محمد فرحات يحاور صنع الله إبراهيم (1-2) ليلة في الجريون بين اليقظة والمنام
إيه الحكاية يا أستاذ صنع الله؟ هو الواحد ما كانش ممكن يخرج من السجن، يستريح شوية، ويتفرج على الدنيا بدل ما يرجع يفتح على نفسه أبواب جديدة؟
الأديب والروائي المصري صنع الله إبراهيم
النبيت الأحمر والزنزانة واللجنة
بعد إسرافي في شرب النبيت الأحمر المعتق في بار الجريون، بدأت أشعر أن القاهرة التي أعرفها قد انسحبت قليلًا إلى الخلف، وأن هناك قاهرة أخرى تظهر من وراء الدخان، قاهرة يسكنها الذين رحلوا عن عالمنا، لكنهم لم يتخلصوا من خلافاتهم القديمة، ولا من رغبتهم في إثبات أنهم كانوا على حق.
كنت أحاول إقناع النادل بأن كأسًا أخيرة لن تضر، حين وجدت الأديب الكبير صنع الله إبراهيم يجلس إلى المائدة المقابلة، يراقبني في هدوء، كأنه يراجع محضرًا سريًا عني.
اقتربت منه، وجلست دون استئذان
— مساء الخير يا أستاذ صنع الله. أنا محمد فرحات، الناقد والصحفي اللي بيحاول يعمل حوارًا معاك من غير ما يستعين بموافقة جهة أمنية أو تصريح من المجلس الأعلى للثقافة.
نظر إليّ نظرة لم أستطع تحديد ما إذا كانت سخرية أم شكًّا، ثم قال:
— وأنت عرفت إني هنا إزاي؟
— بالصدفة. كنت بشرب النبيت، ولقيتك. وبعدين إحنا في العالم الآخر، يعني المفروض إن مفيش أسرار.
— حتى في العالم الآخر، هناك أشياء لا ينبغي أن يعرفها أحد.
— يا خبر! يعني الرقابة وصلت هنا كمان؟ أنا كنت فاكر إن الواحد لما يموت بياخد إعفاء نهائي من أجهزة الدولة.
ابتسم ابتسامة صغيرة، فاعتبرتها موافقة ضمنية على استمرار الحوار
قلت له:
— خلينا نبدأ من الأول، انت يساري قديم، وسجنت من سنة 1959 إلى سنة 1964، وبعدها خرجت وكتبت «تلك الرائحة» فعملت لنا مشكلة من أول الطريق.
إيه الحكاية يا أستاذ صنع الله؟ هو الواحد ما كانش ممكن يخرج من السجن، يستريح شوية، ويتفرج على الدنيا بدل ما يرجع يفتح على نفسه أبواب جديدة؟
— يبدو أنك لا تعرف طبيعة السجن يا أستاذ محمد.
— أعرفه من الكتب، وده أحيانًا أخطر من معرفته شخصيًا، الكتب بتخليك تدخل السجن وتخرج منه من غير ما تدفع تمن الزيارة.
قال:
— السجن تجربة لا تشبه ما يكتبه الآخرون عنها. لكنه لا يمنح الكاتب بالضرورة حكمة إضافية، ولا يجعله أفضل من غيره. أنا خرجت منه وأنا أحمل أسئلة كثيرة، وكان عليّ أن أجد طريقة للكتابة عنها.
— ووجدت «تلك الرائحة»
— وجدت نفسي أكتبها لم أكن أبحث عن طريقة لإرضاء أحد، ولا عن شكل روائي يضمن لي التصفيق، كنت أحاول أن أكتب عن إنسان خرج من السجن، لكنه لم يجد العالم الذي كان يتوقعه.
— يعني خرج من السجن، فوجد نفسه في سجن أكبر؟
— هذه صياغتك أنت.
— معلش، دي ضريبة إنك تقعد مع صحفي شارب نبيت زيادة عن اللزوم.
ضحك هذه المرة، أو خُيّل إليّ أنه ضحك
ثم قال:
— المشكلة أن الناس تحب الحكايات التي تبدأ وتنتهي بوضوح، يدخل البطل السجن، ثم يخرج، ثم ينتصر، ويذهب الجميع إلى بيوتهم سعداء. لكن الحياة ليست بهذه البساطة.
— ولا الرواية، خصوصًا رواياتك. عندك القارئ يدخل الرواية عشان يعرف الحكاية، فيخرج منها وهو محتاج لجنة تقصي حقائق.
رفع رأسه وقال:
— هل قرأت «اللجنة»؟
— قرأتها، وكنت أريد أن أعرف إن كانت اللجنة التي في الرواية تشبه اللجان التي نعرفها، أم أن اللجان عندك اختراع أدبي مستقل؟
— أنت تسخر من اللجان، لكنك تعرف أنها موجودة في كل مكان، وأن الإنسان قد يجد نفسه مطالبًا بإثبات أشياء لا يعرف لماذا يُطالب بإثباتها أصلًا.
— طبعًا. وأنا شخصيًا لو دخلت لجنة عندك، أول سؤال هسأله: مين اللي شكّل اللجنة؟ وثاني سؤال: هل للجنة لجنة أعلى منها؟ وثالث سؤال: هل يجوز الطعن على قرار اللجنة أمام لجنة أخرى؟
قال:
— وهكذا لن تنتهي من السؤال أبدًا.
— بالضبط. وده اللي بيحصل عندنا أحيانًا. اللجان بتتكاثر، والمشكلة بتفضل زي ما هي، وفي الآخر يطلع تقرير يقول إن كل شيء يسير على ما يرام.
نظر إليّ صنع الله إبراهيم وقال:
— السخرية لا تكفي لتغيير الواقع.
— ولا التقارير، يا أستاذ صنع الله. لكن التقارير على الأقل بتعرف تفرح المسؤولين.
من «ذات» إلى ذات مصرية
أشرت إلى النادل أن يحضر كأسًا أخرى، ثم عدت إلى الحوار.
— تعالَ بقى إلى «ذات» أنا شايف إنك عملت فيها شغلًا مهمًا؛ أخذت حياة امرأة عادية، وحولتها إلى وسيلة لقراءة تاريخ مصر من ثورة يوليو 1952 إلى ثورة يناير 2011، بدل ما تكتب لنا تاريخ الرؤساء والخطب والقرارات، دخلت بيوتنا، وفتحت الدواليب، وبصيت على المطبخ، وراقبت الناس وهي بتشتري وتاكل وتفرح وتخاف.
قال:
— لأن التاريخ لا يحدث في المؤسسات وحدها، إنه يحدث أيضًا في حياة الناس، في تفاصيلهم اليومية، وفي الطريقة التي تتغير بها أحلامهم وعلاقاتهم وأفكارهم.
— يعني بدل ما نسأل المواطن عن رأيه في البيان رقم واحد، نسأله عن سعر اللحمة، وعن ابنه اللي مش لاقي شغل، وعن البنت اللي عايزة تتجوز ومش عارفة تجهز شقتها؟
— هذه الأشياء ليست منفصلة عن السياسة، السياسة تظهر في تفاصيل الحياة اليومية، حتى حين يظن الناس أنهم بعيدون عنها.
— وده اللي خلّى «ذات» تنفع مسلسل تلفزيوني بعنوان «بنت اسمها ذات» الناس شافت نفسها على الشاشة، وشافت تاريخها مش مكتوب بحبر الكتب المدرسية، لكن بتفاصيل البيوت والشوارع والملابس والأكل.
— كل وسيط له طريقته الرواية تستطيع أن تقدم بناءً مختلفًا، والمسلسل يعيد تشكيل المادة وفق شروط الدراما التلفزيونية.
— يعني لو كنت مكان المسؤولين عن التعليم، كنت خليت الطلبة يقرأوا «ذات» بدل ما يحفظوا تاريخ مصر من كتاب الوزارة؟
ابتسم وقال:
— لا تجعلني مسؤولًا عن التعليم، يكفيني ما كتبته.
— عندك حق. إحنا في مصر بنعاقب الكاتب على الكتابة، وبعدين نكلفه بإصلاح التعليم، ونطلب منه المشاركة في مؤتمر عن بناء الإنسان، ونرجو منه أن ينتهي من كلمته قبل موعد الغداء.
هز رأسه، ولم أعرف إن كان يوافقني أم أنه بدأ يندم على قبوله الحوار.
«شرف».. ومن يملك الحكاية؟
قلت له:
— نأتي إلى «شرف». رواية كبيرة، وسجن داخل سجن، ومجتمع كامل يمكن أن تقرأه من خلال عالم المسجونين. لكن أثيرت حولها مسألة علاقتها بكتاب «الزنزانة» لأحمد الفضل، وما قيل عن الاستفادة من شهادات ومشاهد وقصص واقعية وردت في الكتاب. أنت لم تنكر قراءة الكتاب، لكنك رفضت اعتبار الاستفادة منه سرقة أدبية. هل ترى أن المسألة محسومة؟
تبدلت ملامحه قليلًا، وقال:
— قلت إنني قرأت الكتاب واستفدت منه بوصفه مصدرًا للتوثيق والمعرفة بتفاصيل حياة السجناء. لكن القراءة والاستفادة لا تعنيان بالضرورة السرقة الأدبية، لا بد من النظر إلى النصوص نفسها، وطبيعة التشابه بينها، وكيفية توظيف المادة في العمل الروائي.
— لكن صاحب الشهادة عاش التجربة، ودوّنها، وقد يشعر أن شخصًا آخر أخذ جزءًا من جهده ووضعه في رواية تحمل اسمًا آخر على الغلاف.
— هذا سؤال مشروع، ولهذا يجب أن نميز بين نقل النصوص، والاستفادة من الوقائع، وإعادة بناء المادة داخل عمل فني. الحكم لا يكون بمجرد التشابه في الموضوع، بل بفحص النصوص وتحديد طبيعة الاقتباس.
— يعني لو واحد كتب عن السجن، وواحد تاني كتب عن السجن، مش معنى كده إن الثاني سرق الأول؟
— بالطبع لا. لكن لو نقل نصًا أو مشاهد بعينها، فهذه مسألة أخرى تحتاج إلى فحص دقيق.
قلت له:
— كويس. لأننا أحيانًا بنحب الأحكام السريعة. نقرأ عنوانًا، فنصدر حكمًا، ونقرأ تعليقًا، فنصدر حكمًا آخر، وفي النهاية يصبح عندنا محكمة شعبية لا تحتاج إلى شهود ولا أدلة ولا حتى إلى قراءة الكتاب.
قال:
— وهذه ليست مشكلة الأدب وحده.
— طبعًا. إحنا بنحاكم كل حاجة قبل ما نفهمها، وبعد ما نفهمها بننسى نراجع أحكامنا.
جائزة لا يريد صاحبها أن يتسلمها
كان النبيت قد بدأ يؤدي وظيفته في إقناعي بأن كل سؤال جديد هو أفضل سؤال في التاريخ، فانتقلت إلى واحدة من أشهر محطات حياة صنع الله إبراهيم.
— سنة 2003 رفضت تسلم جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي. وقلت كلامًا شديد اللهجة عن الحكومة والفساد والقمع، وعن العلاقة مع إسرائيل، وعن أحوال التعليم والصحة والصناعة.
يعني يا أستاذ صنع الله، الناس عادةً بتفرح بالجائزة، وتتصور مع المسؤولين، وتكتب على فيسبوك إنها تتمنى أن تكون عند حسن الظن. أنت قررت تعمل العكس تمامًا.
قال:
— لم أرفض الجائزة لأنني أرفض التقدير الأدبي رفضتها احتجاجًا على سياسات الحكومة المصرية، كنت أرى أن هناك تناقضًا بين تكريم الكاتب وبين ما يحدث في الواقع، وأنه لا يجوز أن أتعامل مع الجائزة باعتبارها شأنًا شخصيًا منفصلًا عن مسؤوليتي تجاه المجتمع.
— لكن كان ممكن تاخد الجائزة، وتتبرع بقيمتها، وتكتب بيانًا، وتعمل مؤتمرًا صحفيًا، وتقول إنك مختلف مع الحكومة. كنت وفرت على نفسك كل هذه الضجة.
نظر إليّ وقال:
— ولماذا أفعل ذلك إذا كنت أرى أن الرفض هو الموقف الأكثر اتساقًا مع قناعتي؟
— لأننا تعودنا أن نأخذ الجائزة أولًا، ثم نختلف مع الجهة المانحة في اليوم التالي. وفي بعض الأحيان نختلف معها قبل الحفل، ونلتقط الصورة بعدها، ثم نعود إلى الاختلاف في المقالات.
قال:
— أنت تجعل المسألة تبدو كأنها حيلة اجتماعية.
— مش حيلة يا أستاذ صنع الله، دي خبرة طويلة في التعامل مع المناسبات الرسمية. المهم أن تكون الابتسامة مناسبة للصورة، وأن يكون البيان مناسبًا للمرحلة، وأن يعرف الجميع كيف يخرجون من القاعة من غير أن يختلفوا على ترتيب الجلوس.
قال بجدية:
— أنا لم أكن أريد أن أقدم موقفًا استعراضيًا. كنت أعتقد أن الكاتب مسؤول عما يقوله، وعن المواقف التي يختارها، وأنه لا يستطيع أن يصمت كلما تعارضت قناعاته مع ما يُطلب منه.
سكتُّ قليلًا. كانت الإجابة أكثر جدية من أن أفسدها بنكتة
لكنني لم أستطع مقاومة السؤال التالي:
— طيب، هل ندمت؟
— على ماذا؟
— على رفض الجائزة.
— لا أرى أن المسألة تُقاس بالندم أو عدمه. المهم أن يكون الإنسان قد اتخذ قراره عن اقتناع، وأن يتحمل مسؤوليته.
— يعني مفيش جائزة بديلة؟
ابتسم.
— لا أعرف ماذا تريد أن تقول.
— ولا حاجة. أصل أنا لو كنت مكانك، كنت هرفض الجائزة، وأطلب منهم شهادة تقدير تثبت أنني رفضتها. الواحد لازم يحتفظ بالمستندات، حتى في العالم الآخر.
ضحك، ثم قال:
— أنت صحفي خطر يا محمد.
— لا يا أستاذ، أنا مجرد مواطن لا يثق في أن الأمور انتهت إلا إذا حصل على إيصال
شاركنا برأيك