من اقتلاع الأشجار إلى سرقة المحاصيل.. ماذا ينتظر مزارعي الضفة في موسم الزيتون؟
يدخل الفلسطينيون موسم قطف الزيتون 2026 وسط توقعات بمحصول أفضل، بينما وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1,600 هجوم للمستوطنين في الضفة الغربية حتى منتصف سبتمبر، وسط مخاوف على المزارعين والأراضي الزراعية.
يستعد الفلسطينيون في الضفة الغربية لموسم قطف زيتون يُتوقع أن يكون أفضل إنتاجًا من العام الماضي،
لكن بداية الموسم تأتي وسط مستويات مرتفعة من هجمات المستوطنين واقتلاع الأشجار وسرقة المحاصيل،
إلى جانب توسع البؤر الاستيطانية والقيود المفروضة على وصول المزارعين إلى أراضيهم.
موسم الزيتون في الضفة الغربية.. محصول وفير تحت تهديد عنف المستوطنين
يستقبل المزارعون الفلسطينيون موسم قطف الزيتون هذا العام بمزيج من الأمل والخوف.
فالأشجار تحمل محصولًا أوفر من العام الماضي. لكن الوصول إليها لم يعد مضمونًا في أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
وقبل انطلاق الموسم بأيام، تحدث مزارعون عن اقتلاع أشجار، وسرقة ثمار، ودخول مستوطنين إلى أراضٍ فلسطينية.
في الوقت نفسه، تحذر بيانات أممية من استمرار ارتفاع هجمات المستوطنين واتساع نطاقها الجغرافي.
من 4 آلاف شجرة إلى نحو ألف
يروي أحد المزارعين الفلسطينيين، الذي أشار إليه تقرير «هآرتس» بالحرف «ي»، كيف تغيرت أرضه خلال السنوات الماضية.
كانت حقوله تضم نحو 4 آلاف شجرة زيتون، وكانت مصدر رزق وفخر للعائلة.
أما اليوم، فيقول إن نحو ألف شجرة فقط بقيت في الأرض.
ويتهم المزارع مستوطنًا أقام بؤرة قريبة قبل عدة سنوات بالمسؤولية عن جانب كبير من الأضرار.
ويقول إن الأمر لا يتعلق فقط بخسارة الأشجار، بل بخسارة مصدر رزق ارتبط بالعائلة لأجيال.
موسم أفضل إنتاجًا.. لكن هل يصل المزارعون إلى الثمار؟
من الناحية الزراعية، تبدو التوقعات أكثر إيجابية.
فأشجار الزيتون تمر بما يعرف بظاهرة المعاومة؛ إذ يرتفع الإنتاج عادة في سنة وينخفض في أخرى.
وبحسب التقرير، تتوقع وزارة الزراعة الفلسطينية محصولًا أكبر خلال 2026، قد يصل في المتوسط إلى نحو 125 كيلوغرامًا للدونم.
لكن وفرة الثمار لم تعد العامل الوحيد الذي يحدد نتيجة الموسم.
فالسؤال الأكثر إلحاحًا لكثير من المزارعين هو: هل سيتمكنون أصلًا من الوصول إلى أراضيهم وقطف المحصول؟
أكثر من 1,600 هجوم خلال 2026
توضح البيانات الأممية حجم المشكلة.
فحتى 14 سبتمبر/أيلول 2026، وثقت «أوتشا» أكثر من 1,600 هجوم للمستوطنين أدى إلى إصابات فلسطينية
أو أضرار بالممتلكات أو كليهما.
وطالت هذه الهجمات 275 تجمعًا فلسطينيًا خلال الشهور الأولى من العام، أي تقريبًا عدد التجمعات
التي تأثرت خلال عام 2025 بأكمله.
كما وثقت «أوتشا» خلال أسبوع واحد في سبتمبر/أيلول 51 هجومًا، شملت أضرارًا بأراضٍ زراعية ومحاصيل وشبكات ري،
إلى جانب إتلاف أو اقتلاع أو إحراق ما لا يقل عن 800 شجرة زيتون وفاكهة ونخيل في خمس محافظات.
موسم 2025 ترك تحذيرًا واضحًا
ولا يبدأ موسم 2026 من نقطة الصفر.
فخلال موسم الزيتون السابق، بين أكتوبر ونوفمبر 2025، وثقت الأمم المتحدة 185 هجومًا للمستوطنين
مرتبطًا مباشرة بالقطاف في نحو 70 تجمعًا فلسطينيًا.
وتعرضت أكثر من 6 آلاف شجرة وشتلة للتخريب خلال تلك الفترة.
أما أكتوبر/تشرين الأول 2025، الذي تزامن مع ذروة الموسم، فسجل 264 هجومًا للمستوطنين أدى
إلى إصابات أو أضرار بالممتلكات، وهو أعلى رقم شهري سجلته «أوتشا» منذ بدء التوثيق عام 2006.
ويورد تقرير «هآرتس»، استنادًا إلى بيانات أممية، أن نحو 28 ألف شجرة وشتلة فلسطينية، معظمها زيتون،
تعرضت للاقتلاع أو الضرر في حوادث نسبت إلى مستوطنين منذ موسم القطاف السابق وحتى سبتمبر 2026.
الزيتون لم يعد مجرد موسم زراعي
تمثل زراعة الزيتون مصدر دخل رئيسيًا لعشرات آلاف الأسر الفلسطينية، بينما يشير التقرير،
نقلًا عن بيانات الإدارة المدنية، إلى أن أكثر من نصف مليون فلسطيني من سكان المناطق الريفية
يعتمدون بدرجات مختلفة على هذا القطاع.
وتزداد أهمية الموسم بعد التدهور الحاد الذي أصاب اقتصاد الضفة الغربية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فقد تضرر سوق العمل بسبب القيود على حركة العمال الفلسطينيين وانخفاض فرص العمل داخل إسرائيل.
كما تفاقمت الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية بسبب أزمة إيرادات المقاصة وتراجع النشاط الاقتصادي.
وتشير بيانات الأمم المتحدة والبنك الدولي إلى خسارة مئات آلاف الوظائف الفلسطينية
منذ أكتوبر 2023 وتدهور حاد في الوضع المالي للسلطة.
لذلك، أصبحت العودة إلى الأرض أكثر أهمية للكثير من العائلات.
لكنها أصبحت أكثر خطورة أيضًا.
سرقة الزيتون قبل بدء القطاف
وقبل الانطلاق الرسمي للموسم، أفاد فلسطينيون من مناطق تمتد من الخليل جنوبًا إلى شمال الضفة
بسرقة الزيتون من الحقول وتخريب الأشجار.
كما تحدث التقرير عن حوادث داخل مناطق مصنفة «أ»، حيث يحظر على الإسرائيليين دخولها وفق الترتيبات القائمة.
وفي مناطق أخرى، يقول مزارعون إن قطعان المستوطنين تدخل الأراضي المزروعة وتلحق الضرر بالأشجار والمحاصيل.
الوصول إلى الأرض نفسه أصبح معركة
المشكلة لا تقتصر على الاعتداء المباشر.
فبعض أصحاب الأراضي لا يستطيعون زيارة حقولهم سوى مرة أو مرتين سنويًا.
وتفرض الإجراءات العسكرية قيودًا على الوصول إلى بعض الأراضي القريبة من المستوطنات.
وفي مناطق أخرى، يتهم فلسطينيون مستوطنين مسلحين بمنعهم فعليًا من الوصول إلى أراضيهم.
وتشير تقارير حقوقية إلى نمط من القيود على الوصول إلى الأراضي الزراعية ومناطق الرعي،
سواء بسبب هجمات المستوطنين أو وجود القوات الإسرائيلية أو الاثنين معًا.
أوامر الإغلاق والنشطاء الإسرائيليون
ينضم في كل موسم نشطاء إسرائيليون ودوليون إلى المزارعين الفلسطينيين لتوفير ما يصفونه بـ«الحضور الوقائي».
لكن الجيش الإسرائيلي استخدم خلال مواسم سابقة أوامر إغلاق عسكرية لمنع غير أصحاب
الأرض أو غير سكان المنطقة من الوصول إلى بعض مواقع القطاف.
وقال الجيش في 2025 إن هذه القيود هدفت إلى تقليل الاحتكاك بعد ارتفاع حوادث العنف،
مؤكدًا في الوقت نفسه أنه يعمل على تمكين عملية القطاف.
ويقول منتقدو هذه السياسة إن منع النشطاء قد يترك المزارعين أكثر عرضة للاعتداءات.
البؤر الاستيطانية توسع مناطق الاحتكاك
في الوقت نفسه، اتسعت شبكة الاستيطان والبؤر في الضفة الغربية بصورة كبيرة.
وتشير بيانات منظمة «السلام الآن» إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية وافقت منذ توليها السلطة
على إنشاء أو الاعتراف بـ104 مستوطنات جديدة بمختلف التصنيفات.
كما توثق منظمات إسرائيلية ودولية نموًا سريعًا في عدد البؤر الاستيطانية. وذكرت «هيومن رايتس ووتش»
أن 248 بؤرة جديدة أقيمت خلال فترة الحكومة الحالية حتى أغسطس/آب 2026، منها 65 خلال 2026 وحده.
ويربط تقرير «هآرتس» بين هذا الانتشار وبين توسع المناطق التي يتعرض فيها المزارعون للاحتكاك والاعتداءات.
البؤر تصل إلى المنطقة «ب»
ويشير التقرير إلى ظاهرة أخرى أكثر حداثة: توسع البؤر إلى مناطق مصنفة «ب» وفق اتفاق أوسلو.
وتؤكد تقارير حقوقية وجود بؤر أقيمت بالفعل داخل مناطق «ب»، رغم أن هذه المناطق تخضع
للإدارة المدنية الفلسطينية وفق ترتيبات أوسلو.
ويقول «هآرتس» إن أكثر من 30 بؤرة باتت موجودة في المنطقة «ب»، بينها عدد أُقيم خلال 2026.
أبو فلاح.. نموذج لما تغير
وتقدم قرية خربة أبو فلاح قرب رام الله مثالًا على خطورة هذا التحول.
ففي 8 مارس/آذار 2026، قُتل ثلاثة فلسطينيين خلال هجوم ومواجهات شارك فيها مستوطنون وقوات إسرائيلية.
ووفق تحقيق لمنظمة «بتسيلم»، قُتل أحد الفلسطينيين برصاص مستوطن، بينما لم تتمكن المنظمة
من تحديد ما إذا كان مطلق النار على فلسطيني ثانٍ مستوطنًا أم جنديًا. كما توفي فلسطيني ثالث بعد استنشاق
كمية كبيرة من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته القوات الإسرائيلية. وذكرت وكالة أسوشيتد برس
أن الجيش الإسرائيلي أدان عنف المستوطنين وأعلن فتح تحقيق جنائي.
ويقول سكان المنطقة إن إقامة بؤر جديدة جعلت الوصول إلى الأراضي الزراعية أكثر صعوبة،
حتى عندما تكون الأراضي مسجلة بأسمائهم.
42 شكوى دون تغيير على الأرض
وينقل تقرير «هآرتس» عن أحد سكان أبو فلاح قوله إن السكان قدموا 42 شكوى للشرطة
مرتبطة بالبؤرة والانتهاكات المحيطة بها، مع إرفاق وثائق ملكية الأراضي.
وبحسب شهادته، استمرت المضايقات والاعتداءات رغم ذلك.
كما تحدث عن مهاجمة مزارعين ونشطاء حقوقيين أثناء محاولتهم الوصول إلى حقول الزيتون،
واستخدام الحجارة وغاز الفلفل لإبعادهم.
اقتلاع الأشجار ثم زراعة الأرض
ويشير التقرير أيضًا إلى منطقة تمتد بين أبو فلاح والمغير وترمسعيا ووادي شيلو.
وبحسب مسح أجرته منظمة «كرم نبوت» الإسرائيلية، تعرضت أعداد كبيرة من أشجار الزيتون للاقتلاع في تلك المناطق.
ويقول التقرير إن بعض عمليات الاقتلاع جرت ليلًا باستخدام معدات ثقيلة.
ثم، بحسب «هآرتس»، حُرثت أجزاء من الأراضي وبدأ مستوطنون بزراعتها.
وفي رد سابق على أسئلة الصحيفة، قال الجيش الإسرائيلي إنه لم ينفذ عمليات عسكرية في المنطقة التي جرت فيها عمليات الاقتلاع.
الموسم يبدأ.. والمخاطر سبقت الأمطار
عادة ما تعلن الأمطار الأولى بداية الموسم الفعلية، حين يُغسل الغبار عن ثمار الزيتون ويبدأ آلاف الفلسطينيين التوجه إلى الحقول.
لكن موسم 2026 بدأ عمليًا قبل وصول المزارعين.
فالهجمات على الأشجار وسرقة المحاصيل والتوسع في البؤر والقيود على الوصول أصبحت جميعها جزءًا من المعادلة.
وهكذا، لا يتعلق السؤال هذا العام بحجم المحصول فقط.
بل أيضًا بقدرة المزارعين على الوصول إلى أشجارهم، وقطف ثمارها، والعودة إلى منازلهم بأمان.
شاركنا برأيك