علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

حين يغيب الذين كانوا جزءًا من أرواحنا

قد علمني غياب نادر أن الإنسان لا يرحل كله حين تنتهي حياته، لأن شيئًا منه يظل موزعًا في أرواح الذين أحبوه، وفي عاداتهم وذكرياتهم وطريقتهم في تأمل العالم.

مشاركة:
حجم الخط:

عن الحزن الذي لا يشيخ، ورفيق العمر الذي يترك في القلب حياةً أخرى

ثمة حزن لا يبدأ بالبكاء، بل بصمت غامض يستوطن الروح حين تعجز الكلمات عن تفسير ما حدث، وحين يشعر الإنسان بأن شيئًا من نظام العالم قد اختل، وأن الحياة، رغم استمرارها، فقدت بعض معناها القديم.

ولعل أقسى ما في الفقد أنه لا يسلبنا من نحب فحسب، بل ينتزع شيئًا من أنفسنا كنا نودعه عندهم، مطمئنين إلى بقائه ما بقيت الحياة.

وبعض الراحلين لا نشعر بغيابهم في اللحظة التي يرحلون فيها وحدها، بل نفقدهم كل يوم، كلما حدث شيء تمنينا أن نقصه عليهم، أو مررنا بمكان كان يتسع لخطواتنا المشتركة، أو باغتتنا ذكرى أعادت إلينا زمنًا لم نكن نعرف أنه سيكون يومًا مصدرًا لهذا الوجع.

بروست… حين تختبئ الذاكرة في الأشياء

في روايته «البحث عن الزمن المفقود»، يكشف مارسيل بروست كيف يستطيع مذاق قطعة من كعك «المادلين» مغموسة في الشاي أن يبعث عالمًا كاملًا من الذكريات، وكأن الماضي لا يموت، بل يختبئ في الأشياء منتظرًا لحظة تستدعيه.

وهكذا أفهم الآن تلك العلاقة الغامضة بين الذاكرة والفقد؛ إذ يكفي أن يمر اسم نادر في حديث عابر، أو أن أستعيد موقفًا جمعنا، حتى تنهض أمامي سنوات كاملة بكل ما حملته من أحلام وضحكات وهموم.

لم يكن نادر اسمًا في دفتر الأصدقاء، بل كان جزءًا من نسيج الأيام، ومن تلك الألفة النادرة التي تنشأ بين اثنين تقاسما من العمر ما يجعل أحدهما قادرًا على فهم الآخر دون كثير من الكلام.

وما أعجب الزمن الذي استطاع أن يأخذه من الحياة، لكنه لم يستطع أن ينتزع صوته من الذاكرة.

جلجامش… حين يكشف الفقد هشاشة الإنسان

منذ آلاف السنين، قدمت «ملحمة جلجامش» واحدة من أعمق صور الفقد في الأدب الإنساني، حين رحل أنكيدو، صديق جلجامش ورفيق مغامراته، فاهتز يقينه بالحياة، واكتشف في موت صديقه هشاشته الشخصية، وانطلق يبحث عن سر الخلود.

ولعل هذه الحكاية القديمة تختصر شيئًا مما يفعله رحيل صديق العمر بنا، فنحن لا نحزن على الإنسان وحده، وإنما على أعوام كنا نظنها لا تزال مفتوحة أمام المزيد من اللقاءات.

هكذا يبدو غياب نادر؛ كأن طريقًا طويلًا سرنا فيه معًا توقف فجأة عند منعطف لم نتوقعه، وكأن فصلًا من سيرتي أصبح بلا شاهد يعرف تفاصيله كما أعرفها.

فهناك أصدقاء يشاركوننا بعض الأحداث، وهناك من يصبحون جزءًا من تفسيرنا للحياة، وكان نادر من أولئك الذين تمنح صحبتهم للعمر ألفته، وللذكريات معناها.

الأدب حين يمنح الحزن لغة

في كتابه «في حضرة الغياب»، يمنح محمود درويش الغياب حضورًا شعريًا تتداخل فيه الذاكرة بالحنين، بينما يسجل الكاتب الإنجليزي سي. إس. لويس في «حزن تحت المراقبة» تجربته بعد رحيل زوجته، كاشفًا كيف يستطيع تفصيل عابر أن يعيد الإنسان إلى لحظة الفقد الأولى.

ولطالما ظننت أن الأيام قادرة على ترويض الأحزان، غير أن فقد نادر جعلني أدرك أن الزمن لا يمحو الغائبين، بل يغير الطريقة التي نحملهم بها في داخلنا.

ثمة أحاديث لم تعد ممكنة، وأسئلة أعرف لمن كنت سأوجهها، ومواقف أستطيع أن أتخيل تعليقه عليها قبل أن ينطق به.

ولعل المتنبي لامس قسوة هذه الحقيقة بقوله: «وما الموت إلا سارق دق شخصهُ، يصول بلا كف ويسعى بلا رجل»، فالموت لا يسرق الأشخاص وحدهم، بل يسرق من تفاصيل الحياة بعض طمأنينتها.

حينما يغيب رفيق الحياة تنكسر الروح
حينما يغيب رفيق الحياة تنكسر الروح

نادر… حين يكون الصديق شاهدًا على العمر

ليست كل الصداقات سواء، فبعضها تصنعه المصادفات وتطويه المسافات، وبعضها ينمو في صمت حتى يصبح جزءًا من تكوين الإنسان، لا يحتاج إلى مناسبة ليؤكد وجوده، ولا إلى كلمات كثيرة ليبرهن على صدقه.

هكذا أستعيد نادر، لا بوصفه ذكرى جميلة مضت، وإنما باعتباره حضورًا امتد في حياتي حتى غدا من الصعب الفصل بين مراحل عمري وما جمعنا خلالها من صحبة.

كان رفيق درب بالمعنى الذي تتضاءل أمامه العبارات، يعرف من الحكايات ما لا تعرفه الوجوه الجديدة، ويحمل في ذاكرته صورًا لنا قبل أن تترك السنوات آثارها على الملامح والأحلام.

ولعل ما يوجعني في غيابه ليس افتقاد لقاء آخر فحسب، بل غياب ذلك الإنسان الذي كان يستطيع أن يقول: أتذكر؟ فتنهض بيننا، من كلمة واحدة، حياة كاملة.

الحزن… الوجه الآخر للمحبة

لعلنا نخطئ حين نتصور أن تجاوز الحزن يعني النسيان، فبعض الأحزان ليست جراحًا ينبغي محو آثارها، وإنما شواهد على محبة عميقة لا نريد لها أن تزول.

وقد علمني غياب نادر أن الإنسان لا يرحل كله حين تنتهي حياته، لأن شيئًا منه يظل موزعًا في أرواح الذين أحبوه، وفي عاداتهم وذكرياتهم وطريقتهم في تأمل العالم.

وربما لا تكمن قسوة الفقد في أن أحدًا غادر الطريق، بل في اكتشاف أنه كان جزءًا من الطريق نفسه، وأننا كلما واصلنا السير افتقدنا خطواته إلى جوارنا.

وهكذا يظل الحزن اعترافًا صامتًا بحجم النعمة التي عشناها دون أن ندرك تمامًا قيمتها، ويظل نادر، رغم الغياب، حاضرًا في تلك المساحة العميقة من الروح التي لا يصل إليها النسيان؛ حيث لا يعود الراحلون مجرد أسماء نتذكرها، بل يصبحون جزءًا مما نحن عليه، ومن الحكاية التي سنظل نحملها حتى نهاية الطريق.

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.