تقرير : انقسمت منصة الأمم المتحدة بين سوريا وحرب إيران
افتتح بزشكيان رده بمواجهة مباشرة مع ترامب، الذي وصف إيران في اليوم السابق بأنها راعية للإرهاب وهددها بعمل عسكري أشد إذا لم يتم الوصول إلى اتفاق.
اليوم الثاني في اجتماعات الأمم المتحدة بين الحرب على إيران واستقرار سوريا
من خطاب الشرع إلى صور بزشكيان.. الشرق الأوسط يتحدث عن نفسه
إذا كان اليوم الأول للجمعية العامة قد رسم حدود المواجهة، فإن صباح 23 سبتمبر حمل صورتين تكادان تختصران التحولات الكبرى في الشرق الأوسط:
رئيس سوريا يتحدث عن إعادة بناء دولة خرجت من سنوات الحرب والعزلة، ورئيس إيران يصعد بعده بساعات إلى المنصة حاملًا صورًا لضحايا الحرب، ويرد مباشرة على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اليوم السابق.
وبين دمشق وطهران بدا أن المنطقة لا تعيش حربًا واحدة، بل عملية إعادة توزيع واسعة للنفوذ والأمن والحدود والتحالفات.
بحسب ترتيب كلمات اليوم الثاني، افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع كلمات الدول، بينما جاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خامس المتحدثين في الجلسة الصباحية.
الشرع أول المتحدثين.. «سوريا تعود»
وقف أحمد الشرع أمام الجمعية العامة ليقدم رواية حكومته لما جرى خلال العام الأخير.
قال إن سوريا بدأت تستعيد موقعها بين الدول، وإن بناء الجسور الدبلوماسية الجديدة يثبت ـ وفق تعبيره ـ أن أمن الشرق مرتبط باستقرار دمشق.
وتحدث عن توحيد البلاد من الشمال إلى الجنوب، ووضع السلاح خارج مؤسسات الدولة تحت سيطرة الحكومة، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية، ورفع العقوبات، وبدء مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار، إضافة إلى مسار للعدالة الانتقالية وكشف مصير المفقودين.
كانت الكلمة في جوهرها محاولة لنقل صورة سوريا من الدولة التي يبحث العالم في مصيرها إلى الدولة التي تطالب بالجلوس مجددًا على طاولة الإقليم.
ومن هنا جاءت عبارته بأن أمن الشرق «يُنسج في دمشق»، وهي رسالة تتجاوز الداخل السوري إلى تركيا وإسرائيل والأردن ودول الخليج وإيران.
أكثر الملفات حساسية في خطابه كان إسرائيل والجولان.
الشرع أكد أن الجولان سيبقى أرضًا سورية، وانتقد العمليات والتحركات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، رابطًا استقرار بلاده باحترام سيادتها ووحدة أراضيها.
هذه النقطة تحديدًا ستعود بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على لسان بنيامين نتنياهو، لكن من زاوية مناقضة تمامًا.
بين دمشق وطهران.. سؤال السيادة يتكرر
لم يكن الحديث السوري منفصلًا عن خطاب أوسع ظهر في كلمات عدد من القادة خلال الاجتماعات.
فقد تحدث ماكرون في اليوم السابق عن ضرورة استعادة سوريا سيادتها ووحدتها، فيما أثارت العمليات الإسرائيلية في سوريا قلقًا لدى الأردن ودول أخرى تخشى انتقال الصراع من حدود غزة ولبنان إلى جبهة سورية مفتوحة.
هكذا بدا أن «السيادة» أصبحت الكلمة المفتاحية في خطاب دمشق الجديد: سيادة على السلاح، وسيادة على الحدود، وسيادة في القرار الخارجي.
بزشكيان خامسًا.. الرد الإيراني يصل إلى المنصة
بعد عدة كلمات، جاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. لكن الرجل لم يقدم الخطاب الذي كان يمكن توقعه في اجتماع دولي تقليدي.
افتتح بزشكيان رده بمواجهة مباشرة مع ترامب، الذي وصف إيران في اليوم السابق بأنها راعية للإرهاب وهددها بعمل عسكري أشد إذا لم يتم الوصول إلى اتفاق.
رد بزشكيان بأن إيران هي التي كانت «ضحية للإرهاب»، ورفع أمام الوفود صورة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، الذي قال إنه قُتل في ضربة أمريكية إسرائيلية.
ثم عرض صور أطفال قال إنهم قُتلوا في هجمات أمريكية إسرائيلية. وأكد أن بلاده لن «تنحني» أمام العقوبات والضغوط العسكرية.
هنا تحولت منصة الأمم المتحدة إلى مواجهة غير مباشرة بين رئيسين لم يقفا أمام بعضهما: ترامب في الثلاثاء، وبزشكيان في الأربعاء.
النووي.. النقطة الثابتة
في الملف النووي أكد بزشكيان أن البرنامج الإيراني مخصص للأغراض السلمية، وتحدث عن استخدام التكنولوجيا النووية في الطب والزراعة والصناعة.
وفي الوقت نفسه اتهم النظام الدولي بازدواجية المعايير، مشيرًا إلى وضع إسرائيل النووي وعدم انضمامها إلى معاهدة حظر الانتشار النووي.
لكن واشنطن وإسرائيل تنظران إلى الملف بصورة مختلفة جذريًا، وتقولان إن منع إيران من الوصول إلى قدرة نووية عسكرية يمثل خطًا أحمر أمنيًا.
ترامب كرر هذا الموقف في كلمته قبل يوم واحد، فيما سيجعل نتنياهو تدمير المنشآت النووية الإيرانية محور افتتاح خطابه في اليوم التالي.
غزة تدخل الخطاب الإيراني
بزشكيان انتقل كذلك إلى القضية الفلسطينية، واتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، بينما تؤكد إسرائيل أنها تستهدف حماس وتقول إنها تتخذ إجراءات لتقليل الخسائر المدنية.
وبعيدًا عن مواقف الطرفين، فإن محكمة العدل الدولية كانت قد أصدرت تدابير مؤقتة في القضية المرفوعة بموجب اتفاقية منع الإبادة، لكنها لم تصدر حتى الآن حكمًا نهائيًا يقرر وقوع إبادة من عدمه.
نيويورك تبحث عن باب تفاوض وسط صوت المدافع
المفارقة أن التصعيد الكلامي لم يغلق بالكامل باب السياسة، فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو استعداد واشنطن للحديث مع الجانب الإيراني إذا كان الحوار يمكن أن يؤدي إلى نتيجة.
كما جرت اتصالات ومباحثات على هامش الاجتماعات، فيما واصلت قطر ودول أخرى الدفع باتجاه خفض التصعيد وفتح مضيق هرمز واستعادة المسار الدبلوماسي.
في نهاية اليوم الثاني كان المشهد شديد الدلالة:
سوريا تريد إعلان انتهاء مرحلة العزلة، وإيران تريد إثبات أنها لم تُهزم، والولايات المتحدة تجمع بين الضغط والمفاوضات، ودول الخليج تبحث عن ضمان ألا يتحول هرمز وباب المندب إلى صمامين لإغلاق الاقتصاد العالمي.
لكن الكلمة التي كانت تنتظرها القاعة لم تأت بعد. ففي اليوم التالي كان بنيامين نتنياهو سيصعد إلى المنصة، ويحمل معه ردًا مباشرًا تقريبًا على كل من تحدث قبله.
شاركنا برأيك