علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

فرنسا تشتعل.. من غضب طلاب المدارس إلى نهب المحلات وإحراق البلديات!

لا يعني ما جرى أن فرنسا على وشك الانهيار، لكنه يكشف عن اتساع الفجوة بين مطالب قطاعات من المجتمع وقدرة السلطة على الاستجابة لها.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تعد فرنسا تواجه مجرد مظاهرات غاضبة يمكن احتواؤها ببيان حكومي أو انتشار أمني مكثف، فالمشهد الذي انفجر في شوارعها خلال الأيام الأخيرة

كشف عن أزمة اجتماعية تتجاوز حدود الاحتجاج، بعدما تحولت بعض المسيرات إلى أعمال نهب وتخريب، وطالت النيران مباني عامة، بينما وجد أصحاب

المتاجر أنفسهم أمام واجهات محطمة وبضائع مسروقة وخسائر بملايين اليوروهات.

من ضواحي باريس، حيث بدأت احتجاجات طلاب المدارس، إلى المتاجر الفاخرة والسوبرماركت في قلب العاصمة، وصولًا إلى إحراق مبنى بلدية ليموج

التاريخي، تتكشف فصول أزمة تضع الدولة الفرنسية أمام اختبار صعب: كيف تستعيد النظام من دون أن تتجاهل غضبًا اجتماعيًا يتسع منذ أسابيع؟

من فصول الدراسة إلى الشوارع المشتعلة

بدأت شرارة الأحداث في أواخر سبتمبر، عندما تصاعدت احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في ضواحي باريس الشعبية، اعتراضًا على نقص المدرسين،

وتدهور المباني التعليمية، واكتظاظ الفصول، وصعوبات الدراسة.

لم تبقَ التحركات داخل المدارس طويلًا؛ إذ انتقلت إلى إغلاق بعض المؤسسات التعليمية والتجمعات والمسيرات، ثم وجدت مطالب الطلاب صدى لدى

نقابات العمال وأولياء الأمور وقطاعات اجتماعية أخرى تشكو ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة.

ومع اقتراب 17 أكتوبر، اتسعت الدعوة إلى الاحتجاج، وانضمت إليها مجموعات من حركة «السترات الصفراء»، التي ارتبطت منذ عام 2018 بالغضب من

أسعار الوقود والضغوط المعيشية والشعور بعدم العدالة الاجتماعية.

لكن ما بدأ بمطالب تتعلق بالتعليم والمعيشة اتخذ مسارًا أكثر خطورة عندما تحركت مجموعات عنيفة بعيدًا عن المسيرات السلمية، وبدأت المواجهات

مع الشرطة، وأُحرقت سيارات وحاويات قمامة، ثم ظهرت مشاهد اقتحام المتاجر وسرقة محتوياتها.

كبرى المحلات التجارية في مرمى النهب

لم تكن الأضرار محصورة في المحال الصغيرة فقد ذكرت تقارير صحفية أن متاجر وعلامات تجارية معروفة تعرضت للنهب أو التخريب أو الاستهداف،

بينها «لويس فويتون» و«بربري» و«ديور» و«كينزو» و«لاكُوست»، إلى جانب متاجر أخرى في مناطق التسوق الباريسية. كما حاول مثيرو الشغب اقتحام

متجر «غاليري لافاييت»، واستهدفوا متجرًا لشركة الاتصالات «إس إف آر».

وفي الأحياء المحيطة بساحة الجمهورية وشارع بولفار ماجنتا، كانت الصورة أكثر قسوة على أصحاب المشروعات اليومية؛ إذ طالت أعمال النهب

سوبرماركت «فران بري» و«إنترمارشيه»، ومتاجر «لايكا موبايل»، ومطعم «ماكدونالدز»، ومتجر «نيكولا» للمشروبات، فضلًا عن محال الملابس

ومستحضرات التجميل، ومنها «إيتام» و«إيف روشير».

كشفت هذه الوقائع أن الفوضى لم تقتصر على استهداف العلامات الفاخرة، بل امتدت إلى متاجر الهواتف والصيدليات والمقاهي والمحال الصغيرة.

ووفق تقرير نشرته مجلة «فوغ» نقلًا عن اتحاد التجارة والتوزيع الفرنسي، تأثر نحو 1500 متجر ومنشأة تجارية في البلاد.

أما شركة «كارفور»، فأعلن رئيسها التنفيذي ألكسندر بومبار أن 50 متجرًا تابعًا للمجموعة تعرضت لأضرار، بينها 20 متجرًا نُهبت، مع خسائر تصل إلى عشرات الملايين من اليوروهات.

وصلت الاحتجاجات إلى حد سرقة ونهب المحلات الكبرى و إحراق البلديات
وصلت الاحتجاجات إلى حد سرقة ونهب المحلات الكبرى و إحراق البلديات

بلديات تحترق.. والشرطة تواجه جبهات متعددة

في مدينة ليموج، اندلع حريق هائل في مبنى البلدية التاريخي، وأدى إلى انهيار برج الساعة، في مشهد صادم تجاوز تدمير الممتلكات التجارية إلى

استهداف رمز من رموز الإدارة المحلية.

وفي ليون، أُضرمت النيران في مكتب السياحة، بينما شهدت مرسيليا اقتحامًا وأعمال تخريب داخل مبنى البلدية، وتعرض مقر إقامة ممثل الدولة في

بوردو للاقتحام والتخريب.

وبحسب رويترز، تجاوز عدد المعتقلين 2400 شخص، وأُصيب نحو ألف من عناصر الشرطة، وفق حصيلة أعلنتها السلطات الفرنسية يوم 18 أكتوبر. وفي

الوقت نفسه، شددت التقارير على أن مئات الآلاف شاركوا في الاحتجاجات بصورة سلمية؛ لذلك لا يجوز اختزال الحركة كلها في أعمال النهب، ولا تحميل

الطلاب جميعًا مسؤولية العنف.

ماكرون أمام اختبار سياسي واقتصادي

تأتي هذه الاضطرابات في توقيت حساس، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في 2027 وتصاعد الخلافات حول الاقتصاد والإنفاق العام والأمن

والخدمات الاجتماعية.

وقد دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الهدوء ومحاسبة المتورطين، بينما حمّلت الحكومة جماعات من اليسار المتطرف ومجرمين مسؤولية جانب من

أعمال العنف. لكن التحدي الحقيقي لا يقتصر على الاعتقالات وإصلاح واجهات المتاجر؛ بل يمتد إلى استعادة ثقة المواطنين في قدرة الدولة على تحسين

التعليم والخدمات وتخفيف أعباء المعيشة.

فالنهب يهدد أصحاب الأعمال والوظائف، ويزيد كلفة التأمين والحماية، وقد يضر بصورة فرنسا السياحية والتجارية. وفي المقابل، فإن تجاهل أسباب

الغضب الاجتماعي قد يترك الباب مفتوحًا أمام موجات جديدة من الاحتجاج.

هل تتحول الأزمة إلى زلزال انتخابي؟

لا يعني ما جرى أن فرنسا على وشك الانهيار، لكنه يكشف عن اتساع الفجوة بين مطالب قطاعات من المجتمع وقدرة السلطة على الاستجابة لها.

وإذا اكتفت الحكومة بالحل الأمني، فقد تستعيد الشوارع هدوءها مؤقتًا، بينما يبقى الاحتقان قائمًا.

أما إذا جمعت بين تطبيق القانون وإصلاح الخدمات ومعالجة الضغوط المعيشية، فقد تتمكن من احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى عبء أكبر على

الاستقرار السياسي.

فرنسا اليوم لا تواجه معركة مع مثيري الشغب وحدهم؛ إنها تواجه امتحانًا مزدوجًا للأمن والعدالة الاجتماعية. وما سيحدد مستقبلها ليس عدد المتاجر

المحطمة فقط، بل قدرتها على منع تكرار المشهد ومعالجة الأسباب التي دفعت الغضب إلى الشوارع.

شارك المقال:

شاركنا برأيك