علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
إبداع
أشرف الصباغ
أشرف الصباغ

كاتب وأديب ونافد

قصة قصيرة لأشرف الصباغ (سبت النور)

بكي الصبي، راح يتخيل إخوته وهم يسخرون منه، وأهل القرية وهم يوبخونه ويلومونه، ارتعد عندما تخيل الأب وهو يكيل له الصفعات،

مشاركة:
حجم الخط:

سبت النور

في يوم سبت النور جمعت الأم أبناءها البنات والصبيان، كالعادة، وزينت عيونهم بالكحل، كحلت البنات بالكحل الأزرق الحامي الذي يثير بعض الحرقة في عيونهن ويستدر الدمع لكنه يزيدها ألقا وغواية، يشعل أجسادهن بنيران سحرية غامضة تجذب كل ما يقع في مجالها. وكحلت الصبيان بالكحل الأسود الهادئ لأنهم لا يتحملون لسعة الكحل الأزرق إلا عندما يزين عيون الصبايا.

وفي مساء الأحد، اصطحبت أصغر أبنائها وصعدت إلى عشة الدجاج لتجمع البيض، بينما راح الباقون يجهزون الألوان التي سيستقبلون بها شم النسيم.

تحلقوا حولها وراحوا يتفننون في تلوين البيض، لمح الصبي بيضة غريبة، أكبر من كل البيض. فطلب من أمه أن تجعلها راقودة، ربما تأتي إليه بكتكوت ملون.

ضحكت الأم وركنت البيضة جانبًا وراحوا ينظفون الفسيخ والسردين، ويقشرون البصل.

ولما فقس البيض، التقط الصبي كتكوته الملون الجميل الذي يختلف عن كل الكتاكيت، وراح يهتم به، يطعمه ويسقيه وينظفه.

لاحظ أن كتكوته ينمو أسرع من بقية الكتاكيت حتى صار خلال عدة أسابيع في حجم ديك كبير، راح يتصرف تصرفات غريبة، من قبيل أن يضرب الكتاكيت، ويدخل معارك مع الديوك.

ثم بدأ يرفض تناول الطعام مع الدجاج، وعزف عن الشرب من المسقاة. كان يتجه إلى حيث تقف المعيز والخرفان ويأكل معها من علفها، ثم بدأ يعاركها ويتنافس معها، ويبعدها عن الأكل حتى ينتهي من طعامه، تاركًا لها ما تبقى منه،وبعد فترة، بدأ يتسلل إلى الزريبة ليأكل مع المواشي، أو يخطف التبن والشعير والبرسيم من أمام البهائم، حتى صار حجمه كبيرًا. ومع الأيام بدأ يخيفها ويهددها، وينفرد وحده بالأكل والشرب ويترك لها البقايا.

وفي صباح أحد الأيام استيقظ البيت كله على هرج ومرج في الزريبة الكبيرة حيث نشبت معركة هائلة بين الكتكوت وبين المواشي والحمير والطيور.

رأى كل من في البيت أنه يجب ذبح الكتكوت، فمن جهة، سيكون لحمه كافيا للجميع ولعدة أيام، ومن ناحية أخرى، يتخلصون من مشاكله ويعيدون السلام إلى بقية حيوانات البيت، ومن جهة ثالثة، يوفرون كل ما يأكله من فول وشعير وعلف.

لكن الأب رأى أن يستفيد منه طالما أنه أصبح قويا ومشاغبا، فقرر أن يستخدمه مثلما يستخدم الحمير للركوب ولحمل التبن والبرسيم، وجر المحراث.

حاز على إعجاب الجميع وأحبه الأطفال وتفاخرت به النساء، وبعد عدة أشهر، أصيب بجرح في ظهره بعد أن نقل حمولة سباخ ثقيلة.

حزنت النساء، وارتبك الرجال، وبكى الأطفال.

استدعوا حلاق القرية، فلم يفلح في علاجه. وراح الكتكوت يفقد وزنه حتى شارف على الموت.

وفي يوم من الأيام زارت القرية عرَّافة عجوز، فاستدعوها لتفحصه وهو في نزعه الأخير. طلبت منهم أن يأتوها بزيت النخيل.

دهنت له ظهره، وسهرت إلى جواره سبعة أيام وليالٍ، حتى بدأ يستعيد قواه، ففرحت النساء وابتهلن إلى رب السماء، وأقام الرجال الأفراح، وزاط الأطفال وراحوا يزمرون ويطبلون. وعاد الكتكوت إلى سابق عهده.

وبعد عدة أشهر، نبتت في ظهره نخلة، ابتهج أهل القرية، وتباركوا به. نمت النخلة وطرحت رُطبًا جنيًّا، وراح الأطفال يقذفونها بالطوب والحجارة ويجمعون البلح، وعلم أهالي القرى المجاورة، فجاءوا ليقذفوا النخلة بالطوب والحجارة.

ويومًا بعد يومٍ تكونت على ظهره قطعة أرض، ففكر الأب ذات ليلة أن يستغل هذه الأرض، وأشارت الأم عليه بأن يزرعها بطيخًا.

جاء موسم حصاد البطيخ، راحوا يجمعونه وسط الرقص والغناء وفرح الأطفال، وراح الأب يحلم ببيع البطيخ في السوق والحصول على أموال تكفي لشراء المزيد من البيض والكتاكيت.

وفي يوم من الأيام جاءوا بنقلة بطيخ فيها واحدة ملونة أكبر بكثير من أخواتها، فاستبشر أهل البيت خيرًا، وتعالت صيحات أهل القرية بالدعاء والابتهال والحمد والشكر، فرح الصبي فرحًا شديدًا وتوسل باكيًّا إلى الأب لكي لا يبيعها أو يُقَطِّعُها.

أشفقتْ الأم على صغيرها، فاستعطفت الأب حتى وافق على عزل البطيخة عن أخواتها، وتركها لصغيره يفرح بها. بينما راح الصبي ينسج الأحلام ويحيك الخطط.

وفي ليلة مقمرة، تسلل من بين إخوته، واتجه إلى حيث أدوات المطبخ، تناول السكين الجديد الذي اشتراه الأب مؤخرًا، كانت البطيخة أكبر منه حجمًا. فأحضر السلم الخشبي الطويل، صعد السلم وبيده السكين، قفز فوق البطيخة، استجمع قواه، وغرس السكين بضربة واحدة، ومن شدة الضربة، فلت السكين من يده وانزلق إلى داخل البطيخة. أصابه الرعب، فسوف يضربه أبوه إذا علم بضياع السكين، وقد يعاقبه عقابًا أشد.

بكي الصبي، راح يتخيل إخوته وهم يسخرون منه، وأهل القرية وهم يوبخونه ويلومونه، ارتعد عندما تخيل الأب وهو يكيل له الصفعات، وبين الصحو والمنام رأى نفسه يسير بثقة وكبرياء نحو غرفة أدوات الفلاحة، ثم اختار حبلًا طويلًا متينًا من الليف، حمله واتجه إلى البطيخة.

ربط طرفه بقائمة خشبية ضخمة، ولف الطرف الآخر حول خصره وعقده جيدًا، صعد مجددًا على السلم الخشبي، قفز على البطيخة، سار في هدوء حتى وصل إلى المكان الذي انزلق فيه السكين.

تحسس الحبل جيدًا، اختبر قوة العقدة، وقفز إلى داخل البطيخة فانفلت جسده من الحبل وراح يحلق في الفضاء حتى حط في مدينة واسعة مليئة بالحدائق والطيور والأطفال، تقف فيها البيوت الجميلة الملونة في انتظام.

والناس يروحون ويجيئون، يمتطون الجياد، ويركبون السيارات، يسيرون في الشوارع الواسعة النظيفة ويتنزهون في الحدائق والغابات، يصعدون الهضاب الخضراء، ويسبحون في البحيرات الهادئة ذات المياه الزرقاء.

راح يبحث عن السكين في الحقول والغابات، ظل يلف ويدور أياما وأسابيع، غادره النوم وفارقه النعاس، ولما أعياه البحث، راح يسأل الناس عن السكين، قالوا إنهم لا يستخدمون السكاكين في هذه المدينة.

تركهم وسافر إلى مدينة أخرى، مرت الأيام والشهور، أعياه التعب والجوع والعطش، بليت ثيابه وأصابه الهزال.

وكلما سأل عن السكين، قالوا له، إنهم لا يستخدمون السكاكين.

ومن مدينة إلى أخرى، ومن عام إلى عام، شاخ وابيَضَّ شعره، راح يعبر البحار ويتسلق الجبال حتى ضعف جسده وراح بصره، ولا سكين.

ولما وصل إلى آخر المدى، جلس على قمة جبل يبكي. وبين الصحو والمنام، مر عليه شيخ طاعن في السن بشعر طويل أبيض، يرتدي ملابس بيضاء، وتزين وجهه لحية ناصعة البياض تنزل حتى ركبتيه.

ألقى عليه السلام، وسأله عن حاله، ومن أين أتى، وماذا يريد، جلس إلى جواره، مسح بيده على رأسه، وكرر عليه السؤال.

فحكي له حكايته من أولها إلى آخرها، أخبره أنه لن يستطيع العودة بلا سكين، سيعاقبه الأب عقابًا شديدًا، نظر إليه الشيخ بإشفاق، بكي من أجله وقال له، لا سكاكين في هذه المدينة، والناس لا يعرفون ما هي السكاكين، وانت لن تجد السكين أبدا.

نصحه بأن يعود من حيث جاء، وألا يضل الطريق حتى لا يتوه في الشوارع والمدن والغابات، او تلتهمه الحيتان في البحار، قال له:

“عندما تصل إلى حيث بدأت، ستجد طرف الحبل، اقفز نحوه وتشبث به، تسلقه حتى تخرج من حيث انزلقت، عد إلى بيتكم، ستجد أمك تكحل إخوتك، دعها تكحلك معهم، وفي المساء اصعد معها إلى عشة الفراخ لتجمع البيض، ستجد واحدة غريبة، أكبر من كل الأخريات. اطلب من أمك أن تجعلها راقودة، ثم غافلها واسرق بطة، بعها واشتر بثمنها سكينًا وضعه في مكان السكين الذي أضعته.

فعل كما قال له الشيخ، ونجح في تفادي عقاب أبيه، ولما فقس البيض، خرج كتكوت ملون جميل يختلف عن كل الكتاكيت، راح يهتم به ويطعمه ويسقيه وينظفه، لاحظ أن كتكوته ينمو أسرع من بقية الكتاكيت حتى صار خلال عدة أسابيع في حجم ديك كبير وراح يتصرف تصرفات غريبة، من قبيل أن يضرب الكتاكيت، ويدخل معارك مع الديوك.

ثم بدأ يرفض تناول الطعام مع الدجاج، وعزف عن الشرب من المسقاة، كان يتجه إلى حيث تقف المعيز والخرفان ويأكل معها، ثم بدأ يعاركها ويتنافس معها، ويبعدها عن الأكل حتى ينتهي من طعامه، ثم يترك لها ما تبقى منه.

وبعد فترة، بدأ يتسلل إلى الزريبة ليأكل مع المواشي، أو يخطف التبن والشعير والبرسيم من أمام البهائم، حتى صار حجمه كبيرًا. ومع الأيام بدأ يخيفها ويهددها، وينفرد وحده بالأكل والشرب ويترك لها البقايا.

وفي صباح أحد الأيام استيقظ البيت كله على هرج ومرج في الزريبة الكبيرة حيث نشبت معركة هائلة بين الكتكوت وبين المواشي والحمير والطيور.

رأى كل من في البيت أنه يجب ذبح الكتكوت.

فمن جهة، سيكون لحمه كافيًّا للجميع ولعدة أيام. ومن ناحية أخرى، يتخلصون من مشاكله ويعيدون السلام إلى بقية حيوانات البيت. ومن جهة ثالثة، يوفرون كل ما يأكله من فول وشعير وعلف.

لكن الأب رأى أن يستفيد منه طالما أنَّه أصبح قويًّا ومشاغبًا. فقرر أن يستخدمه مثلما يستخدم الحمير للركوب ولحمل التبن والبرسيم، وجر المحراث.

حاز على إعجاب الجميع وأحبه الأطفال وتفاخرت به النساء، وبعد عدة أشهر، أصيب بجرحٍ في ظهره بعد أن نقل حمولة سباخ ثقيلة.

حزنت النساء، وارتبك الرجال، وبكى الأطفال. استدعوا حلاق القرية، فلم يفلح في علاجه. وراح الكتكوت يفقد وزنه حتى شارف على الموت.

وفي يوم من الأيام زارت القرية عرَّافة عجوز، فاستدعوها لتفحصه وهو في نزعه الأخير.

طلبت منهم أن يأتوها بزيت النخيل. دهنت له ظهره، وسهرت إلى جواره سبعة أيام وليالٍ، حتى بدأ يستعيد قواه. ففرحت النساء وابتهلن إلى رب السماء، وأقام الرجال الأفراح، وزاط الأطفال وراحوا يزمرون ويطبلون. وعاد الكتكوت إلى سابق عهده.

وبعد عدة أشهر، نبتت في ظهره نخلة. ابتهج أهل القرية، وتباركوا به. نمت النخلة وطرحت رُطبًا جنيًّا.

وراح الأطفال يقذفونها بالطوب والحجارة ويجمعون البلح، وعلم أهالي القرى المجاورة، فجاءوا ليقذفوا النخلة بالطوب والحجارة. ويوما بعد يوم تكونت على ظهره قطعة أرض.

ففكر الأب ذات ليلة أن يستغل هذه الأرض. وأشارت الأم عليه بأن يزرعها بطيخا..

شارك المقال:

شاركنا برأيك