علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

السويدي يبني مدارس غزة.. وأثرياء العرب يتفرجون من شرفات الجونة!

مهرجان يحمل اسم الإنسانية، فيما تستغرق مساحات لافتة من تغطيته الإعلامية في استعراض الفساتين والإطلالات وتفاصيل الأناقة، حتى يكاد المشاهد ينسى أنه يتابع مهرجانًا سينمائيًا لا معرضًا للأزياء.

مشاركة:
حجم الخط:

ثمة مفارقة جارحة تستحق أن تُدرَّس في علم الاجتماع أكثر مما تستحق التعليق في صفحات الحوادث: ملياردير سويدي يقرر تمويل تعليم مئة ألف طفل فلسطيني، بينما تزخر منطقتنا العربية بثروات فلكية، وتزدحم شاشاتها باحتفالات الأثرياء ومهرجانات الرفاهية.

وفي الجونة تحديدًا، تبدو السجادة الحمراء أكثر حضورًا في التغطية الإعلامية من المأساة الإنسانية التي تجري على مسافة ليست بعيدة من شواطئها.

ليست القضية خصومة مع الثراء أو السينما، وإنما مع ذلك الانفصال الأخلاقي المدهش بين القدرة على العطاء والاستغراق في استعراض الرفاهية.

أكيليوس.. عندما يخجل المال العربي من مرآته

قرر الملياردير السويدي روجر أكيليوس، عبر مؤسسته الخيرية، تقديم 800 مليون كرونة سويدية، تعادل نحو 76 مليون دولار، لدعم تعليم أطفال غزة بالتعاون مع اليونيسف.

المشروع يستهدف توفير 400 مدرسة ومساحة تعليمية لنحو مئة ألف طفل، مع تمويل المعلمين والغذاء لخمس سنوات.

لم يكن أكيليوس بحاجة إلى قصيدة عن فلسطين، أو خطبة في فضائل التضامن، أو مؤتمر صحفي يشرح فيه أهمية الأطفال بوصفهم مستقبل الأمة.

لقد ترجم اقتناعه إلى التزام مالي محدد، يمكن قياس نتائجه ومحاسبة القائمين عليه.

والمفارقة أن هذا الرجل الأوروبي لم يطالب الفلسطينيين بإثبات صلتهم الإنسانية به قبل أن يمد يده إليهم.

مليارديرات مصر.. الاستثمار في الحجر أسهل من الاستثمار في البشر!

ناصف ساويرس، ونجيب ساويرس، وسميح ساويرس، ومحمد منصور، ويوسف منصور، وياسين منصور؛ أسماء صنعت إمبراطوريات اقتصادية، وأثبتت قدرة استثنائية على اقتناص الفرص وإدارة المليارات.

وبعض هؤلاء قدم بالفعل مساعدات إنسانية لغزة، وهو أمر ينبغي الاعتراف به دون انتقاص.

لكن لماذا لا تتحول هذه القدرات المالية والتنظيمية إلى مشروع مصري جماعي، معلن ومستدام، يتبنى تعليم أطفال غزة وعلاج جرحاها وتأهيل مبتوري الأطراف؟

ليس مطلوبًا من ناصف ساويرس أن يبيع استثماراته، ولا من محمد منصور أن يغلق شركاته، ولا من نجيب ساويرس أن يعتذر عن ثروته.

المطلوب فقط أن نرى في ميدان إنقاذ الإنسان شيئًا من العبقرية الاقتصادية التي نراها في ميدان مضاعفة الأرباح.

فالمشكلة ليست في أن أصحاب المليارات لا يعرفون كيف يصنعون المشروعات الكبرى، وإنما في أن أطفال غزة لم يصبحوا بعد مشروعًا يستحق اجتماعهم حول مائدة واحدة.

الجونة.. عندما تبتلع السجادة الحمراء شاشة السينما

وفي الجونة، حيث تنعقد الدورة التاسعة للمهرجان تحت شعار «سينما من أجل الإنسانية»، تستوقفنا مفارقة أخرى.

مهرجان يحمل اسم الإنسانية، فيما تستغرق مساحات لافتة من تغطيته الإعلامية في استعراض الفساتين والإطلالات وتفاصيل الأناقة، حتى يكاد المشاهد ينسى أنه يتابع مهرجانًا سينمائيًا لا معرضًا للأزياء.

وللمهرجان أفلام جادة ومبادرات فنية تستحق التقدير، لكن ذلك لا يمنح مظاهر الاستعراض حصانة من النقد.

فالسينما الحقيقية ليست مسؤولة عن كل ما يُرتكب باسم بريقها، ولا يصح اختزال قيمتها في أطوال الفساتين وأسماء المصممين.

والسخرية هنا أن شعار «سينما من أجل الإنسانية» يبدو أحيانًا أوسع من المساحة التي تحصل عليها الإنسانية في مشهد الاحتفال.

أما سميح ساويرس، مؤسس الجونة ورئيس مجلس إدارة مهرجانها، فالسؤال الموجه إليه ليس لماذا تقيم مهرجانًا، وإنما لماذا لا تصبح هذه المنصة اللامعة أيضًا نقطة انطلاق لمبادرة تعليمية وإنسانية كبرى تستهدف غزة؟

سيكون ذلك مشهدًا أبلغ من ألف صورة على السجادة الحمراء.

الوليد وسجواني والعبار.. هل للثروة العربية وظيفة اجتماعية؟

وعلى المستوى العربي، تطالعنا أسماء الأمير الوليد بن طلال، وحسين سجواني، ومحمد العبار، وعبدالله الغرير، وغيرهم ممن تقاس ثرواتهم بمليارات الدولارات.

وبحسب فوربس، بلغت الثروة المجمعة للمليارديرات العرب المدرجين في قائمتها لعام 2026 نحو 137.3 مليار دولار.

إننا لا نصدر أحكامًا على تبرعاتهم الفردية، لكننا نطرح سؤالًا عن الأولويات: لماذا لا تتشكل مبادرة عربية مشتركة، بتمويل ضخم وإدارة مستقلة، لإنقاذ التعليم والرعاية الطبية في غزة؟

فإذا كانت التحالفات الاستثمارية قادرة على تمويل المدن والأبراج والمنتجعات، فمن الغريب أن يظل مشروع إنقاذ جيل كامل بلا تحالف مماثل معلن.

الثروة التي لا تصنع أثرًا.. مجرد رقم طويل

ليست المسؤولية الإنسانية مسابقة في إعلان التبرعات، ولا تعفي الأموال الخيرية الحكومات والجهات المسؤولة من واجباتها تجاه غزة.

لكن المال حين تتسع قدرته، تتسع معه الأسئلة الأخلاقية عن استخدامه.

لقد وضع أكيليوس أمام أثرياء العالم العربي نموذجًا محددًا يمكن تجاوزه ومضاعفته، بدل الاكتفاء بالإشادة به.

وإذا كان السويدي قد اختار أن يترك وراءه مدارس، فليخبرنا أصحاب المليارات العربية بما يعتزمون تركه لأطفال غزة، غير صور التعاطف ومحاضر المؤتمرات وذكريات السجاد الأحمر.

فالتاريخ لا يحتفظ عادة بكشف حساب الفساتين، لكنه لا ينسى من أعاد لطفل مقعده الدراسي، أو أعاد لمصاب قدرته على المشي.

شارك المقال:

شاركنا برأيك