيره رغم أن المحرك (جاب زيت)
مدبولي تكنوقراط يفهم لغة المستثمر، ومدير شاطر لجهاز بيروقراطي ضخم، وواجهة تشرح القرارات المؤلمة.
مدبولي قوي حيث يحتاجه النظام قوياً، وضعيف حيث قد تصبح قوته مشكلة.
يحمل الملفات دون أن يكون لديه مشروع سياسي خاص، ويتحمل تكلفة القرار دون أن ينازع على ملكيته، ويظهر كثيراً دون أن يصبح هو الصورة.
وقد تكون المشكلة لدينا نحن أننا نقيس مصطفى مدبولي بوظيفة رئيس الوزراء كما تقول عنها كتب النظم السياسية، وكما ينص عليها دستور 2014، بينما النظام يقيسه بوظيفة مختلفة صممها هو لرئيس الوزراء.
ويبقى السؤال: من يحاسبه فعلاً؛ البرلمان، أم الرئيس، أم المواطن؟
ليست مشكلة الدكتور مصطفى مدبولي أن رأسه يهتز، المشكلة في نظام سياسي يطمئن أكثر إلى الرؤوس التي لا تختلف.
وقد نجح مدبولي في البقاء لأنه فهم حدود الوظيفة:
يدير كثيراً، يقرر قليلاً، يشرح دائماً، ويعترض نادراً.
ومدبولي ليس استثناءً في النظام؛ هو ربما أنقى تعبير عنه.
ولهذا ظل الكرسي ثابتاً كل هذه السنوات:
فالرجل الثاني المثالي ليس من يستطيع أن يصبح الأول، بل من يطمئن الأول إلى أنه لن يحاول.
وهكذا يظل الرأس يهتز، ويظل الكرسي، بأعجوبة إدارية وسياسية، في غاية الثبات.






