علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
اقتصاد
ماريا أيمن خالد
ماريا أيمن خالد

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

الدولار يعزّز حضوره في العالم الرقمي.. هل تقوّض العملات المستقرة هيمنته من الداخل؟

لا يعني ارتفاع قيمة العملات المستقرة بالضرورة دخول أموال جديدة إلى الاقتصاد الأميركي. ويوضح نيكولا بولدريني أن تحويل وديعة دولارية إلى عملة مستقرة قد يغيّر شكل الاحتفاظ بالأموال، من دون أن يولّد طلباً إضافياً على الدولار.

مشاركة:
حجم الخط:

لم يعد نفوذ الدولار الأميركي يقتصر على التجارة الدولية والاحتياطيات النقدية والبنوك، بل امتد إلى المحافظ الرقمية ومنصات تداول الأصول المشفرة.

وتمنح العملات المستقرة المرتبطة بالدولار العملة الأميركية وسيلة جديدة للوصول إلى المستخدمين حول العالم، لكنها تفتح في الوقت نفسه باباً لتحديات مالية وتنظيمية قد تؤثر في استقرار الأنظمة المصرفية وقدرة واشنطن على مراقبة حركة الأموال عبر الحدود.

وبحسب تقرير «كوين ديسك» الصادر في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ارتفعت القيمة السوقية للعملات المستقرة بنسبة 1.29% خلال سبتمبر/أيلول، لتصل إلى 313 مليار دولار.

وقدّر صندوق النقد الدولي، في أغسطس/آب الماضي، أن نحو 99% من هذه العملات مقوّم بالدولار، ما يعكس ارتباط نمو هذا السوق بالعملة الأميركية، رغم ظهور إصدارات مرتبطة بعملات أخرى. 

والعملات المستقرة أصول رقمية تصدرها جهات خاصة، وتهدف إلى الحفاظ على قيمة مستقرة، غالباً عند دولار واحد للوحدة. ومن أبرزها «يو إس دي تي» (USDT)، الصادرة عن شركة تيثر، و«يو إس دي سي» (USDC)، الصادرة عن شركة سيركل.

وتعتمد هذه العملات، في إصداراتها المدعومة بالعملات التقليدية، على احتياطيات تشمل أذون الخزانة والودائع النقدية وأصولاً أخرى، لكن طبيعة الضمانات وشروط استرداد الأموال تختلف من جهة إلى أخرى.

هل يخلق انتشارها طلباً جديداً على الدولار؟

لا يعني ارتفاع قيمة العملات المستقرة بالضرورة دخول أموال جديدة إلى الاقتصاد الأميركي. ويوضح نيكولا بولدريني، رئيس التسويق في شركة «فينش تريد» السويسرية المتخصصة في سيولة الأصول الرقمية للمؤسسات، أن تحويل وديعة دولارية إلى عملة مستقرة قد يغيّر شكل الاحتفاظ بالأموال، من دون أن يولّد طلباً إضافياً على الدولار.

لكن الصورة تختلف عندما ينتقل الأفراد والشركات من العملات المحلية إلى الأصول الرقمية المرتبطة بالدولار، خصوصاً في البلدان التي تعاني التضخم أو تقلب أسعار الصرف.

ففي هذه الحالة، قد تتجه مدخرات جديدة نحو الأصول الدولارية، ما يعزز انتشار العملة الأميركية خارج القنوات المصرفية التقليدية.

ويشير راي يانغ، مؤسس شركة «واسابي كارد» ورئيسها التنفيذي، إلى صعوبة تحديد حجم الطلب الجديد بدقة، بسبب الحاجة إلى بيانات تفصيلية عن الإصدار والاسترداد ومصادر الأموال وتوزيع المستخدمين جغرافياً. ولذلك، لا يكفي قياس حجم التداول على شبكات البلوك تشين للحكم على مدى توسع الطلب العالمي على الدولار.

سندات الخزانة.. منفعة مالية لواشنطن

يمتد تأثير العملات المستقرة إلى سوق الدين الأميركي، إذ تستثمر الجهات المصدرة جزءاً كبيراً من احتياطياتها في أذون الخزانة قصيرة الأجل واتفاقيات إعادة الشراء، لدعم قدرتها على تلبية طلبات الاسترداد.

وفي دراسة نُشرت في 28 سبتمبر/أيلول 2026، أفاد بنك الاحتياطي الفدرالي في سان فرانسيسكو بأن حيازات أكبر جهتين مصدرتين للعملات المستقرة من أدوات الخزانة ارتفعت بنحو 200 مليار دولار خلال خمس سنوات. وأسهم هذا الطلب جزئياً في تعويض تراجع حيازات الصين من الدين الأميركي.

ووفق الدراسة، قد تصل حيازات الجهات المصدرة إلى نحو 400 مليار دولار بحلول نهاية عام 2030 إذا استمر الاتجاه الحالي. ومع ذلك، يظل هذا التقدير مشروطاً باستمرار نمو السوق، كما تبقى الحيازات المتوقعة محدودة مقارنة باحتياجات الحكومة الأميركية التمويلية.

لكن تعزيز الطلب على سندات الخزانة لا يعني بالضرورة ارتفاع سعر صرف الدولار.

فقد خلصت دراسة منشورة ضمن أوراق عمل صندوق النقد الدولي في مارس/آذار 2026 إلى أن زيادة القيمة السوقية المشتركة لعملتي «يو إس دي سي» و«يو إس دي تي» بنسبة 1% قد تخفض عائد أذون الخزانة لأجل شهر بنحو 1.9 نقطة أساس عند أقصى استجابة، بالتزامن مع تراجع محدود في مؤشر الدولار الواسع بنحو 0.09%.

وتُظهر النتائج أن نمو العملات المستقرة قد يدعم تمويل الحكومة الأميركية، بينما يؤثر في الوقت نفسه في حركة العوائد وتوزيع المحافظ الاستثمارية. 

مدفوعات أسرع.. ودولرة تتجاوز الحدود

تمنح العملات المستقرة المستخدمين وسيلة لتحويل الأموال عبر الحدود على مدار الساعة، بما في ذلك عطلات نهاية الأسبوع، وقد تقلل الاعتماد على الوسطاء المصرفيين وتكاليف التسوية.

وتبرز أهميتها في تحويلات العاملين بالخارج ومدفوعات الشركات، ولا سيما في المسارات التي تتسم بالبطء وارتفاع الرسوم.

ووفق صندوق النقد الدولي، يمكن أن تكون تكلفة التحويل باستخدام هذه العملات أقل من متوسط التكلفة العالمية للتحويلات، البالغ 6.5%.

غير أن التوفير الفعلي يختلف بحسب البلد ورسوم شراء العملات الرقمية وتحويلها مجدداً إلى نقد، فضلاً عن فروق أسعار الصرف.

وفي الاقتصادات الناشئة، قد يتحول هذا التطور إلى وسيلة لتوسيع الدولرة، إذ يستطيع الأفراد الاحتفاظ بقيمة مرتبطة بالدولار عبر الهاتف، من دون الحاجة إلى حساب مصرفي أميركي.

وقد يضعف ذلك الطلب على العملة المحلية، ويزيد صعوبة إدارة تدفقات رأس المال والسياسة النقدية، خصوصاً عندما تتراجع الثقة بالعملة الوطنية.

التنظيم.. معركة النفوذ المقبلة

تدرك واشنطن أن العملات المستقرة ليست مجرد ابتكار مالي، بل جزء من مستقبل المدفوعات الرقمية ومن المنافسة على النفوذ النقدي.

وقد أقرّت الولايات المتحدة قانون «جينيوس» في يوليو/تموز 2025 لتنظيم هذا القطاع، فيما تستمر الجهود الرامية إلى وضع قواعد تفصيلية للإصدار والاحتياطيات والرقابة.

ومع ذلك، فإن توسيع استخدام الدولار رقمياً لا يضمن بقاء هيمنته بلا تحديات. فالمخاطر المرتبطة بجودة الاحتياطيات، واحتمال اندفاع المستخدمين إلى الاسترداد الجماعي، وانتقال الأموال سريعاً من العملات المحلية، تفرض على الجهات التنظيمية موازنة الابتكار مع الاستقرار المالي.

وفي المحصلة، تمنح العملات المستقرة الدولار قناة جديدة للانتشار، وتوفر للحكومة الأميركية مصدراً إضافياً للطلب على ديونها، لكنها لا تخلق بالضرورة طلباً صافياً جديداً على العملة، ولا تضمن ارتفاع قيمتها.

والمفارقة أن التكنولوجيا التي توسّع نفوذ الدولار قد تجعل حركة الأموال أقل ارتباطاً بالمؤسسات التقليدية، بما يغيّر أدوات الرقابة والسياسة النقدية التي استند إليها هذا النفوذ لعقود.

شارك المقال:

شاركنا برأيك