الزيادة السكانية بين الاستثمار والاستدمار
لا تألوا السلطات في مصر جهدا في إحالة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي يعيشها المصريون إلى الزيادة السكانية، مع دعوات متكررة من كافة مستويات السلطة وأعلاها عن ضرورة إحداث تغييرات في قوانين الزواج

صورة تعبيرية للمقال
وسط توترات العدوان الأمريكي على إيران، لم تنل تصريحات الرئيس التركي رجب أردوغان الاهتمام الواجب بخصوص مسألة محلية تعاني من تركيا، وهي انخفاض الخصوبة وقلة عدد المواليد معتبرًا أن الدعوة لإنجاب ثلاثة أطفال في كل أسرة تركية بات ضرورة.
أردوغان أعلن العقد 2026–2035 كـ”عقد الأسرة والسكان” وخصص الأسبوع الأخير من مايو الجاري كـ”أسبوع وطني للأسرة” واتخذ إجراءات تشجيعية لإنجاب مزيد من الأطفال عبر رفع إجازة الأمومة إلى 24 أسبوعًا، وإجازة 10 أيام، وقروض ميسّرة لتزويج الشباب تصل حتى 250 ألف ليرة ” 5600 دولار أو 270 ألف جنيه مصري”، مع حوافز إسكان للأسر التي لديها 3 أطفال فأكثر،
في المقابل لا تألوا السلطات في مصر جهدا في إحالة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي يعيشها المصريون إلى الزيادة السكانية، مع دعوات متكررة من كافة مستويات السلطة وأعلاها عن ضرورة إحداث تغييرات في قوانين الزواج وتغليظ العقوبة على الزواج دون الـ18 عام، مع تحديد الإنجاب بطفلين فقط، ورفع كافة صور الدعم عمن يزيد عن هذه المعدلات مع دعوات برلمانية لتحميلها أعباء مالية.
وقد أدت هذه السياسات الطبية والغذائية بانخفاض كبير في معدل الخصوبة من 3.5 إلى 2.4 مولود لكل سيدة خلال العقد الماضي بحسب تصريحات صحفية للدكتورة عبلة الألفي نائب وزير الصحة.
وصل الأمر لدرجة جعلت رئيسة المجلس القومي لحقوق الإنسان- المعينة حكوميا- تقوم بتحميل الزيادة السكانية مسئولية تردي حقوق الإنسان في هذا البلد.
سيد أمين يكتب: فتنة السنة والشيعة فقدان متعمد للصواب
سيد أمين يكتب: أسافين بين العرب وإيران
سيد أمين يكتب: حزب الله ظالم أو مظلوم؟
وخلال عقود ما بعد “ثورة” يوليو تتخذ حكوماتنا المتتابعة من الزيادة السكانية شماعة سياسية، ونعمة تعفيها من الاجتهاد كثيرا لتبرير فشلها، وتجعل من الشعب ذاته نقمة تحمله المسئولية كلما افتقرت إلى الجرأة للاعتراف بأن الفشل والفساد المستشري في منظومات الحكم هو من أهم أسباب تنامي الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتدني أداء المنظومات الصحية والتعليمية والتنموية.
مع أنها لو اجتهدت لعلاج أصل المرض بقدر اجتهادها بإخلاء مسئوليتها وتحميلها الشعب المسئولية، لربما كان الأمر أفضل بكثير.
هنا وهناك
يحدث ذلك بينما حكومات العالم تتوجه رويدا لتشجيع زيادة الإنجاب وليس الحد منها بوصفها قوى عاملة إذا أحسن استخدامها فإنها تمثل طاقة جبارة لدفع عجلة التنمية، والفشل في استغلالها لا يعود إلى الشعب ولكن إلى من يديره.
منذ سنوات خرج رئيس وزراء اليابان السابق فوميو كيشيدا ليحذر من أن انخفاض معدل المواليد في بلاده يشكل خطرا جسيما على المجتمع والأنشطة المرتبطة به، خاصة على مجالات الصناعة وعجلة الإنتاج، وقدم حوافز مغرية للأسر لتشجيعهم على الإنجاب مع إنشاء وكالة بهذا الخصوص من أجل معالجة هذا الخلل.
جاء ذلك بعد تقارير عن انخفاض معدل المواليد السنوية إلى ما دون 800 ألف مولود في هذا البلد الذي يصل عدد سكانه نحو 128 مليون نسمة يعيشون في مساحة تزيد قليلا عن مساحة دلتا مصر، بخلاف أن 70% منها جبال صخرية غير قابلة للزراعة.
في نفس الوقت تقريبا صدرت تقارير لمركز World Population Review البريطاني والمتخصص في دراسات السكان حول العالم لتؤكد أن الهند سوف تحتل أقوى خامس اقتصاد في العالم متجاوزة بريطانيا وفرنسا، وعزا ذلك التطور إلى نموها السكاني الكبير الذي وفر لها أيادي عاملة رخيصة. مع تواتر تقارير أخرى بأن عدد سكانها تجاوز فعلا عدد سكان الصين.
أما الصين؛ وهي الدولة الأكبر بعدد تريليون و450 مليون نسمة بحسب إحصاءات قديمة، والتي تتخذ عادة كنموذج يضرب به المثل في قوانين الحد من الإنجاب من جانبها شعرت بالقلق من إحصاءات داخلية تتحدث عن تناقص عدد المواليد بالبلاد، وعلى الفور اتخذت إجراءات لتشجيع الإنجاب حتى الوصول للطفل الثالث بعد إلغاء سياسة الطفل الواحد التي اتبعتها لعقود من الزمن.
وكانت مبررات القلق لديها كما سابقيها له علاقة بالخوف من تباطؤ نمو الاقتصاد والإنتاج، وفقدان الصين الأيدي العاملة التي جعلتها تتربع على تصنيف ثاني أقوى اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى نفس المنوال طالت المخاوف من نقص عدد السكان دولا أوربية أبرزها إيطاليا التي اعتبرت أن تراجع عدد المواليد السنوي عن المعدلات المعتادة بمثابة أزمة وجودية لها تأثيرات وخيمة اقتصاديا وسياسيا، ما جعلها تقر قوانينا تشجع على الزواج المبكر وكثرة الإنجاب، مع تقديم مساعدات سخية للأسر التي تنجب أطفالا أكثر، وخصصت ميزانية عملاقة قدرها 221 مليار يورو لهذا الغرض.
والأمر ينطبق أيضا على البرتغال التي رأت حكومتها أن تناقص عدد سكانها يمثل تحديا كبيرا على الدولة، وعلى الفور اتخذت اجراءات لتشجيع الشباب على الزواج والإنجاب، بل وراحت في 2016 تعلن عن حاجتها لاستقبال المزيد من اللاجئين لسد العجز في نقص الأيدي العاملة، ووصلت المخاوف درجة عميقة جعلت سفيرها في اليونان يزور مخيمات للاجئين هناك ويقدم اغراءات تشجعهم على الهجرة لبلاده.
وهناك دراسات كثيرة تفيد أن الخطر الرئيسي الذي يهدد أوربا هو تناقص أعداد المواليد والوفيات، مع ارتفاع معدلات الشيخوخة بسبب الرعاية الصحية المتطورة، وتنامي مستوى الدخل.
كان لابد من سرد هذه التفاصيل عن “هناك” حيث بلدان تجتمع فيها الرفاهية الإقتصادية، والتطور في كافة المجالات؛ رغم أن مواردها الطبيعية لا تزيد وربما تقل عن مواردنا “هنا” حيث العالم العربي، ومع ذلك فما كان هناك “نعمة” تم تحويله هنا بقدرة قادر إلى “نقمة”.
نظريات التنمية
وللعلم هناك نظريات كثيرة وضعها علماء الإقتصاد والتنمية عن أسباب التخلف والتقدم، لم يذكروا فيها زيادة عدد السكان إلا كعامل محفز للتقدم، ولم يتم إدانتها أو تحميلها أسباب التخلف إلا إذا كانت مقرونة بسوء الإدارة.
فيما ذهب بعضهم إلى اختصار نظريات التنمية كلها بفن الإدارة، فمتى حسنت تقدمت البلاد ونجحت خطط التنمية ومضت البلاد في طريق التقدم، ومتى فسدت فشلت خطط التنمية وتخلفت البلاد.
هذا على المسار القُطري، لكن على المسار الدولي هناك نظريات للتنمية تحدثت عن الزيادة السكانية واعتبرتها من أخطر الأسلحة التي يمتلكها العالم الثالث تهدد بقاء العالم المتقدم، ورأوا ضرورة التخلص من هؤلاء السكان عبر تطبيق”نظرية قارب النجاة” اللا إنسانية.
….






