علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
محمد عبد القدوس
محمد عبد القدوس

كاتب صحفي

حكايات إحسان عبد القدوس: الملاك الذي قادني إلى سيناء

في يوم لا أنساه كنت جالساً في إحدى المقاهي مع رفاقي نتعرف على وافدين جدد من أبطالنا القادمين من سيناء، وقدمت نفسي لهؤلاء أسمي "محمد عبدالقدوس"

مشاركة:
حجم الخط:

يقدمها: محمد عبدالقدوس

هذه الحكاية مختلفة عن غيرها لأن بطلها ليس والدي رحمه الله بل كان فقط كلمة السر لأمر لم أكن أحلم به أبدا وهو الذهاب إلى

أرضنا المحررة “سيناء” في نوفمبر 1973 وكنت بذلك من أوائل المدنيين الذين ذهبوا إلى هناك عقب الحرب مباشرة .

وبداية حكايتي الفريدة من نوعها التي لا أنساها أبدا رغم مرور أكثر من نصف قرن عليها ..

إنه بمجرد قيام الحرب ذهبت متطوعاً وقيدت أسمي في المقاومة الشعبية ..

وكان مقر تسجيل الأسماء إحدى مقرات الإتحاد الإشتراكي ويشغله حالياً “حزب التجمع” في قلب العاصمة ..

ويومها كنت في السنة النهائية بجامعة القاهرة وبدأت العمل بالصحافة في جريدة “أخبار اليوم” الذائعة الصيت وصاحبة الإنتشار الواسع في ذلك الوقت.

وفي اليوم التالي تم استدعائي وأخبروني مع غيري من المتطوعين أننا سنسافر إلى الإسماعيلية ..

وبعد يومين كنا في المدينة الجميلة ..

ومعي شلة من عمال مطابع “روزا اليوسف” فكانوا عون لي خلال هذه الرحلة ، وأذكرهم بكل خير.

ومكثنا هناك شهر كامل 

أقمنا في إحدى بيوت الإسماعيلية المهدمة بفعل نيران العدو

وكانت مهمتنا الأساسية تتمثل في الحراسة ليلاً ، وتبدأ الوردية العاشرة مساء حتى صباح اليوم التالي ..

حيث ينتشر آلاف من قوات الدفاع الشعبي في المدينة وتم إغلاقها بالكامل ، ولا يسمح بمرور أحد إلا بعد أن يقول “كلمة السر”

وهي تتغير كل يوم.

وبعد إنتهاء عملنا نعود إلى أماكن تجمعاتنا لننام ، حتى الظهر تقريباً ثم يسمح لنا بالنزول إلى المدينة من جديد ، لكن بغرض الترفيه

عن أنفسنا هذه المرة ونجلس في المقاهي ونختلط بالضباط والجنود القادمون من الجبهة في أجازات قصيرة ولا تعرف رتبة أي

واحد منهم ، فالملابس التي يرتديها عسكرية ، ولكنها تخلو من رتبة صاحبها حفاظاً على أمنه وأمن الجيش ، فلا تعرف هل هو الضابط أم جندي.

وفي يوم لا أنساه كنت جالساً في إحدى المقاهي مع رفاقي نتعرف على وافدين جدد من أبطالنا القادمين من سيناء ..

وقدمت نفسي لهؤلاء أسمي “محمد عبدالقدوس”

وفوجئت بمن يقاطعني ويسألني قائلاً: وأنت صلتك إيه ب”إحسان عبدالقدوس” ؟؟

قلت له: أنا إبنه ورأيت الفرحة تقفز على وجهه .

وأبدى إعجابه الشديد بوالدي قائلاً أنا قرأت كل قصصه وبحبه قوي.

وشكرته على ذلك ..

وبعد جلسة من الفرفشة والمداعبات الحلوة قال لي: “أنا راجع “سيناء” تاني دلوقت تحب تيجي معايا” ؟؟

وفوجئت وانتقلت الفرحة من وجهه إلى وجهي وأنا أقول: “يا ريت طبعا طبعا” ..

وانطلقت معه ..

واصحابي يقولون: “يا بختك يا عم” ويطلبون من مرافقي أن يكونوا معي ، رد عليهم قائلاً: لا .. ده له وضع خاص علشان خاطر حبيبي والده.

وانطلقنا وكانت هناك عشرات من نقاط التفتيش العسكرية ولاحظت أنه يقابل في كل منها بكل إحترام شديد وتقدير رغم أنه لا

يحمل رتبة على كتفيه ويسمح له بالمرور على الفور وأنا معه دون أن يسألوه عن شخصيتي.

كانت دهشتي شديدة وقلت في نفسي: إن من المؤكد أن المرافقي هذا برتبة كبيرة

إما أنه قائد المنطقة كلها أو يشغل منصب رفيع في إحدى الأجهزة السيادية ..

وعندما ذكر لي إسمه شعرت في قرارة نفسي أنه أصطنع هذا الإسم ويريد إخفاء شخصيته بعيداً عن المدنيين من أمثالي.

ولم اعرف اسمه الحقيقي واعتبرته ملاك قادم من السماء لتحقيق حلم لم أتخيل أن يحدث لي مطلقاً 

وعبرنا القناة في “لانش” وذهبنا إلى دشم أبطالنا في سيناء المحررة وصافحت كل من قابلتهم بحرارة شديدة ، وبالأحضان طبعاً ، بل وحاولت تقبيل أيديهم ..

وكتب بعضهم خطابات إلى أهله ، وسلموها لي لتوصيلهم إلى أسرهم ..

ثم أخذنا سيارة في جولة إلى المناطق المحررة ..

وصدق أو لا تصدق شاهدت بعيني دبابة إسرائيلية محترقة ، وبجانبها جثة أحد جنود العدو ..

وقبيل الليل أعادني الملاك القادم من السماء إلى الإسماعيلية من جديد ، وكان يوم من أجمل أيام حياتي لا أنساه أبدا.

❤️كلام من ذهب❤️

وطني لو شغلت بالخلد عنه..
نازعتني إليه في الخلد نفسي..
أمير الشعراء – أحمد شوقي

شارك المقال:

شاركنا برأيك