مقالات
سالم أبو رخا
سالم أبو رخا

كاتب صحفي

أكذوبة التنوير وهندسة إنكسار الروح في دوح الوطن!

المعركة التي يخوضها اليوم أمثال "إبراهيم عيسى" و"إسلام بحيري" و"عماد أديب" ليست معركة "تنوير" كما يزعمون، فالتنوير براء من وجوه لم ترَ النور يوماً.

مشاركة:
حجم الخط:

إن أخطر معارك القرن الحالي لا تدور رحاها بالدبابات في الفلوجة أو غزة أو سيناء أو في الضاحية الجنوبية ، أو على حدود جبل الشيخ، بل تدور في المساحات الرمادية داخل العقول.

اللعب في الدماغ 

هناك حيث يتم استبدال الرصاص بالكلمات المسمومة، والدبابات بالمنصات الإعلامية وكتائب الغباء اللامع.

ما نراه اليوم من حالة استسلام مسبق لدى قطاعات واسعة من شعوبنا ليس صدفة، ولا هو “واقعية سياسية” كما يدعون، بل هو نتاج عملية سيكولوجية معقدة صُممت خصيصاً في مطابخ التبعية لتفكيك إرادة البقاء وتحويلها إلى رغبة في الفناء تحت أحذية السيد القوي!

غسيل مخ بـالقطاعي والجملة

المعركة التي يخوضها اليوم أمثال “إبراهيم عيسى” و”إسلام بحيري” و”عماد أديب” ليست معركة “تنوير” كما يزعمون، فالتنوير براء من وجوه لم ترَ النور يوماً.

إنها عملية غسيل مخ جمعية تهدف إلى خلق إنسان مهزوم بنيوياً، إنسان يرى في عدوه التاريخي حكماً عدلاً، وفي سلاح المحتل ضمانة للأمان، بينما يرى في محاولات بني جلدته لامتلاك القوة تهوراً وشراً مستطيراً !

هذه الهندسة النفسية الخبيثة تبدأ بزرع ما نسميه العجز المتعلم ؛ وهو ذلك الداء الذي يجعل الكائن يتوقف عن المحاولة بعد تعرضه لصدمات متتالية.

50 سنة تجريف 

وهذا بالضبط ما فعلوه بنا طيلة خمسين عاماً، فمنذ زلزال الانفتاح وتوقيع معاهدات “السلام” التي أفرغت نصر أكتوبر من معناه، تم حقن الوعي الجمعي بجرعات مكثفة من اليأس الممنهج .

صوّروا لنا أمريكا كإله مادي يتحكم في الأرزاق والأعمار، وصوّروا “إسرائيل” كواحة للتكنولوجيا والرقي الذي لا يمكن اللحاق به.

تأليه القوة المادية 

الهدف؟ الوصول بالإنسان العربي إلى نقطة تأليه القوة المادية والكفر التام بالقوة الروحية أو الحق التاريخي.

في هذه البيئة الخصبة من اليأس، يتم التلاعب بالعواطف عبر الشاشات من خلال “سيكولوجية التخويف” فيتم تصوير أي فعل مقاوم على أنه خراب مستعجل، ويتم التركيز على آلام الضحايا لا كفعل تضحية فدائي، بل كفعل عبثي لا طائل منه.

والهدف هنا هو دفع المشاهد العادي للشعور بـ الذنب لأنه يتعاطف مع المقاومة، ثم يُقدم له “طوق النجاة” في صورة المثقف الواقعي الذي يمنحه صك البراءة من هذا الذنب قائلاً له ببرود: “لا تحزن، فالمقاومة هي السبب، والاستسلام هو الحل العقلاني الوحيد”!

هنا تتحول الخيانة من عارٍ يُغطى بالتراب إلى وجهة نظر يُصفق لها في الصالونات.

اللعب على وتر الخوف

إن هذا التيار القذر يلعب على وتر الخوف على الاستقرار الزائف، ويقنع الناس بأن ثمن الكرامة أغلى مما يطيقون، بينما الحقيقة العارية هي أن ثمن الذل الذي ندفعه يومياً من سيادتنا وثرواتنا ووعينا يفوق بمراحل ثمن أي مواجهة.
إنهم يكررون نفس الدور القميء الذي لعبه مثقفو حكومة فيشي في فرنسا المحتلة، أولئك الذين لم يكتفوا بالتعاون مع النازي، بل راحوا يجلدون المقاومة الفرنسية ويصفونها بـ العصابات المخربة.

إنسان الكتالوج

اليوم، نرى النسخة العربية منهم تمارس نفس الدور بشراسة أكبر، مستخدمة “البتروصهيودولار” كوقود لإشعال الفتنة بين الشعوب وقضاياها المصيرية.

إنهم يريدون خلق “إنسان الكتالوج”؛ ذلك الإنسان الذي لا يفكر خارج السقف الذي وضعه له المحتل، والذي يرى في امتلاك عدوه للسلاح النووي “حقاً طبيعياً” بينما يرى في امتلاك جاره لليورانيوم جريمة كبرى.

إنها حالة من العمى الاستراتيجي المتعمد، والنتيجة هي خلق أجيال لا تملك خيالاً للانتصار، أجيال تخشى من مجرد التفكير في التغيير لأنها هُزمت في “معركة التخيل” قبل أن تهزم في معركة الواقع.

استرداد الذات 

إن استرداد الذات يبدأ من فضح هذه الآليات السيكولوجية، وإدراك أن هؤلاء الإعلاميين ليسوا “تنويريين” بل هم حراس السجن الذين يلمعون القضبان لكي تبدو كأنها ذهب، وأن الهزيمة ليست قدراً محتوماً، بل هي صناعة ثقيلة تتطلب منا وعياً حاداً ومشرط جراح لاستئصالها من أعماق نفوسنا.

المعركة الحقيقية ليست مع من يحمل السلاح ضدنا فحسب، بل مع من يحاول إقناعنا بأننا لا نستحق أن نحمل سلاحاً، وأن قدرنا هو الانبطاح الدائم تحت أقدام الأساطير التي صنعوها لنا.. وصدقناها نحن بملء إرادتنا!

شارك المقال: