محمد سعد عبد اللطيف يكتب: من الهند إلى القاهرة مستقبل السياحة المصرية
إذا كان جامع الحاكم بأمر الله يستدعي الذاكرة الفاطمية لدى البهرة، فإن مسجد الظاهر بيبرس يفتح نافذة أخرى على العلاقة بين مصر وآسيا الوسطى
صورة مسجد الحسين
لماذا يأتي هنود من طائفة البهرة إلى جامع الحاكم بأمر الله؟ وما الذي يدفع كازاخستان إلى المشاركة في ترميم مسجد السلطان الظاهر بيبرس
بالقاهرة؟ وهل يمكن أن تتحول مساجد القاهرة التاريخية إلى جسور تربط مصر بشعوب بعيدة جغرافيًا، لكنها قريبة منها في الذاكرة الدينية والتاريخية؟
هذه الأسئلة تفتح أمامنا بابًا لفهم مفهوم مهم في الدراسات الجغرافية، هو الجغرافيا الدينية، أي دراسة العلاقة بين الدين والمكان وحركة البشر،
وكيف تتحول المواقع المقدسة والآثار الدينية إلى نقاط جذب تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
الجغرافيا الدينية.. حين تتجاوز الذاكرة حدود الدول
ليست كل الرحلات التي يقوم بها الإنسان بحثًا عن مكان جديد رحلات ترفيهية. هناك رحلات تحركها الذاكرة، والانتماء الديني، والرغبة في استعادة تاريخ
الجماعة، وزيارة الأماكن التي تحمل رمزية خاصة في وجدانها.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم جانب من اهتمام الهنود من طائفة البهرة بالقاهرة الفاطمية، واهتمام الكازاخ بتراث السلطان الظاهر بيبرس.
فالقاهرة التي تأسست في العصر الفاطمي عام 969م، لم تكن مجرد عاصمة سياسية، بل أصبحت مركزًا دينيًا وثقافيًا ترك أثره في مناطق واسعة من العالم الإسلامي.
ولا تزال مساجدها التاريخية تحمل شواهد على تلك المرحلة، وفي مقدمتها جامع الحاكم بأمر الله، الذي بدأ بناؤه في عهد الخليفة العزيز بالله سنة 990
م تقريبًا، واكتمل في عهد ابنه الحاكم بأمر الله سنة 1013م.
إن المكان هنا ليس حجارة صامتة، بل ذاكرة تاريخية تستدعيها جماعات دينية وشعوب مختلفة، كل منها ترى فيه جانبًا من تاريخها الخاص.
من هم البهرة؟ ولماذا يهتمون بمساجد القاهرة؟
البهرة الداوودية جماعة دينية إسلامية تتبع الفرع الطيبي من الإسماعيلية المستعلية، وتتركز أعداد كبيرة منها في الهند، خاصة في ولاية جوجارات، ولها امتدادات في بلدان أخرى.
وترتبط هويتها الدينية والتاريخية بالتراث الفاطمي، الذي ازدهر في مصر بين القرنين العاشر والثاني عشر الميلاديين.
وهنا نفهم سر العلاقة التي تربط هذه الجماعة بجامع الحاكم بأمر الله، الذي يمثل أحد أبرز المعالم الباقية من العصر الفاطمي في القاهرة.
لكن الحكاية لا تقف عند حدود الزيارة الدينية، بل امتدت إلى المشاركة في ترميم آثار إسلامية مصرية.
فقد شهد جامع الحاكم بأمر الله أعمال ترميم واسعة في عام 1980 بدعم من قيادة طائفة البهرة آنذاك، ثم تجدد التعاون مع السلطات المصرية في
مشروعات ترميم لاحقة، من بينها أعمال بدأت عام 2017، أعقبها افتتاح المسجد بعد تجديده في فبراير 2023.
كما شاركت الجماعة في أعمال تطوير وترميم مسجد السيدة نفيسة، الذي افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي في أغسطس 2023، ثم مسجد السيدة
زينب الذي افتتح بعد تطويره في مايو 2024 بحضور السلطان مفضل سيف الدين، زعيم طائفة البهرة.
وتكشف هذه المشروعات عن نموذج للتعاون بين الدولة المصرية وجماعة دينية ذات امتداد دولي، بهدف الحفاظ على معالم تاريخية ذات قيمة دينية وثقافية.
ومن المهم هنا أن نميز بين الرعاية الدينية التي تمنحها الجماعة لهذه المواقع، وبين ملكية الآثار وإدارتها؛ فالمساجد والآثار المصرية تظل خاضعة
للسيادة المصرية والأطر القانونية والمؤسسية المنظمة لحمايتها.
الظاهر بيبرس.. من سهوب آسيا الوسطى إلى القاهرة
إذا كان جامع الحاكم بأمر الله يستدعي الذاكرة الفاطمية لدى البهرة، فإن مسجد الظاهر بيبرس يفتح نافذة أخرى على العلاقة بين مصر وآسيا الوسطى.
فالسلطان الظاهر بيبرس، الذي حكم مصر بين عامي 1260 و1277م، كان من أبرز سلاطين المماليك، وارتبط اسمه بمواجهة المغول والصليبيين،
وبمرحلة مهمة من تاريخ مصر والشام.
وتعود أصوله إلى عالم السهوب الذي ارتبط تاريخيًا بالقبجاق، في منطقة واسعة من أوراسيا، مع ضرورة عدم إسقاط الحدود والجنسية الحديثة على
الهويات التي كانت سائدة في القرن الثالث عشر.
ومن هنا اكتسب بيبرس مكانة في الذاكرة التاريخية لكازاخستان، التي رأت في ترميم مسجده بالقاهرة فرصة لإحياء صلة تاريخية وثقافية بمصر.
وفي عام 2007 وُقع اتفاق لترميم المسجد، وبلغت التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 12 مليون دولار، ساهمت كازاخستان منها بمبلغ 4.5 مليون دولار،
فيما ساهمت مصر ببقية التمويل وفق البيانات الرسمية الكازاخية.
وأعيد افتتاح المسجد في يونيو 2023، في مناسبة ارتبطت بالاحتفال بمرور ثمانية قرون على ميلاد السلطان بيبرس.
وهكذا أصبح المسجد أكثر من أثر معماري؛ فهو مساحة للتعاون الثقافي والدبلوماسي، ونقطة اتصال بين تاريخ مصر وتاريخ شعب في آسيا الوسطى.
مستقبل السياحة المصرية.. ما الذي يمكن أن نتعلمه؟
تملك مصر ميزة جغرافية وتاريخية استثنائية. ففي مساحة واحدة تتجاور الحضارة الفرعونية والآثار اليونانية والرومانية، والتراث القبطي، والمساجد
الإسلامية، والكنائس التاريخية، والمواقع التي ترتبط بذاكرة دينية ممتدة عبر قرون.
لكن امتلاك هذا التراث لا يكفي وحده لصناعة مستقبل سياحي مستدام. فالسؤال الحقيقي هو كيف نحول الآثار من مواقع للزيارة العابرة إلى تجربة
ثقافية متكاملة، تجعل السائح يفهم التاريخ ويعيش تفاصيله، ويجد أسبابًا للعودة مرة أخرى.
إن الجغرافيا الدينية يمكن أن تساعد في بناء مسارات سياحية موجهة، منها مسار للتراث الفاطمي يضم جامع الحاكم بأمر الله والأزهر وشارع المعز،
ومسار للعمارة المملوكية يضم مسجد الظاهر بيبرس ومجموعة من المنشآت التاريخية الأخرى، إلى جانب مسارات التراث القبطي ومواقع العائلة المقدسة.
ويمكن تطوير هذه المسارات من خلال مرشدين متخصصين، ومتاحف رقمية، ومواد تعريفية بلغات الزوار، وربط الزيارة بالمراكز الثقافية والجامعات
والمؤسسات البحثية في الدول التي تربطها بمصر صلات تاريخية.
كما يمكن توسيع التعاون مع الجماعات الدينية والمؤسسات الثقافية الأجنبية، شريطة أن يظل الحفاظ على الأثر وقرارات ترميمه وإدارته قائمًا على
المعايير العلمية المصرية، وألا تتحول المشاركة في التمويل إلى بديل عن مسؤولية الدولة في حماية تراثها.
القاهرة.. عاصمة تتجاوز حدود الجغرافيا
إن زيارة الهنود والكازاخ لمساجد القاهرة لا تعني أن دوافعهم واحدة، ولا أن كل زيارة تحمل بالضرورة غرضًا سياسيًا أو دينيًا محددًا. لكنها تكشف عن
حقيقة أوسع: أن المدن التاريخية الكبرى تحتفظ بقوة جذب تتجاوز المسافات، حين تمتلك ذاكرة تتصل بشعوب متعددة.
وهنا تكمن أهمية الجغرافيا الدينية في قراءة مستقبل مصر السياحي. فالقاهرة ليست مجرد محطة في برنامج سياحي، بل مدينة يمكن أن تصبح مركزًا
دوليًا لدراسة التراث الإسلامي، ومقصدًا للباحثين والمهتمين بتاريخ المذاهب والعمارة والحضارات.
إن الاستثمار الحقيقي في الآثار لا يقاس فقط بعدد الزائرين، بل بقدرتنا على تحويل التاريخ إلى معرفة، والمعرفة إلى تعاون ثقافي، والتعاون إلى فرص اقتصادية مستدامة.
فمساجد القاهرة ليست ملكًا للماضي وحده، بل يمكن أن تكون جسرًا نحو المستقبل، إذا أحسنا قراءة الجغرافيا التي صنعت مكانتها، وحافظنا على
ذاكرتها، وقدمناها للعالم باعتبارها جزءًا من التراث الإنساني المشترك، مع بقاء مسؤولية حمايتها وصونها في يد الدولة المصرية!
شاركنا برأيك