مقالات

سادة التلاوة (3) أبو موسى الأشعري

قد عُرف عن أبي موسى رضي الله عنه تعاهده للقرآن وتعليمه الناس ذلك، موافقًا في هذا التوجيهَ النبويَّ العامَّ في الحث على تعاهد القرآن

مشاركة:
حجم الخط:

 سلسلة يكتبها: د. عبود مصطفى عبود 

أبو موسى الأشعري

إذا ذُكر الإقراء في المدينة في صدر الإسلام ذُكر معه اسم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه؛ لا بوصفه صاحب مذهبٍ قرائيٍّ مدوَّن، ولا مؤسسَ مدرسةٍ اصطلاحية، بل بوصفه صحابيًا شهد له النبي ﷺ بحسن القراءة وجودة الأداء، فصار لذلك مرجعًا في القراءة في طبقته، ضمن الإطار العام للتلقي الشفهي المباشر عن رسول الله ﷺ.
هو عبد الله بن قيس الأشعري، قدم من اليمن فأسلم، وشهد المشاهد بعد قدومه، وكان من أهل القرآن تلاوةً وتعليمًا. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال له: «لقد أوتيتَ مزمارًا من مزامير آل داود». وهذه شهادة نبوية صريحة في حسن صوته بالقرآن وجودة أدائه. والمزمار في لغة العرب يُطلق على الصوت الحسن الجميل، كما يُقال: فلان له مزمار، أي صوت طيب في القراءة. فالمقصود هنا تحسين الصوت بالقرآن، لا آلةً موسيقية، ولا إقرارًا بمفهومٍ فنيٍّ طارئ. والثناء النبوي لا يكون على مجرد جمالٍ صوتيٍّ مجردٍ عن الضبط، بل على قراءة صحيحة اجتمع فيها صحة الأداء وحسن النغمة.
كما ثبت أنه كان يقرأ والنبي ﷺ يستمع إليه، فقال له بعد أن علم بذلك: «لو علمتُ أنك تسمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا». والتحبير في أصل اللغة هو التحسين والتزيين، ويُستعمل في تحسين الخط وتجويد القراءة. وقد استدل أهل العلم بهذا الحديث على مشروعية تحسين الصوت بالقرآن وترتيله، في حدود الضبط المشروع، من غير تكلفٍ مخرجٍ عن هيئة القراءة. فكان هذا النص أصلًا في باب التغني بالقرآن على المعنى الشرعي الذي يجمع بين الإتقان والتحسين.
ولا ينبغي أن يُفهم الثناء على صوته بمعزلٍ عن مكانته العلمية؛ فإن اجتماع حسن الأداء مع صحة التلقي هو الذي جعله من أهل المرجعية في القراءة في جيله. فصورة أبي موسى القرآنية ليست صورة صاحب صوتٍ جميل فحسب، بل صورة قارئٍ ضابطٍ يُقرأ عليه ويُرجع إليه.
وقد تولّى أبو موسى رضي الله عنه القضاء والإمارة في البصرة زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان لوجوده هناك أثرٌ ظاهر في نشر القرآن وتعليمه في ذلك المصر. وهذا الانتقال لا يعني أنه أنشأ “مدرسة بصرية” بالمعنى الاصطلاحي الذي استقر لاحقًا في علم القراءات، وإنما يعني أنه كان من الأصول التي قامت عليها حركة التلقي في الجيل الأول بالبصرة. ثم جاء من بعده من كبار التابعين ممن أخذوا عنه أو عن طبقته، كـ أبو العالية الرياحي ويحيى بن يعمر، فحملوا هذا التلقي ونقلوه إلى الأجيال التالية، حتى عرفت البصرة في العصور اللاحقة قراءً كبارًا، منهم أبو عمرو بن العلاء ويعقوب الحضرمي. وهذا البناء المتأخر إنما قام على أصولٍ سابقة في التلقي، دون أن يُنسب اصطلاحًا إلى شخصٍ بعينه من طبقة الصحابة.
وقد عُرف عن أبي موسى رضي الله عنه تعاهده للقرآن وتعليمه الناس ذلك، موافقًا في هذا التوجيهَ النبويَّ العامَّ في الحث على تعاهد القرآن. ومن الثابت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها»، وكان الصحابة يتواصون بهذا المعنى، ويحضّون عليه في مجالس التعليم. وهذه اللفتة التربوية جزءٌ لا يتجزأ من صورة “سادة التلاوة” في صدر الإسلام؛ إذ لم تكن القراءة أداءً صوتيًا فحسب، بل كانت عبادةً موصولةً بالحفظ والمراجعة والعمل.
ولم يُعرف عن أبي موسى رضي الله عنه مخالفةٌ للجماعة في جمع المصحف زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه، بل كان مندرجًا في الإجماع الذي انعقد على المصحف الإمام، شأن جمهور الصحابة. ومنهج التحقيق يقتضي التأكيد على أن ما قد يُنقل من اختلافات في بعض الأوجه إنما هو داخل في الإطار الذي سبق تقريره في جمع المصحف، ولا يمسّ وحدة النص القرآني المتواتر.
توفي أبو موسى الأشعري رضي الله عنه سنة 44 هـ على المشهور، وقيل بعدها بقليل. والخلاف في تحديد السنة يسير، ولا يؤثر في ثبوت منزلته العلمية في طبقته.
وخلاصة منزلته أنه جمع بين صحة التلقي، وحسن الأداء، وتعليم القرآن في أحد أمصار الإسلام الكبرى، مع انضباطٍ تامٍّ بالإطار الجماعي الذي أقرّه الصحابة. فهو من سادة التلاوة في جيله، بشهادة النص الصحيح، وبأثره في التعليم والنقل، ضمن المرحلة التأسيسية الأولى لتاريخ القراءة في الإسلام.

شارك المقال: