مقال بوك
عزت إبراهيم
عزت إبراهيم

كاتب صحفي بالأهرام

تقرير: إطار أقليمي يضم إيران ودول المنطقة

مشاركة:
حجم الخط:

قبل اكثر من ٢٠ عاما، حضرت في الكونجرس الأمريكي نقاشات لجنة هلسنكي Helsinki Commission.

في البداية، كنت متعجبا من استمرار هذه اللجنة بعد انتهاء الحرب الباردة ولكن تبين أنها عملية مستمرة حتي يومنا هذا لتخفيف التوتر في أوروبا

عزت إبراهيم

لماذا أثار تقرير «فايننشال تايمز» عن «هلسنكي شرق أوسطية» كل هذا الاهتمام؟

أثار تقرير نشرته صحيفة Financial Times البريطانية نقاشات دبلوماسية واستراتيجية فورية بعدما كشف عن تداول أفكار داخل مشاورات إقليمية وغربية بشأن إمكانية إنشاء إطار إقليمي لعدم الاعتداء يضم إيران ودولا في الشرق الأوسط، مع استلهام تجربة «عملية هلسنكي» التي ساعدت خلال الحرب الباردة على إدارة التوتر بين المعسكرين الأمريكي والسوفيتي.

التقرير لم يتحدث عن مبادرة سعودية رسمية أو مشروع معلن، بل عن نقاشات وأفكار يجري تداولها بين حلفاء وشركاء إقليميين ودوليين حول شكل النظام الأمني الذي يمكن أن ينشأ بعد انتهاء الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران.

لكن مجرد استدعاء نموذج «هلسنكي» كان كافيا لإثارة الاهتمام، لأن الأمر يتعلق بإحدى أكثر التجارب الدبلوماسية تأثيرا في القرن العشرين.

الملايين خارج ديارهم. خريطة النزوح العربية

5 أدوات إسرائيلية لتثبيت احتلال الجولان السوري

ما هي عملية هلسنكي؟

بدأت عملية هلسنكي في ذروة الحرب الباردة، عندما أدركت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أن استمرار التصعيد المفتوح بينهما يحمل مخاطر كارثية، خصوصا مع توازن الردع النووي.

وفي أغسطس 1975، وقعت 35 دولة «الوثيقة الختامية لهلسنكي»، من بينها الولايات المتحدة وكندا والاتحاد السوفيتي ومعظم الدول الأوروبية.

وتم التوصل إليها عبر «مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا» الذي تحول لاحقا إلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا OSCE.

الهدف لم يكن إنهاء الحرب الباردة أو إزالة الصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية، بل وضع قواعد تمنع الانفجار المباشر بين الخصوم وتخلق آليات لإدارة التوترات.

قامت الوثيقة على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها:

احترام سيادة الدول
عدم استخدام القوة
عدم تغيير الحدود بالقوة
تسوية النزاعات سلميا
عدم التدخل في الشؤون الداخلية
التعاون الاقتصادي
احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية

الجديد في هلسنكي آنذاك أنها لم تنظر إلى الأمن باعتباره مسألة عسكرية فقط، بل ربطته بالاقتصاد والتعاون السياسي وحقوق الإنسان.

هل كانت اتفاقات هلسنكي ملزمة؟

قانونيا لا.

فالوثيقة لم تكن معاهدة ملزمة تفرض عقوبات أو تملك أدوات تنفيذ عسكرية. لكنها كانت «ملزمة سياسيا»، وهو ما منحها تأثيرا طويل الأمد.

في البداية اعتقد الاتحاد السوفيتي أنه حقق مكسبا استراتيجيا، لأن الغرب اعترف عمليا بالحدود الأوروبية التي نتجت عن الحرب العالمية الثانية.

لكن مع مرور الوقت، تحولت بنود حقوق الإنسان إلى مصدر ضغط متزايد على الأنظمة الشيوعية نفسها.

فقد بدأت جماعات المعارضة في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي تستخدم نصوص هلسنكي لمطالبة الحكومات بالوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالحريات السياسية وحرية التعبير والتنقل.

المؤرخة الأمريكية Sarah B. Snyder ترى أن عملية هلسنكي جعلت حقوق الإنسان جزءا دائما من الدبلوماسية الدولية بين الشرق والغرب.

أما الباحث Daniel C. Thomas فقد صاغ ما عرف لاحقا باسم «تأثير هلسنكي»، أي كيف يمكن للمعايير الدولية أن تعيد تدريجيا تشكيل الشرعية السياسية داخل الأنظمة المغلقة.

لماذا لا تزال هلسنكي مهمة حتى اليوم؟

أحد أسباب الاهتمام الكبير بالإشارة إلى هلسنكي في تقرير «فايننشال تايمز» أن هذه العملية لم تختف بانتهاء الحرب الباردة.

فمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا لا تزال قائمة حتى الآن، وتضم 57 دولة بينها الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا.

ورغم انهيار العلاقات بين موسكو والغرب بعد حرب أوكرانيا، استمرت آليات هلسنكي في العمل بدرجات مختلفة، خصوصا في مجالات:

الشفافية العسكرية
تبادل المعلومات الأمنية
تقليل مخاطر التصعيد
مراقبة الانتخابات
التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان

ولا تزال المنظمة تشرف على «وثيقة فيينا» الخاصة بإجراءات بناء الثقة العسكرية وتبادل المعلومات بين الجيوش الأوروبية.

كما استمرت في استخدام «آلية موسكو» التي تسمح بإرسال بعثات خبراء مستقلين للتحقيق في انتهاكات القانون الإنساني وحقوق الإنسان، حتى أثناء الحرب في أوكرانيا.

وفي الولايات المتحدة، لا تزال «لجنة هلسنكي» التابعة للكونجرس قائمة حتى اليوم، وتراقب التزام الدول الأعضاء بتعهدات الأمن وحقوق الإنسان والديمقراطية داخل إطار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

هذا الاستمرار المؤسسي بعد نصف قرن تقريبا هو ما يمنح نموذج هلسنكي وزنه التاريخي في نظر كثير من الدبلوماسيين.

لماذا عاد الحديث عن هلسنكي الآن في الشرق الأوسط؟

السبب الرئيسي هو التحولات التي فرضتها الحرب مع إيران.

فدول الخليج باتت تخشى أن يخرج الشرق الأوسط من الحرب في وضع أكثر هشاشة:

إيران أضعف لكنها أكثر عدائية
تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل
انتشار أوسع للصواريخ والطائرات المسيرة
تراجع الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية
تهديد مستمر للممرات البحرية والطاقة

كما أظهرت الحرب أن أي تصعيد واسع يمكن أن يهدد فورا الاقتصاد العالمي عبر تعطيل مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة والملاحة الجوية.

في هذا السياق، بدأ بعض الفاعلين الإقليميين التفكير ليس فقط في كيفية الردع العسكري، بل أيضا في كيفية إدارة الصراع ومنع انفلاته الكامل.

وهنا تحديدا تظهر جاذبية «النموذج الهلسنكي»: ليس لأنه يحقق السلام الشامل، بل لأنه يخلق قواعد اشتباك وقنوات اتصال وآليات تمنع الانهيار الكامل للنظام الإقليمي.

هل يمكن فعلا إنشاء «هلسنكي شرق أوسطية»؟

معظم المحللين يستبعدون وجود نسخة مطابقة للتجربة الأوروبية.

فأوروبا السبعينيات كانت منقسمة لكنها مستقرة نسبيا، بينما يعاني الشرق الأوسط اليوم من:

حروب أهلية
جماعات مسلحة
انقسامات مذهبية
دول هشة
تدخلات إقليمية ودولية متشابكة

كما لا يوجد حتى الآن إطار أمني إقليمي يجمع في وقت واحد إيران وإسرائيل وتركيا والدول العربية.

لكن رغم ذلك، يرى دبلوماسيون ومحللون أن مجرد ظهور هذا النقاش يعكس تحولا عميقا في التفكير الاستراتيجي داخل المنطقة بعد الحرب مع إيران.

فالجدل لم يعد فقط حول من يهيمن عسكريا على الشرق الأوسط، بل حول كيفية منع المنطقة من التحول إلى ساحة مواجهة دائمة بلا قواعد أو توازنات أو آليات احتواء.

شارك المقال: