مقالات
أحمد عبد الجواد
أحمد عبد الجواد

إعلامي وكاتب وشاعر

مقامات الصوفية (26) مقام الوفاء

الكاتب السالك لا يكتب بمداد الدواة بل بدم التجربة الحية وبحرارة الوجد الذي لا يهدأ وهو يعلم يقيناً أن النص الذي لا يحمل أثر صاحبه وروحه هو نص ميت لا حياة فيه مهما بلغت بلاغته.

مشاركة:
حجم الخط:

عُروج الفكرة واكتمال الدائرة في وحدة الوجود والكتابة

في البدء كانت الفكرة وهي النواة التي تنبثق منها العوالم وتتشكل بها الكينونة فالفكرة في جوهرها ليست مجرد خاطر عابر بل هي تجلٍ من تجليات الوجود الصرف يسري في عروق السالك ليعيد صياغة علاقته بالكون.

العروج الكبير للكاتب 

ومن هنا يبدأ العروج الكبير حيث تتحول الفكرة من تجريد ذهني إلى نبض يسكن الحرف ويستوطن المسافة الفاصلة بين الرائي والمرئي.

العالم في هذا المقام ليس ركاماً من المادة بل هو نص إلهي مفتوح للقراءة الدائمة والوجود ليس حيزاً للمكان بل هو رحلة في الزمان الباطني الذي لا يعرف التوقف أو السكون.

الطريق لا يقاس بالخطو 

​إن الطريق في عرف الذين ساروا على الدرب لا يُقاس بالخطوات بل بمدى الانسلاخ عن الأغيار والتحرر من قيود العادة.

فالسالك الحقيقي هو الذي يدرك أن كل خطوة يخطوها نحو الخارج هي في حقيقتها غوص في الداخل وكل محطة يمر بها هي كشف لطبقة جديدة من طبقات الروح.

الكتابة قناعا ذاتيا 

الكتابة في هذا السياق لا تخرج عن كونها “قناعاً ذاتياً” أصيلاً لا يهدف إلى المواراة بل يهدف إلى التجلي الأقصى.

فالمؤلف حين يرتدي قناع النص إنما يفعل ذلك لكي يمنح الحقيقة وجهاً يمكن تأمله ولكي يحرر الذات من محدودية الشخصي إلى رحابة الكوني.

التجربة الإنسانية لمن ذاق وعرف 

فالقناع هنا هو الوسيلة التي تسمح للحقائق الكبرى أن تنطق بلسان التجربة الإنسانية دون خجل أو وجلز

هكذا يغدو فن الكتابة ممارسة وجودية تنبع من تجربة أصيلة لمن ذاق وعرف ولمن سلك الوعر من المسالك ليصل إلى صفاء العبارة.

فالكاتب السالك لا يكتب بمداد الدواة بل بدم التجربة الحية وبحرارة الوجد الذي لا يهدأ وهو يعلم يقيناً أن النص الذي لا يحمل أثر صاحبه وروحه هو نص ميت لا حياة فيه مهما بلغت بلاغته.

فالأصالة هي ميزان هذا المقام وهي الخيط الرفيع الذي يربط بين حكمة القدماء وقلق المحدثين.

هي التي تجعل من الكلمة جسراً يعبر فوقه القراء نحو مرافئ اليقين ونحو شواطئ الدهشة التي لا تنتهي.

عند بلوغ هذه النهاية الفاتحة ندرك أن المقامات التي طفنا بها لم تكن إلا محطات للتزود في طريق طويل لا ينتهي بالوصول بل يتجدد بالمسير فكل مقام هو عتبة لما بعده.

وكل كلمة هي مفتاح لأبواب لم تُفتح بعد فالكتابة هي الصلاة الدائمة في محراب المعنى.

شهادة على قدرة الروح

هي الشهادة الصادقة على عظمة الخالق في خلقه.

على قدرة الروح في التسامي فوق جراحها لتصنع من الألم أملاً ومن العتمة نوراً يضيء دروب السائرين خلف أنوار الحقيقة.

رحلة معرفية 

مع ختام هذه الرحلة المعرفية والجمالية وفي هذه الأيام المباركة يسعدني أن أتقدم إليكم بأسمى آيات التهاني والتبريكات بمناسبة عيد الفطر المبارك أعاده الله عليكم بالخير واليمن والبركات.

جعل أيامكم كلها أعياداً من الكشف والتجلي.

وكل عام وأنتم بخير وفي أتم صحة وعافية وسلام ومن مقام إلى مقام أرقى وأبهى بإذن الله تعالى

شارك المقال: