مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

رحيل المرشد: التاريخ لا يتوقف

مشاركة:
حجم الخط:

رحيل المرشد: نهاية حقبة أم بداية إعادة تشكيل الجمهورية الإسلامية؟

في لحظةٍ توقف فيها النبض السياسي للعالم الإسلامي والمنطقة برمتها، يترجل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية عن صهوة الحضور، تاركاً خلفه فراغاً يتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية ليشمل موازين القوى الدولية. رحيله اليوم ليس مجرد غياب لرمز سياسي، بل هو نهاية حقبةٍ كاملة من المواجهة والبناء، حيث كان الراحل يمثل “العقل المدبر” الذي استطاع قيادة الدولة عبر حقول الألغام لأكثر من ثلاثة عقود، محققاً توازناً نادراً بين صلابة الأيديولوجيا ومرونة المناورة السياسية.
سيرة النضال: من عتمة السجون إلى أروقة القيادة
لم تكن حياة الراحل طريقاً مفروشاً بالورود، بل كانت ملحمة من النضال الذي بدأ في أزقة مدينة “مشهد” وحلقات العلم في “قم”. انخرط في العمل السياسي والثوري منذ ريعان شبابه، حيث كان أحد أعمدة الحراك ضد نظام الشاه، وقد دفع ضريبة مواقفه سنوات من الاعتقال والنفي والتعذيب في سجون “السافاك”. مع انتصار الثورة عام 1979.

لم يركن إلى الراحة، بل كان في قلب عملية بناء “الدولة الجديدة”؛ فتولى عضوية مجلس الثورة، ثم أصبح ممثلاً للإمام الخميني في مجلس الدفاع الأعلى خلال الحرب الإيرانية العراقية، وصولاً إلى انتخابه رئيساً للجمهورية لولايتين متتاليتين في الثمانينيات. هذه الرحلة الطويلة صقلت لديه رؤية شاملة لمفهوم “الدولة المقاومة”، وجعلت منه القائد الأكثر دراية بتفاصيل الجغرافيا السياسية لبلاده.


مهندس “الجمهورية الثانية”: بناء المؤسسات والردع العسكري
عندما تولى منصب المرشد الأعلى في عام 1989، كانت إيران تخرج من حربٍ مدمرة واقتصادٍ منهك، لكنه استطاع بحنكةٍ بالغة إطلاق مرحلة “البناء والإعمار”. لم يكتفِ بالحفاظ على مكتسبات الثورة، بل عمل على تحديث بنية النظام السياسي الإيراني من خلال تقوية المؤسسات السيادية. وتحت إشرافه المباشر، تحولت إيران من قوة إقليمية تقليدية إلى “قوة تكنولوجية وعسكرية” رائدة؛ حيث ركز على مبدأ “الردع الذاتي” عبر تطوير البرنامج الصاروخي والنووي السلمي، وبناء جيش موازي يتمثل في الحرس الثوري بقدرات استخباراتية وعملياتية عابرة للحدود. لقد آمن الراحل بأن بقاء النظام مرهون بقدرته على حماية نفسه بعيداً عن الارتهان للقوى الكبرى، وهو ما جعل من طهران رقماً صعباً في كافة المحافل الدولية.

صياغة “محور المقاومة”: الجغرافيا السياسية العابرة للحدود

يُسجل للراحل أنه كان المهندس الفعلي لما يُعرف اليوم بـ “محور المقاومة”. بفضل رؤيته الاستراتيجية، لم تعد إيران حبيسة حدودها الجغرافية، بل أصبحت تمتلك نفوذاً يمتد من شواطئ البحر المتوسط وصولاً إلى مضيق باب المندب. استطاع بناء شبكة معقدة من التحالفات مع قوى إقليمية وفصائل مقاومة، محولاً هذه التحالفات إلى حائط صدٍ دفاعي متقدم يحمي الأمن القومي الإيراني في العمق الإقليمي. هذه السياسة، وإن جلبت لإيران عقوبات اقتصادية خانقة، إلا أنها منحتها قدرة فائقة على التفاوض من موقع القوة، حيث أصبح من المستحيل الحديث عن استقرار الشرق الأوسط دون الجلوس على طاولة المفاوضات مع طهران.

معضلة الخلافة: الاختبار الوجودي فوق فوهة البركان

يرحل المرشد اليوم والمنطقة تعيش مخاض “حرب كبرى”، مما يضع النظام الإيراني أمام التحدي الأكبر منذ تأسيسه: “انتقال السلطة تحت النار”. إن اختيار الخليفة القادم ليس مجرد إجراء دستوري يقوم به مجلس خبراء القيادة، بل هو قرار استراتيجي سيحدد مصير المواجهة الجارية. النظام مطالب اليوم بسرعة الحسم لقطع الطريق على أي محاولات خارجية لزعزعة الاستقرار الداخلي، خاصة وأن الخصوم يتربصون بأي لحظة ضعف قد تنجم عن الفراغ القيادي. التحدي يكمن في إيجاد شخصية تجمع بين “الاجتهاد الفقهي” و”الحنكة السياسية” والقبول الواسع لدى “الحرس الثوري”، لضمان استمرار نهج الردع في مواجهة التهديدات الوجودية التي تحيط بالبلاد من كل جانب.


تُطوى اليوم صفحة من كتاب التاريخ الإيراني الحديث، صفحة كُتبت بحبر الصبر الاستراتيجي والدماء والعقوبات. لقد رحل القائد الذي لم ينحنِ للعواصف، لكنه ترك خلفه “دولة مؤسسات” صُممت لتعيش طويلاً خلف الأفراد. إن الأيام القادمة ستجيب على السؤال الجوهري: هل نجح الراحل في بناء نظام قوي بما يكفي لعبور “برزخ الخلافة” بسلام، أم أن غيابه سيمثل شرارة التحول الكبير في خارطة النفوذ الإقليمي؟
فالمرشد في الجمهورية الإسلامية ليس رئيسًا يمكن استبداله بانتخابات سريعة، بل هو حجر الزاوية في بنية دستورية – دينية تجعل من موقعه مركز الشرعية العليا، وصاحب الكلمة الفصل في السياسة الخارجية والدفاعية، والمشرف على المؤسسة العسكرية، والحاكم النهائي في توازنات النظام الداخلية.

من الثورة إلى القيادة… مسار رجل صعد مع الدولة

ولد علي خامنئي عام 1939 في مشهد، ونشأ في بيئة دينية تقليدية، قبل أن ينخرط في النشاط الثوري ضد حكم الشاه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ويتحول إلى أحد رجال الدائرة القريبة من آية الله روح الله الخميني، حيث شارك في الحراك السياسي والديني الذي مهّد لثورة 1979، ثم تولى مناصب متعددة بعد قيام الجمهورية الإسلامية، كان أبرزها رئاسة الجمهورية بين 1981 و1989.
لم يكن خامنئي يُنظر إليه، عند وفاة الخميني، بوصفه المرجع الديني الأعلى من حيث المرتبة الفقهية، لكن مجلس الخبراء اختاره مرشدًا في لحظة انتقال حساسة، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الجمهورية، انتقل فيها مركز الثقل من “الكاريزما الثورية” للخميني إلى “الإدارة المؤسسية الصلبة” التي طبعت عهد خليفته.

هندسة السلطة… كيف أعاد تشكيل التوازن داخل النظام؟
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، عمل المرشد على ترسيخ موقعه كمرجعية عليا فوق التيارات السياسية، مع تعزيز دور الحرس الثوري ليس فقط كمؤسسة عسكرية، بل كقوة اقتصادية وسياسية فاعلة، الأمر الذي خلق شبكة نفوذ متداخلة بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الأمنية.
شهد عهده: توسعًا كبيرًا في نفوذ إيران الإقليمي عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن وإدارة دقيقة لملف البرنامج النووي، بين تصعيد وتفاوض فضلا عن مواجهة متواصلة مع العقوبات الغربية ومحاولات العزل.
وبينما حاول بعض الرؤساء الإيرانيين — من خاتمي إلى روحاني — الدفع باتجاه انفتاح نسبي، ظل القرار الاستراتيجي النهائي بيد المرشد، ما جعله العامل الحاسم في توجيه بوصلة الدولة بين البراغماتية والتشدد.

إرثه الإقليمي… مشروع نفوذ أم شبكة ردع؟

في عهده، تحولت إيران من دولة إقليمية محاصرة بعد الحرب مع العراق، إلى لاعب مركزي في معادلات الشرق الأوسط، عبر ما سُمّي بمحور المقاومة، وهو مشروع جمع بين دعم حلفاء محليين في عدة دول، وبناء قدرات صاروخية متقدمة، وتطوير مفهوم “الردع غير المتكافئ” في مواجهة خصوم يتفوقون تقنيًا وعسكريًا.
هذا الإرث يضع خليفته — إن تم اختيار مرشد جديد سريعًا — أمام سؤال صعب: هل يستمر النهج ذاته، أم يعاد تقييم كلفة التمدد الإقليمي في ظل ضغوط اقتصادية وعسكرية متصاعدة؟

آلية الخلافة… اختبار دستوري في زمن النار

ينص الدستور الإيراني على أن مجلس الخبراء هو الجهة المخولة باختيار المرشد الجديد، لكن اللحظة الحالية ليست لحظة هادئة تسمح بعملية انتقال سلسة؛ فهي لحظة حرب وضغط خارجي، ما قد يعزز نفوذ التيار الأكثر تشددًا داخل المؤسسة، أو يدفع إلى اختيار شخصية تُجيد إدارة الأزمة دون أن تُحدث صدمة داخلية.
احتمالات ما بعده قد تشمل:
 مرشدًا من خلفية أمنية أقرب إلى الحرس الثوري.
 شخصية دينية محافظة تواصل النهج ذاته.
 أو انتقالًا تدريجيًا نحو صيغة قيادة جماعية مؤقتة في حال تعقّد التوافق.

لحظة لا تخص إيران وحدها

بعد ان تأكد رحيل المرشد في هذا التوقيت، فإن تداعياته لن تقتصر على الداخل الإيراني، بل ستمتد إلى: حسابات إسرائيل العسكرية – استراتيجيات واشنطن في إدارة التصعيد – مواقف روسيا والصين من التوازن الإقليمي – قراءة دول الخليج لمستقبل الأمن الجماعي.
لأن غياب الشخصية التي حكمت إيران أكثر من ثلاثة عقود يعيد فتح ملف “استقرار النظام” في لحظة حساسة، وقد يخلق فرصًا للتفاوض كما قد يخلق دوافع للتصعيد.
نهاية رجل… وبداية مرحلة
سواء اختلفت الآراء حول سياساته أو اتفقت، فإن المرشد الأعلى كان شخصية محورية في رسم ملامح الشرق الأوسط الحديث، ورحيله — إن تأكد — لا يعني فقط نهاية سيرة سياسية طويلة، بل بداية فصل جديد ستتحدد ملامحه في الأسابيع والأشهر المقبلة، بين خيار تثبيت النهج ذاته بقوة أكبر، أو إعادة صياغة الأولويات في ظل معادلات إقليمية ودولية متغيرة.
التاريخ لا يتوقف عند وفاة قائد، لكنه كثيرًا ما يعيد ترتيب مساره بعدها.

شارك المقال: