حزب الله اللبناني وخيار الاتفاق الدائم
الهدنة القائمة لم تُبنَ على تسوية شاملة، بل على توازن مؤقت أبقى القضايا الجوهرية معلقة، وفي مقدمتها طبيعة الوجود العسكري، وحدود حرية الحركة، ومستقبل معادلة الردع نفسها.

صورة تعبيرية للمقال
في لحظة سياسية مفصلية، حملت التصريحات الرئاسية اللبنانية الأخيرة تحولًا نوعيًا، إذ لم تكتفِ بالدعوة إلى تثبيت الهدنة، بل طرحت بوضوح إمكانية تحويلها إلى اتفاق دائم يضمن الاستقرار طويل الأمد.
الانتقال من إدارة الاشتباك إلى تثبيته
هذا التحول في الخطاب لا يعكس مجرد رغبة سياسية عابرة، بل يكشف عن ضغط متزايد — داخليًا وخارجيًا — يدفع نحو الانتقال من إدارة الاشتباك إلى محاولة تثبيته ضمن إطار أكثر استقرارًا¹.
غير أن هذا الطرح، على ما يبدو من وجاهته، يصطدم منذ لحظته الأولى بحدود بنيوية واضحة.
توازن موقت أنتج الهدنة
فالهدنة القائمة لم تُبنَ على تسوية شاملة، بل على توازن مؤقت أبقى القضايا الجوهرية معلقة، وفي مقدمتها طبيعة الوجود العسكري، وحدود حرية الحركة، ومستقبل معادلة الردع نفسها.
ومن ثم، فإن الانتقال من حالة مؤقتة إلى صيغة دائمة لا يتطلب قرارًا سياسيًا فحسب، بل تغيرًا في الشروط التي أنتجت هذه الحالة.
د. محمد الغمري يكتب: هم الحرب البرية ضد إيران
د. محمد الغمري يكتب: ترامب “الكابوي” حين تتحول الأسطورة إلى ترند
محمد الغمري يكتب: هدنة الأيام العشر في لبنان
د. محمد الغمري يكتب: اختبار لبنان
استجابة لضغط من داخل التوازن
في هذا السياق، لا يمكن قراءة الدعوة إلى اتفاق دائم بوصفها مسارًا تفاوضيًا مكتملًا، بل كاستجابة لضغط يتولد من داخل التوازن نفسه.
فحين ترتفع كلفة الحسم إلى حد يمنع وقوعه، وتبقى أسباب الصراع قائمة بما يحول دون إنهائه، لا يُنتج الواقع تسوية، بل يعيد إنتاج التهدئة بوصفها صيغة مستقرة لإدارة التوتر.
وهنا، لا تكون الهدنة مرحلة انتقالية نحو السلام، بل آلية بديلة عنه.
حزب الله العقدة المركزية
ضمن هذه البنية، يبرز موقع «حزب الله» بوصفه العقدة المركزية في أي معادلة اتفاق دائم.
فالحزب لا يتحرك كفاعل محلي صرف، بل كامتداد لمنظومة ردع إقليمية أوسع، تتداخل فيها حساباته مع توازنات تتجاوز الإطار اللبناني.
وقد أشار ولي نصر إلى أن ترابط الساحات في الاستراتيجية الإيرانية يجعل أي تحول في لبنان مشروطًا بتحولات موازية في العلاقة بين طهران وواشنطن.
معادلة الردع
في المقابل، يرى أوغستس ريتشارد نورتون أن «حزب الله» قد يُبدي مرونة في الترتيبات المرحلية، لكنه يحتفظ بثوابت استراتيجية، وعلى رأسها الحفاظ على معادلة الردع، ما يجعل انخراطه في اتفاق دائم مقيدًا بحدود لا يمكن تجاوزها دون إعادة تعريف جوهر دوره.
أما على المستوى الدولي، فتشير تقديرات مجموعة الأزمات الدولية إلى أن أي استقرار مستدام في لبنان يظل مرهونًا ببيئة إقليمية أكثر استقرارًا، وهو شرط لم يتوفر بعد.
توافق التسوية مع البنية السياسية
كما تؤكد مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن أي تسوية لا تنسجم مع البنية السياسية والاجتماعية الداخلية ستظل عرضة للاهتزاز، مهما بدت متماسكة في ظاهرها.
في هذا الإطار، لا يظهر لبنان كفاعل قادر على إنتاج مساره، بل كـ”حامل ضغط” تتقاطع عنده توازنات متعددة، يُعاد تشكيل واقعه وفقها أكثر مما يصوغها بنفسه.
الاتفاق يتجاوز حدود لبنان
فهو ليس مجرد ساحة صراع، ولا طرفًا مستقلاً بالكامل، بل نقطة تموضع تتجسد فيها حدود القوة لدى الآخرين، ما يجعل أي اتفاق دائم يتجاوز قدرته الداخلية ليصبح رهينة لتحولات خارجية أوسع.
بهذا المعنى، تتكشف البنية الحاكمة بوضوح: صراع لا يُحسم لأنه مرتفع الكلفة، ولا يُمنع لأنه قائم الأسباب، فيُعاد إنتاجه في صورة تهدئة قابلة للاستمرار.
فكل اندفاعة نحو التصعيد تصطدم بقيود تكبحها، وكل محاولة نحو التسوية تصطدم بشروط تمنع اكتمالها، فينشأ بينهما مجال مغلق يتحرك داخله الواقع دون أن يخرج منه.
المآلات والاحتمالات
وانطلاقًا من هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة مآلات رئيسية تتفاوت احتمالاتها، دون أن تخرج عن الإطار الحاكم ذاته.
الاحتمال الأعلى حظا
الاحتمال الأعلى، ويُقدّر بنحو (60–65%)، يتمثل في استمرار الوضع القائم بصيغته الحالية، حيث تُمدد التهدئة بشكل غير رسمي، مع خروقات محدودة، دون الوصول إلى اتفاق دائم حقيقي.
في هذا السيناريو، لا يتحقق السلام، لكن يتم احتواء الحرب ضمن حدود يمكن التحكم بها.
الاحتمال الثاني
أما الاحتمال الثاني، ويُقدّر بنحو (25–30%)، فيتجسد في التوصل إلى اتفاق طويل الأمد بصيغة مقيدة، يتضمن ترتيبات أمنية جزئية وضبطًا نسبيًا لسلوك الأطراف، دون أن يمس جوهر معادلة الردع.
وهو اتفاق يُعيد تنظيم التوازن القائم، دون أن ينهي أسبابه، ما يجعله عرضة للاهتزاز عند تغير الظروف.
احتمال الانزلاق إلى التصعيد
في المقابل، يبقى احتمال الانزلاق إلى تصعيد واسع قائمًا، وإن بدرجة أقل (10–15%)، ويرتبط بحدوث خرق كبير لقواعد الاشتباك أو فقدان السيطرة على الإيقاع الميداني.
وفي هذه الحالة، قد يتحول التوتر المحدود إلى مواجهة أوسع تعيد تشكيل المشهد بالكامل.
وفي لحظة التكثيف، يمكن القول إن ما يُطرح كاتفاق دائم، في شروطه الراهنة، ليس إلا محاولة لتثبيت هذا التوازن الهش، لا تجاوزه؛ أي تثبيت الاستقرار بوصفه حالة قابلة للاستمرار، لا تأسيسه كحالة مستقرة نهائية.
لا يبدو هناك انتقال للسلام
في النهاية، لا يبدو لبنان أمام انتقال فعلي من الحرب إلى السلام، بل داخل بنية تُنتج كليهما دون أن تستقر على أي منهما.
ومن دون تغير في الشروط الإقليمية — وعلى رأسها طبيعة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة — سيظل الاتفاق الدائم مؤجلًا، لا لأنه مرفوض، بل لأنه غير ممكن ضمن منطق لم يتبدل بعد.
وعليه، فإن السؤال لم يعد: هل يمكن الوصول إلى تسوية؟ بل: متى تتغير الشروط التي تجعلها ممكنة؟





