إضراب وطني يهزّ فرنسا.. مئات الآلاف في الشوارع والطلاب والعمال في جبهة واحدة
خلال نحو عشرة أيام، انتقلت التحركات إلى مدارس أخرى في ضواحي العاصمة ثم إلى مناطق مختلفة من فرنسا، قبل أن تلتحق بها الجامعات والنقابات والعمال.
اضراب عام في فرنسا شمل مدن عديدة
لم يكن الخميس 5 نوفمبر يوماً عادياً في فرنسا، فقد شهدت البلاد إضراباً عاماً وتحركات واسعة امتدت من باريس إلى ليون ومرسيليا وبوردو ومدن أخرى، حيث خرج الطلاب والعمال والمدرسون والعاملون بالمستشفيات والسكك الحديدية والمتقاعدون في مشهد احتجاجي جمع فئات مختلفة تحت مطالب متشابكة: أجور أعلى، ومعاشات أفضل، وحماية الخدمات العامة، وتمويل التعليم، ووقف تراجع القدرة الشرائية.
وبينما قالت وزارة الداخلية إن أكثر من 600 ألف شخص شاركوا في التحركات، رفعت نقابة «CGT» تقديرها إلى قرابة 1.6 مليون متظاهر في أنحاء البلاد.
ويظل الرقمان متباعدين، كما أن تقدير الوزارة أولي، لكنهما يكشفان حجم التعبئة التي شهدتها فرنسا في هذا اليوم.
في باريس، شارك طلاب يحملون لافتات تحذر من أن «عدم المساواة يهدد مستقبلنا» وانضم إليهم موظفون ومتقاعدون يطالبون بزيادة الأجور والمعاشات.
وأُغلق برج إيفل، وتأثرت حركة النقل العام في مناطق عدة، فيما تعطلت الدراسة في عدد كبير من المدارس بسبب إضراب المعلمين أو إغلاق المداخل من جانب الطلاب.

وقالت وكالة «أسوشيتد برس» إن نحو ثلث المدارس الثانوية لم تتمكن من العمل بصورة طبيعية خلال اليوم.
ورغم أن معظم المسيرات، ومنها مسيرة باريس، سارت بهدوء، لم تخلُ مدن أخرى من التوتر؛ إذ استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع في بوردو وليون، وسُجلت احتكاكات في مدن أخرى.
وانتشر نحو 70 ألفاً من عناصر الشرطة والدرك لتأمين أكثر من 200 تحرك، وسط انتقادات لطريقة تعامل قوات الأمن مع الاحتجاجات الطلابية خلال الأسابيع الماضية.
لم تكن المطالب مجرد شعارات عامة
فالنقابات حذرت من تزايد خطط تسريح العاملين، ومن أن ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والإيجارات والطاقة يلتهم الدخول، بينما لا تلحق الأجور والمعاشات بهذا الارتفاع.
كما تحدث عاملون في القطاع الصحي عن نقص الموظفين والمعدات وضغط العمل، فيما عبّرت الطالبة الجامعية غارانس بليز، البالغة 21 عاماً، عن قلق جيلها من عدم ضمان الحصول على وظيفة أو مستقبل مستقر.
وتقول النقابات إن مشروع الموازنة وخطط خفض الإنفاق قد تزيد الفقر وتجمّد رواتب موظفي الدولة وتضغط على منظومة الحماية الاجتماعية، في وقت تقترب فيه الديون العامة من 120% من الناتج المحلي.

الإضراب الكبير لم يولد صباح الخميس
فخلف هذا المشهد تقف أزمة بدأت من داخل المدارس، ثم اتسعت لتصبح احتجاجاً اجتماعياً عاماً.
تعود الشرارة إلى 21 سبتمبر، عندما اندلعت احتجاجات في مدرسة ثانوية بمدينة كريتاي، جنوب شرقي باريس، بسبب نقص المدرسين والوظائف الشاغرة وعدم توفير بدلاء للمعلمين الغائبين.
وخلال نحو عشرة أيام، انتقلت التحركات إلى مدارس أخرى في ضواحي العاصمة ثم إلى مناطق مختلفة من فرنسا، قبل أن تلتحق بها الجامعات والنقابات والعمال.
كان التلاميذ يشتكون من فصول مكتظة قد تضم 35 طالباً، وجداول مرهقة، ومبانٍ متدهورة، ونقص المدرسين، ومن نظام القبول الجامعي «باركورساب» الذي يرون أنه يزيد القلق ولا يضمن تكافؤ الفرص.
ووفق تحقيق نشرته «لوموند»، أصبح التعليم الثانوي الحكومي يضم مدرسين أقل مما كان عليه عام 2008، رغم زيادة عدد الطلاب بنحو 250 ألفاً؛ كما أن أكثر من 70% من الفصول تضم أكثر من 30 طالباً.
ومن بين الوجوه التي تختصر هذا التحول الطالب لوكمان، البالغ 16 عاماً، الذي ساعد في إطلاق تحرك مدرسي في غرونوبل.

ومع اتساع الاحتجاجات، بدأ يقرأ الإحصاءات والملفات السياسية حتى يستطيع شرح مطالب زملائه والدفاع عنها، بدلاً من أن يُختزلوا في صورة تلاميذ يتهربون من الدراسة أو يثيرون الشغب.
وفي مرسيليا، تكشف مدرسة ديدرو جانباً آخر من الحكاية: بعض التلاميذ يتمسكون بإغلاق المدارس لإجبار السلطات على الاستماع، بينما يتردد آخرون خوفاً من ضياع الدروس وتأثر مستقبلهم الدراسي، في مشهد يوضح أن الاحتجاج نفسه بات يضع الشباب أمام اختيارات صعبة.
أمام هذا الضغط، تعهدت الحكومة بتوفير نحو 3 آلاف مدرس لسد العجز، وتقليص كثافة بعض الفصول، وزيادة التوظيف، وتقديم قروض بقيمة 4 مليارات يورو لتجديد المدارس.
كما أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عقد اجتماع مع النقابات وأصحاب الأعمال الاثنين المقبل لبحث الأجور وتكاليف المعيشة، لكن المحتجين يرون أن الوعود لا تكفي ما لم تتحول إلى خطوات ملموسة وسريعة.

في خلفية المشهد
تواجه الحكومة صعوبة في تمرير موازنة 2027 داخل برلمان منقسم، ما يزيد الضغط السياسي والاقتصادي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة.
إن التضامن مع الطلاب والعمال لا يعني تبرير العنف أو التخريب، بل الانحياز إلى حق الناس في التعليم الجيد والعمل الكريم والأجر الذي يحفظ الحياة.
وما جرى في فرنسا يطرح سؤالاً يتجاوز حدودها: كيف يمكن لأي حكومة أن تطلب من مواطنيها الصبر، بينما تتراجع الخدمات وتتسع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة؟
إن صوت الشارع يذكّر بأن كرامة الناس ومحاسبة المسؤولين والاستماع إلى المطالب ليست امتيازات، بل أسس لأي مجتمع يريد مستقبلاً أكثر عدلاً.
شاركنا برأيك