إبداع

(حلم رجل ميت) مجموعة قصصية للدكتور عبود مصطفي عبود

الكاتب المصري الدكتور عبود مصطفي عبود يقدم لنا في منصة (آخر الكلام) مجموعته القصصية الجديدة تنشر لأول مرة هنا، وهي مجموعة تكتب من تحت النار وعن النار التي اشتعلت في…

مشاركة:
حجم الخط:

الكاتب المصري الدكتور عبود مصطفي عبود يقدم لنا في منصة (آخر الكلام) مجموعته القصصية الجديدة تنشر لأول مرة هنا، وهي مجموعة تكتب من تحت النار وعن النار التي اشتعلت في غزة فتركتها ركام وسط صمت العالم وانحيازه للعدوان، وأن كان الطوفان صنع إعجازا عالميا على مستوى الشعوب وأعاد قصية فلسطين إلى واجهة العالم والوجدان الشعبي إلا أن الخذلان الرسمي كان كبيرا ومخجلا، تأتي هذه المجموعة من قلب مصري هو كاتبنا عبود مصطفى عبود الذي يقول في مقدمته:

حين تكتب عن غزة، لا تكتب.
بل تتورّط.
تتورّط في الجُرح، وفي الدم، وفي الكلمات التي تعرف أنها لن تنقذ شهيدًا، لكنها قد تُربّت على كتف حيٍّ مرهق، يشعر أنه صار شفافًا في عيون العالم.
“سماء لا تنام” ليست كتابًا…
بل صرخة مكتومة خرجت على هيئة قصص،
قصص لم أكتبها لأُعلّم أحدًا شيئًا،
ولا لأُجمّل المأساة في فقرات أدبية.
كتبتها لأنني لم أعد أحتمل الصمت.
ولأنني، كأي إنسان له عينان وقلب وضمير، لم أعد أحتمل كيف يعتاد العالم صور الأطفال المقطّعين وكأنها طقس يومي عابر.
في هذه المجموعة، لم أقدّم أبطالًا خارقين،
ولا سرديات منتصرة،
ولا حتى نهايات.
قدّمت بشرًا…
ينامون على الأرض،
يتوسدون الخوف،
ويكملون اليوم التالي رغم كل شيء.
اخترت أن أحكي من الداخل،
من صمت الجثث،
من الوجوه التي لم تُعرف،
من الأمهات اللاتي لم يجدن قطعة من أطفالهن كي يحتفظن بها،
ومن الأطفال الذين لم يجدوا اسمًا يُكتب على شاهد قبورهم.
“سماء لا تنام”
لأن الذين تحتها لم يذوقوا نومًا هادئًا منذ ولادتهم،
ولأن الغافلين فوق هذه الأرض، هم نحن… لا هم.
أضع هذا الكتاب بين يدي القارئ،
لا كأديب،
بل كإنسان يشعر بالخجل كلما تذكّر أنه يكتب بينما آخرون يُقتلون لأنهم فقط… ما زالوا على قيد الحياة.
عبود مصطفى عبود
مارس – أبريل 2025

القصة الأولى (دفتر الأحلام)


كان الفجر قد بدأ يتسلل خفيفًا من بين شقوق الجدران التي تقف على عتبة السقوط. في بيتٍ من طابق واحد، في حي الشجاعية، استيقظت “رُبى” على صوت الأذان ينساب من مئذنة قريبة، كأنه نداء لا للعبادة فقط، بل للحياة ذاتها، تلك التي تأبى أن تستسلم حتى لو داستها جنازير الدبابات ألف مرة.
جلست على سريرها الحديدي. فوق رأسها، نامت دمية بلا عينين. كان البرد خفيفًا، والهواء رطبًا برائحة البحر البعيد. فتحت عينيها ببطء، ثم نظرت إلى السقف المتشقق كمن يُراجع السماء.
نهضت من الأرض، ومسحت وجهها بقطرات لأن المياه نادرة، ثم ربطت شعرها بشريط متهالك، وارتدت ثوبًا رماديًا نظيفًا رغم ما فيه من رقع كثيرة. مشت بخفة إلى المطبخ، تُعد كوبًا من الزعتر بالماء الساخن لأبيها، وتحمّص كسرة خبز على نار موقدة بالحطب، فالكهرباء لا تأتي إلا كما يأتي الغائب الذي لا يُعوَّل عليه.
في الغرفة المجاورة، كان والدها “الحاج نعيم” ينام على فراش بسيط، جسده هزيل كجذع شجرة نخره الزمن، وعيناه مطفأتان منذ مرض القلب الذي أوقفه عن العمل قبل عامين. تناديه بلطف:
ـ بابا… صحيت؟ عملت لك فطور صغير.
فتح عينيه بصعوبة، ثم ابتسم كأن وجهها دواء. جلس متكئًا على الحائط وقال بصوت مبحوح:
ـ صباحك زهر، يا بنتي. شو عملتي لي؟
قالت وهي تضع الصينية على الأرض:
ـ زعتر، وخبزة محمصة، وحبة زيتون واحدة، بس فيها نكهة الصبر.
ضحك، وناولها قطعة صغيرة:
ـ تقاسمي نيها؟
ردّت بابتسامة:
ـ أنا أكلت من عيونك، شبعت.
تناولا الفطور بصمت مشبع بحب لا يحتاج إلى كلمات. ثم فتحت “رُبى” دفترها المخبأ أسفل الوسادة، وبدأت تكتب:
“أحلم أن أكون مدرسة. أن أُدرّس الأطفال الذين لا مدارس لهم. أن أفتح شباك الصف وتدخل الشمس، وتضحك لي طفلة لا تعرف معنى الخوف. أحلم ألا أسمع صوت الطائرات حين أراجع الدرس، وألا يخيفني انفجار بينما أشرح جدول الضرب.”
نظر إليها والدها، وسألها:
ـ شو بتكتبي دايمًا بها الدفتر؟
قالت بخجل:
ـ أشياء صغيرة… أحلام.
قال مبتسمًا:
ـ الأحلام الصغيرة هي اللي بتغيّر الدنيا.
نهضت لتنظف الصحون القليلة، ثم أمسكت بمقشة وجعلت تكنس الأرض من غبار الليل. فجأة، دخلت أمها من الخارج، تحمل كيسًا صغيرًا فيه بعض الخبز وخيارة، وصورة وجهها يملؤه التعب والقلق، لكنها تحاول أن تبدو عادية.
قالت الأم:
ـ السوق فاضي، والدنيا مش مطمئنة. الطيارات فوقنا من الفجر.
رُبى نظرت إلى السماء من الشباك الصغير، فرأت طائرة بيضاء تحلق على ارتفاع بعيد، كأنها تراقبهم بصمت بارد. لم تخف، لكنها أحسّت أن شيئًا غير طبيعي يختمر في الأفق.
ثم جلست بجوار أمها وسألتها:
ـ ماما، كيف كنتِ تحلمي وأنتِ صغيرة؟
تنهدت الأم وقالت:
ـ كنت أحلم بفستان أبيض. وبيت فيه شجرة برتقال. وطفلة تشبهك.
قالت رُبى بهدوء:
ـ هل تحقق شي من هالشي؟
قالت الأم وعيناها تلمعان:
ـ أنتِ.
عاد والدها إلى النوم، متعبًا من أقل حركة، بينما جلست هي قرب الشباك، تمسك الدفتر، وتكتب:
“اليوم حلمت أن السماء نزلت، وجعلتنا نلمس الغيم. حلمت أن كل بيت في غزة صار له حديقة. حلمت أن الأطفال يلعبون دون أن يُسرق صوتهم. حلمت… ثم صحوت.”
في الخارج، بدأت الشمس تخرج من بين الغيوم، وجعلت وجهها يضيء بنور خفيف. فجأة، سُمعت أصوات انفجارات من بعيد. لم تهرب، لم تصرخ، فقط نظرت نحو الصوت وقالت في نفسها:
“هل سيكون هذا يومًا عاديًا آخر؟ أم أن الحلم سيتوقف هنا؟”
بقيت رُبى جالسة بجانب النافذة، ترقب الشارع الضيق الذي صار يعرف وجوه الجميع، ويُخبّئ أسرارهم في شقوق الأرصفة. كانت أصوات الانفجارات تتكرر، أقرب قليلًا كل مرة، لكنها لا تزال متقطعة، وكأنها اختبارات لصبر المدينة. والناس في غزة اعتادوا الامتحانات اليومية للحياة.
مرّ جارهم “أبو خليل” مهرولًا وهو يحمل حقيبة على كتفه، وصاح من بعيد:
ـ أم رُبى! قالوا في إخلاء بالحي. القصف بيقرب منّا. يلا بسرعة!
ركضت الأم إلى الشارع لتسأله، لكنه لم يتوقف. كانت في عينيه نظرة تشبه النبوءة. عاد صوت الطائرات يزمجر فوقهم، هذه المرة بوضوح مهدد. ارتجفت الأبواب، واهتز الزجاج الخفيف في النوافذ.
قالت الأم بهلع:
ـ يا ربى، خلينا نجهّز حالنا. لازم نروّح عند خالك في بيت لاهيا.
رُبى أغلقت دفترها ووضعته في جيبها الداخلي. لم تقل شيئًا. كانت عيناها تتعلقان بوالدها النائم، وفمها يرتجف. دخلت إلى الغرفة وهزت كتفه:
ـ بابا… لازم نمشي.
فتح عينيه بصعوبة، وكان قلبه المتعب أضعف من أن يحتمل ركضًا أو خوفًا. جلس يحاول التقاط أنفاسه وقال:
ـ ما بقدر يا بنتي. أنتوا روحوا.
قالت الأم بسرعة وهي تبحث عن بطانية:
ـ ما بيمشي الحال هيك. إذا بدنا نمشي، كلنا سوا.
لكن لم يكن هناك وقت. من جهة الشرق، ارتفع عمود دخان أسود، ورجّ الأرض رجّة كأنها تلفظ شيئًا من جوفها. سقطت بعض الصحون من الرف. انطفأ النور الباهت، وارتفع صراخ بعيد.
رُبى شعرت أن الهواء نفسه تغيّر، صار ثقيلاً، يحمل معه رائحة غير مألوفة: مزيج من البارود والتراب والرماد. أمسكت بيد والدها وهمست:
ـ إحنا مش رايحين نتركك.
قال بصوت واهن:
ـ والله ما بخاف، بس ما بدي تكونوا هون وقت اللي جاي.
لكنها رفضت، وجلست بجانبه، تضم يده إلى صدرها كأنها تمسك بالحياة كلها في تلك اللحظة.
الأم كانت تسرع هنا وهناك، تضع بعض الملابس في كيس بلاستيكي، تأخذ بطانية، تبحث عن هوية زوجها وأوراق البيت. في الخارج، سُمعت أصوات خطوات سريعة، وصراخ:
ـ قصفوا بيت أبو نادر! انهار البيت فوق العيلة كلها!
صرخت الجارة من فوق السطوح:
ـ يا عالم! حي الشجاعية صار هدف! يلا اطلعوا!
رُبى لم تتحرك. كانت تشعر أن جسدها صار ثقيلًا، كأن قدميها التصقتا بالأرض. شيء في داخلها يقول: “لن نخرج، لن نترك هذا البيت، هذا الصباح، هذا الأب.” شيء آخر، أكثر عقلًا، يصرخ: “اهربي!”
ثم دخلت أمها، وقد ارتسم الخوف على وجهها كوشم لا يُمحى، وقالت:
ـ بنا نطلع. باباكي بدو يظل هون. بس إحنا لازم نطلع يا ربى. والله ما بقدر أتركك.
قالت رُبى:
ـ ماما، خلينا نستنى شوي. بس شوي. ما في صوت قصف هلا. يمكن خلصوا.
وفي لحظة لم تُعلن عن نفسها، دوّى صوت انفجار هائل، ارتفعت معه الأرض، وتمزق السقف، وانهار الحائط الأمامي. لم تعرف رُبى ما حدث، فقط شعرت بجسدها يطير، وكل شيء أصبح أبيض، ثم أسود.
الصمت.
ثم صوت صفير طويل في أذنها، وصوت أمها بعيدًا جدًا، كأنها تغرق وتسمعها من فوق سطح الماء.
حين فتحت عينيها، كانت بين الأنقاض. الدم على جبينها، والغبار يملأ فمها. الزجاج يملأ الأرض كأن الليل تحطم. حاولت أن تصرخ: “ماما!” لكن الصوت لم يخرج.
نظرت حولها، فرأت يد أمها خارجة من تحت الحائط، لا تتحرك. ركضت إليها، حفرت بيديها، صرخت، لكن لا مجيب.
ثم تذكرت والدها، ركضت إلى الداخل، لكن الغرفة كانت مهدمة، وفوق سريره، حجارة وأخشاب وغبار. صاحت بأعلى صوتها:
ـ باباااا!
لكن لم يجبها إلا صوت انهيار آخر بعيد.
سقطت على الأرض، تبكي بلا صوت. خربت يدها تبحث عن الدفتر، الدفتر الذي كانت تكتب فيه أحلامها.
وجدته، مبللًا بالدم، ممزق الغلاف، لكنها فتحته، ورأت الصفحة الأخيرة، وقد كتبت فيها صباحًا:
“سأظل أكتب، ولو على الرمل، ولو على جدران مهدمة. سأكتب حتى يسمعني أحد.”
رفعت رأسها للسماء، ثم أغمضت عينيها، وهمست:
ـ سمعتني يا رب؟


صباحٌ جديد استيقظ على أنقاض الصباح السابق، لا يحمل معه خبزًا، ولا زعترًا، ولا حتى أمنية. كان لون السماء رماديًا مثل غبار القصف، والهواء محمّلًا برائحة الجدران المحترقة والذاكرة المبعثرة.
نهضت رُبى من بين الركام، تمسح الدم عن جبينها بأطراف كمها الممزق، تمسك دفترها بيد وتبحث باليد الأخرى عن أمها، عن والدها، عن صوت مألوف يربطها بما كان، لكنها لم تجد إلا الصمت، وصوت قلبها المذعور.
أخرجت يد أمها من تحت الركام، لكنها كانت باردة كقطعة من السماء الميتة. صرخت باسمها ولم تجب. رأت وجهها المغبر، وفهمت ما لا تقدر على فهمه. جلست بجوارها، ثم وضعت رأسها على صدرها مرة أخيرة، كأنها تبحث عن دفء لم يعد هناك.
في الخارج، كانت النار ما تزال تأكل بيت الجيران. أصوات الناس تشبه هديرًا عشوائيًا: بكاء، صراخ، نداءات على أسماء ماتت أو فُقدت. لم يكن هناك إسعاف، لم يكن هناك دولة، لم يكن هناك إلا أهل غزة، يخرجون من بيوتهم ليحفروا بأظافرهم.
سارت رُبى وحيدة بين الأنقاض، تحمل دفترها، تمشي فوق زجاج وأجساد، وتنادي بصوت مبحوح:
ـ حدا شاف بابا؟ حدا شاف الحاج نعيم؟!
لكن الأسماء في الشارع صارت بلا وجوه، والوجوه بلا ملامح. الكل يبكي على اسمه.
من بعيد، جاء رجل مسن، يحني ظهره ويضع على رأسه كوفية بيضاء، وقال لها:
ـ أنتِ بنت الحاج نعيم؟
هزت رأسها، وانهارت في حضنه تبكي.
قال وهو يمسح على رأسها:
ـ أبوكي مات وهو يصلي، وكان مبتسم.
شهقت، كأن روحها تنكسر، ثم صمتت فجأة، وقالت:
ـ ما ودعتني…
قال العجوز:
ـ هو ودّعك لما ضحك لك الصبح. هيك بيكفي.
سارا معًا بين الحطام، وكان العجوز يحكي لها عن أولاده الذين فقدهم في حرب سابقة، عن بيته الذي هُدم مرتين، وعن نخلة في ساحة الجامع كانت تعطي تمرًا رغم الحرب. قال لها:
ـ إحنا بنموت، بس ما بننكسر. في شي جوّاتنا ما بينقصف.
وصلوا إلى مركز إيواء مؤقت في مدرسة شبه مدمرة. الناس يفترشون الأرض، والأطفال يبكون من الجوع والخوف، والنساء يحتضنّ بعضهن كأن الحزن أصبح أمومة جديدة.
جلست رُبى في زاوية، وضمت الدفتر إلى صدرها. فتحت الصفحة الأخيرة، ومزّقتها بلطف، ثم كتبت:
“أنا رُبى، عمري ١٣ سنة. من الشجاعية. حلمت أصير مدرسة. أمي ماتت، وأبوي مات، وبيتي راح. بس أنا ما مت. وأنا راح أعلّم، ولو على التراب. أنا صوت غزة.”
ثم قامت، ومشت إلى الأمام، وطلبت بصوت خافت أن تقرأ شيئًا. نظر الناس إليها، لم يتكلم أحد، فبدأت:
ـ “كان صباحًا يشبه كل صباح، لكن قلبي كان يحذرني. وضعت الزعتر على النار، وناديت أبي، وكان في عينيه وطن كامل. أمي رجعت من السوق، وقالت إن الطيارات ما وقفت. أنا كتبت حلمي، ما كنت بعرف إنه آخر مرة أكتب.”
سكتت قليلًا، ثم تابعت:
ـ “أنا اليوم وحدي، بس أنا غزة. وأنا راح أحكي حكاية كل اللي سكتوا. راح أحكي عن خبزة كانت آخر وجبة، وعن دمية فقدت عينينها، وعن دفاتر انحرق نصها، وضل النص التاني بيقول: نحنا هون.”
صفّق الناس بصمت، ودموعهم تملأ العيون. اقتربت منها امرأة، وضمّتها، ثم أعطتها دفتراً جديدًا.
قالت المرأة:
ـ كمّلي يا رُبى… كمّلي عنّا كلنا.
في اليوم التالي، جلست رُبى قرب باب المدرسة، وبدأت تكتب من جديد، وكتبت على الصفحة الأولى:
“صباح في الشجاعية… كان آخر صباح. بس مش آخر حلم.”

شارك المقال: