أحمد رجب شلتوت يقرا: رواية المغربية ليلي مهيدرة (أنجيرونا)
«أنجيرونا» اسم يرتبط في الموروث الروماني بشخصية أسطورية تضع إصبعها على فمها، ولذلك ارتبطت بالصمت. وذلك يضعنا منذ البداية أمام ثنائية الصمت والكلام.
غلاف رواية أنجيرونا للكاتبة المغربية ليلي مهيدرة
أنجيرونا.. يوميات من هامش المدينة
تبدأ المغربية ليلى مهيدرة روايتها «أنجيرونا» الصادرة عن (دار غراب، القاهرة، 2022) بخبر عن شخص عُثر عليه فاقدا للوعي في أحد أحياء المدينة، لا يحمل بطاقة، ولا يعرفه أحد من سكان الحي، وبعد أن يستعيد وعيه، يُنقل إلى مركز الشرطة، ويقترح وضعه في مصحة عقلية إلى أن تتضح هويته وحالته.
بعد أحد عشر يومًا، يعود الخبر الصحفي في نهاية الرواية، لكن هذه المرة ليعلن العثور على شخص يُعتقد أنه ألقى بنفسه من أعلى بناية المستشفى
المحلي للأمراض العقلية. وبين الخبرين تدور أحداث الرواية؛ وحياة إنسان لم تذكر الأخبار حتى اسمه.
تبدأ الرواية بشخص مجهول وتنتهي بمجهول أخر (وقد يكون هو نفسه) وبين المجهولين تتكشف حياة حمد، حارس المرآب ودارس الفلسفة، الذي
اضطرته ظروف الحياة إلى أن يعمل في هذه المهنة، ثم وجد نفسه في مواجهة سلسلة من العلاقات والاتهامات والتفسيرات التي تنتهي به إلى مستشفى
الأمراض العقلية.
الرواية التي تبدأ بخبر صحفي محايد، سرعان ما تفتح أمامنا عالمًا داخليًا شديد الثراء.
فالشخص الذي يبدو صامتًا هو الذي يتولى الحكي، والشخص الذي لا يعرفه أحد هو الشخص الذي نعرف من خلاله الجميع، والعنوان نفسه يضيء هذه المفارقة.
«أنجيرونا» اسم يرتبط في الموروث الروماني بشخصية أسطورية تضع إصبعها على فمها، ولذلك ارتبطت بالصمت. وذلك يضعنا منذ البداية أمام ثنائية الصمت والكلام.
موقع حمد حارس المرآب، عند مدخل العمارة يجعله في منطقة وسطى، فلا هو من السكان، ولا هو خارج المشهد تمامًا.
إنه يقف عند العتبة، ويرى الداخلين والخارجين، يعرف السيارات وأصحابها، يرصد عادات السكان، ويتابع ما يجري خلف الأبواب، هو لا يروي حياته وحدها؛ إنما يروي، من موقعه ذاك، عالمًا كاملًا، وكلما انخفض موقعه الاجتماعي ارتفعت قدرته على ملاحظة التفاصيل التي قد لا ينتبه إليها أصحاب المكانة.
حمد الحارس الذي درس الفلسفة، يعرف أسئلة الفكر الكبرى، لكنه يصطدم بأسئلة أكثر قسوة: كيف يعيش؟ كيف يعمل؟ كيف يعيل أسرته؟ ماذا يفعل بالشهادة التي حصل عليها؟
فالفلسفة تمنح حمد القدرة على السؤال، لذلك يصبح شخصية قلقة لا تستسلم تمامًا إلى الموقع الذي وجد نفسه فيه، وتتصل بذلك علاقة حمد بالصمت.

الصمت في الرواية ليس حالة واحدة.
إنه في طفولة الشخصية وسيلة فرضها الكبار، حين يتحدث الكبار يصمت الصغار.
ثم يصبح الصمت مع الزمن طريقة في النجاة، وأسلوبًا لتجنب الصدام، وربما قناعًا يحتمي خلفه الإنسان من عالم لا يرحب بضعفه.
لكن ذلك الصامت يبدأ في كتابة «يوميات حارس مرآب» عندئذ تتحول الكتابة إلى مساحة يستعيد فيها شيئًا من وجوده.
من هذه الزاوية يمكن فهم القلق الذي يحيط بيوميات حمد.
فالإنسان المهمش يمكن أن يصبح مقبولًا ما دام صامتًا، وما دام يؤدي الوظيفة المطلوبة منه، وما دام لا يتجاوز الموقع الذي رسمه الآخرون له. أما حين يمتلك لغة يتحدث بها عنهم، فإن وضعه يتغير.
في المرآب كان هو العين.
في المستشفى يصبح هو الموضوع الذي تراقبه العيون، الطبيب يريد تفسير صمته، والشرطة تريد معرفة ما حدث، والسكان يريدون معرفة ما يخفيه،وكل طرف يحاول أن يمنحه تعريفًا.
أما يومياته فهي تروي الليل أكثر مما تروي النهار، وتستدعي الماضي داخل الحاضر، وتنتقل من حمد إلى أبيه، ومن الأب إلى الأم والأخ والصديق وسكان العمارة، ومن الواقعة الحالية إلى ذكريات بعيدة.
الزمن هنا لا يتحرك إلى الأمام بقدر ما يتحرك داخل الذاكرة، ولهذا يبدو الماضي في الرواية أكثر حضورًا من مجرد خلفية، إنه القوة التي تفسر الحاضر.
والأب، خصوصًا، لا يغيب بموته، إنه يتحول إلى صوت داخلي، وحمد لا يرث عن أبيه المهنة فقط، وإنما يرث الخوف والصمت والمسؤولية.
الأب الذي كان يوجه حركة السيارات في المرآب يصبح، بعد موته، حاضرًا في وعي الابن وفي الطريقة التي يرى بها نفسه.
وهنا يتحول الأب من شخصية إلى ما يشبه المصير الموروث، فهو لم يستطع أن يغير حياته، والابن يجد نفسه في المسار نفسه، لكن الفرق أن الابن يملك وعيًا بهذا المصير، ولذلك لا يستطيع أن يتصالح معه بسهولة.
تأتي صورة «الجيلي الأصفر» لتكثف هذا التحول
حين كان حمد طفلًا يساعد أباه في المرآب، كان يشعر أن حركة يده قادرة على تنظيم حركة السيارات،كأنه يقود أوركسترا.
كان في تلك اللحظة يشعر بسلطة حقيقية. لكن الجيلي نفسه يتحول في الكبر إلى علامة على مهنته الهامشية.
إنها مفارقة صغيرة، لكنها تكشف قدرة الرواية على تحويل التفاصيل اليومية إلى دلالات تتجاوزها من غير أن تثقلها بالرمزية المباشرة.
الأمر نفسه ينطبق على المكان، المرآب، الرصيف، العشة الكرتونية، أبواب العمارة، المستشفى، كلها أمكنة يعيش فيها حمد عند الحدود.
لا يدخل تمامًا ولا يخرج تمامًا، هو لا ينتمي إلى عالم السكان، ولا يستطيع أن يقطع صلته به.
يعيش أسفل العمارة لكنه يعرف ما يجري في أعلاها، وينام في مأوى مؤقت بينما يراقب أصحاب الشقق وهم يدخلون إلى بيوتهم المستقرة، بينما لا يعرف هؤلاء شيئًا حقيقيًا عن حياته.
هم يعرفون وظيفته، وربما بعض الشائعات عنه، لكنهم لا يعرفون أباه، ولا خوفه، ولا علاقته بأخيه، ولا إحساسه بأنه أضاع حياته في الطريق بين شهادة الفلسفة وكرسي حارس المرآب.
حين يعود الخبر الصحفي في نهاية الرواية، يعود معه حمد إلى دائرة المجهول.
يموت شخص في مستشفى الأمراض العقلية، وتتحول المأساة إلى خبر وإجراء وتحقيق.
الرواية استهلكت صفحاتها كلها وهي تعيد إلى هذا الشخص اسمه وذاكرته وأباه وأمه وأخاه وأصدقاءه وأحلامه وأسئلته، ثم يأتي الخبر الصحفي ليختصر كل ذلك في «شخص»
وكأن العالم الذي حرم الإنسان من صوته في البداية يعيد في النهاية محو هذا الصوت، ومن هنا لا تبدو النهاية مجرد موت مأساوي لشخص ما، وإنما
عودة إلى السؤال عن الإنسان حين يصبح مجرد خبر.
التعليقات مغلقة على هذا المقال.