علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
ماريا أيمن خالد
ماريا أيمن خالد

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

فوز لولا دا سيلفا يعزز فرص التحرك الدبلوماسي والقانوني لدعم فلسطين

لا تقتصر أهمية النتيجة على استمرار قيادة سياسية ذات مواقف معلنة داعمة للحقوق الفلسطينية، بل تمتد إلى ما تتيحه من فرص لتعزيز التعاون بين المؤسسات الفلسطينية ونظيراتها البرازيلية.

مشاركة:
حجم الخط:

أعاد فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة تسليط الضوء على موقع البرازيل في التحركات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، في وقت تتزايد فيه أهمية تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات قانونية ومؤسسية قابلة للمتابعة والمساءلة.

وحسم لولا، البالغ 80 عامًا، الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي جرت في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، متغلبًا على منافسه فلافيو بولسونارو بنسبة 51.79% مقابل 48.21% من الأصوات الصحيحة، وفق النتائج النهائية للمحكمة الانتخابية العليا.

وجاء الفوز بعد تقدم بولسونارو في الجولة الأولى، ليحقق لولا تحولًا انتخابيًا يعكس قدرته على استعادة التأييد في مواجهة منافس يمثل التيار المحافظ.

ولا تقتصر أهمية النتيجة على استمرار قيادة سياسية ذات مواقف معلنة داعمة للحقوق الفلسطينية، بل تمتد إلى ما تتيحه من فرص لتعزيز التعاون بين المؤسسات الفلسطينية ونظيراتها البرازيلية، ومتابعة الالتزامات الدولية، وتطوير مسارات قانونية وإنسانية تتجاوز حدود التضامن السياسي.

من الحركة العمالية إلى الاعتراف بدولة فلسطين

الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا يرتدي الكوفية الفلسطينية
الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا يرتدي الكوفية الفلسطينية

تعود جذور لولا السياسية إلى الحركة العمالية والنقابية في البرازيل؛ فقد نشأ في أسرة متواضعة، وعمل في القطاع الصناعي، وبرز في قيادة التحركات العمالية خلال الحكم العسكري، قبل أن يشارك في تأسيس حزب العمال عام 1980.

وأسهمت هذه الخلفية في إبراز قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات الأقل دخلًا ضمن خطابه السياسي، من دون أن تفسر وحدها جميع خياراته الخارجية.

وفي الملف الفلسطيني، اتخذت البرازيل خلال رئاسته السابقة خطوة مهمة عام 2010، عندما اعترفت بدولة فلسطين ضمن حدود عام 1967، استجابة لطلب الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وسبق ذلك قرار إنشاء مكتب تمثيل برازيلي في رام الله عام 2003، نُفذ في العام التالي، بما عكس توجهًا نحو تعزيز العلاقات مع المؤسسات الفلسطينية.

ومع اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، برزت المواقف البرازيلية في المحافل الدولية.

وخلال رئاستها الدورية لمجلس الأمن، قدمت برازيليا مشروع قرار يدعو إلى هدنة إنسانية وحماية المدنيين وإيصال المساعدات، لكنه لم يُعتمد بسبب الفيتو الأمريكي، رغم حصوله على تأييد 12 عضوًا.

من الإدانة السياسية إلى المسار القانوني

تمثل مشاركة البرازيل في المسارات القانونية الدولية أحد أبرز أوجه تطور موقفها من الحرب على غزة. ففي سبتمبر/أيلول 2025، أودعت البرازيل إعلان تدخل في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، المتعلقة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، استنادًا إلى المادة 63 من النظام الأساسي للمحكمة.

ويتيح هذا التدخل للدول المشاركة في مناقشة تفسير الاتفاقية، لكنه لا يمثل حكمًا بإدانة إسرائيل، ولا دعوى جنائية ضد أفراد. وتكمن أهميته في نقل الموقف من مستوى التصريحات السياسية إلى المشاركة القانونية المؤسسية في تفسير الالتزامات الدولية.

وفي خطاباته أمام الأمم المتحدة، شدد لولا على رفض استخدام التجويع سلاحًا في الحرب، وانتقد استهداف المدنيين وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

كما دافع عن دور المؤسسات الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، وعن ضرورة حماية المدافعين عن حقوق الإنسان.

وتظل فاعلية هذه المسارات مرتبطة باستمرار العمل القانوني، وتوافر الأدلة، ومدى التزام الدول بتنفيذ واجباتها الدولية.

فرص تحويل التضامن إلى إجراءات عملية

يوفر استمرار لولا في الرئاسة فرصة لمتابعة السياسات البرازيلية المتعلقة بفلسطين،

ويبرز هنا دور المؤسسات الوطنية البرازيلية؛ إذ أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان توصية عام 2025 تضمنت مطالب بمراجعة العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل، والتعاون في مجالات الأسلحة والتقنيات الحساسة، والنظر في إجراءات بحق مسؤولين متورطين في انتهاكات.

وعلى المستوى الدولي، يمكن تعزيز التعاون مع المحامين والباحثين البرازيليين لترجمة الوثائق القانونية، وإعداد إحاطات متخصصة باللغة البرتغالية، وتوثيق الشهادات والأدلة وفق معايير مهنية.

كما يمكن متابعة دور البرازيل أمام محكمة العدل الدولية، مع احترام الإجراءات القانونية وحدود اختصاص المؤسسات المعنية.

بناء شراكات مستدامة تتجاوز الحكومة

لا ينبغي أن يرتبط العمل الفلسطيني في البرازيل بالرئيس أو حزبه وحدهما؛ فاستدامة التأثير تتطلب شبكة علاقات تمتد إلى البرلمان والنقابات والجامعات والمؤسسات الحقوقية والبلديات ومنظمات المجتمع المدني.

ويمكن أن يشكل الاتحاد العربي الفلسطيني في البرازيل (FEPAL) نقطة انطلاق للتشاور، إلى جانب النقابات والمنظمات الحقوقية والأكاديمية المهتمة.

ويحتاج هذا المسار إلى ائتلاف واضح الأهداف، يحدد آليات التنسيق والمسؤوليات والتمويل، ويضع مطالب عملية قابلة للقياس. ومن المهم كذلك إعداد مواد قانونية وإعلامية باللغة البرتغالية، وتخصيص ملفات للتعاون العسكري والتجاري، ومساءلة السياسات، وحماية الفلسطينيين المقيمين في البرازيل.

وفي المجال الإنساني، يمكن تطوير آليات للإحالة القانونية ومتابعة قضايا الإقامة ولمّ شمل الأسر، وبناء شراكات صحية وتعليمية، وتوفير الدعم للأشخاص المعرضين للتمييز أو التهديد.

وينبغي أن تستند هذه البرامج إلى احتياجات المستفيدين وموافقتهم، وألا تُربط المساعدة الإنسانية بالمشاركة في أنشطة سياسية أو إعلامية.

وتتمثل الأولوية العملية خلال الأشهر الأولى في إطلاق ثلاثة مسارات متوازية: متابعة استجابة الحكومة للتوصيات الحقوقية، وبناء آلية تجريبية لحماية الأسر الفلسطينية المحتاجة، وعقد مشاورات لتأسيس ائتلاف برازيلي فلسطيني مستدام.

إن فوز لولا يفتح نافذة سياسية مهمة، لكنه لا يشكل بحد ذاته ضمانة لتحقيق المطالب الفلسطينية.

فالقيمة الفعلية لهذا التحول تتوقف على قدرة المؤسسات الفلسطينية والحقوقية على استثمار الفرصة، وبناء شراكات طويلة الأمد، وتحويل التضامن إلى التزامات وإجراءات موثقة يمكن قياسها ومساءلة الجهات المعنية بشأنها.

الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا
الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا

شارك المقال:

شاركنا برأيك