علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
مصطفى السعيد
مصطفى السعيد

كاتب صحفي

مصطفى السعيد يكتب: إحتجاجات فرنسا تتمدد من شرارة مدرسة ثانوية

وتشتعل فرنسا وتشهد صدامات أوقعت مئات المصابين من الجانبين، وإلقاء القبض على أعداد كبيرة من التلاميذ والمعلمين والمتظاهرين الداعمين.

مشاركة:
حجم الخط:

يتسع نطاق الإحتجاجات في فرنسا، ودخلت أسبوعها الثالث، رغم إغلاق مئات المدارس الثانوية التي إنطلقت منها شرارة الإحتجاجات العارمة، وسط مخاوف من تمددها إلى مناطق وقطاعات أوسع، خاصة مع إعلان نقابات للموظفين والعمال عن تضامنهم مع طلاب المدارس الثانوية، ودخول طلاب الجامعات على مسار الإحتجاجات.

كانت الأمور تبدو هادئة على السطح، بينما ينتاب القلق أعدادا واسعة من الفرنسيين، سواء من الأزمة الإقتصادية التي تظهر أعراضها على ارتفاع الأسعار، وتراجع مستوى الخدمات.

أو الأزمة السياسية التي تحكم فيها الأقلية، نتيجة إنقسام البرلمان بين كتلتين رئيسيتين هما اليمين القومي واليسار الراديكالي، مما سمح لتشكيل حكومي لا يستند إلا لأقلية من النواب بالبقاء، بل كان الرئيس ماكرون قد فاز بصعوبة في دورته الأخيرة، بفضل رفض اليسار الراديكالي التصويت لمرشحة اليمين القومي مارين لوبان.

بين الأزمتين الإقتصادية والسياسية إنطلقت شرارة الإحتجاجات من مدرسة سان إكزوبيري الواقعة في ضاحية كرتاييه في باريس.

كان السبب يبدو بسيطا عندما احتج معلمو المدرسة على نقص عدد المعلمين والموظفين وسوء حالة الفصول، فانضم إليهم تلاميذ المدرسة، الذين خرجوا من إلى الفصول وهتفوا أمام المدرسة.

لتنطلق الشرارة إلى عشرات ثم مئات المدارس الثانوية، وتخرج إلى الشوارع والميادين في مسيرات، وعندما اعترضتها الشرطة وقعت بعض أحداث الشغب، لترد الشرطة بالغاز المسيل للدموع، مما أثار الغضب والتعاطف، لتنضم مدارس وجامعات ونقابات وأحزاب إلى مسيرات الغضب.

وتشتعل فرنسا وتشهد صدامات أوقعت مئات المصابين من الجانبين، وإلقاء القبض على أعداد كبيرة من التلاميذ والمعلمين والمتظاهرين الداعمين.

سعت الحكومة الفرنسية إلى إحتواء الأزمة، والدعوة إلى حوار يحدد المطالب والحلول، وتعهد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بوضع خطة للتعامل مع الأزمة بحلول نهاية الشهر الجاري.

الشرطة الفرنسية في مواجهة احتجاجات الطلبة في فرنسا
الشرطة الفرنسية في مواجهة احتجاجات الطلبة في فرنسا

السرعة التي تمددت بها حركة الإحتجاجات كانت ملفتة

وربما يعود السبب إلى أعمار المشاركين الصغيرة، ونشاطهم في منصات التواصل الإجتماعي، وانطلاق الإحتجاجات من مدارس الضواحي الفقيرة، التي تعاني من أوضاع إقتصادية ومعيشية صعبة، وسبق أن إنطلقت منها إحتجاجات عنيفة.

القلق الحكومي من إتساع نظاق المظاهرات يستند إلى وجود دعوات للحشد الواسع، وانضمام طلاب الجامعات إلى طلاب الثانويات، مما يعطيها زخما أشد، وكذلك نقابات للمعلمين والموظفين والعمال.

 لا تتركز الإحتجاجات في نطاق العاصمة، إنما إمتدت إلى المدن الكبرى، وتواجه الشرطة صعوبة كبيرة في السيطرة على المظاهرات.

رغم سلمية معظم المسيرات، تحدث اشتباكات وتندلع حرائق وعمليات عنف، وعند استخدام خراطيم المياه وقنابل الغاز يشتد غضب الأهالي من تعرض أبنائهم القصر إلى الأذى.

يتسع التعاطف مع التلاميذ الذين يرفعون شعارات تطالب بتحسين أوضاع المدارس والمعلمين

أحزاب المعارضة تلقي باللوم على الحكومة وسياسات التقشف في مجال الخدمات، وتقديم دعم متزايد إلى أوكرانيا في حربها ضد روسيا، في وقت ارتفعت فيه الديون إلى معدلات خطيرة، تتجاوز الناتج الإجمالي السنوي بنحو 20%، وتضرب حاجز الأربعة ترليونات دولار.

زاد من حدة الأزمة الإقتصادية إرتفاع معدل الفائدة على السندات الحكومية، وبالتالي أضيفت المزيد من الأعباء على الحكومة الفرنسية، التي أخذت ترفع الإنفاق العسكري في ظل المخاوف من اتساع الحرب الأوكرانية لتشمل أوروبا.

ظلال الحرب في أوكرانيا تخيم على مشهد إقتصادي صعب، خاصة مع تراجع الولايات المتحدة عن تحمل تكلفة الحرب، وإلقاء المسئولية على دول الإتحاد الأوروبي المصممة على مواصلة الحرب ولا تبدي حماسا لمفاوضات مع روسيا لوضع حد لتلك الحرب، التي أثقلت كاهل أوروبا بإنفاق متزايد على النفط والغاز، بعد أن قررت الإمتناع عن غاز ونفط روسيا الرخيصين، واعتمدت على الإستيراد من الولايات المتحدة بزيادة تبلغ أربعة أضعاف سعر الشراء السبق من روسيا، وكان من نتائجه توقف عدد من الصناعات، وصعوبة منافسة المنتجات الأوروبية في الأسواق العالمية.

الوضع السياسي الهش في فرنسا وتعاقب وتغيير الحكومات بسبب فقدان الحكومة للأغلبية وضع فرنسا أمام معضلات صعبة، فالأقلية تحكم، والرأي العام غاضب من التضخم وتردي الخدمات، وتكاليف الحرب كبيرة وليس هناك أفق للحل، واليمين القومي يواصل الصعود، والمرجح أن يصل إلى سدة الرئاسة في إنتخابات العام المقبل.

تأخر الوصول إلى حلول تنهي موجة الإحتجاجات يمكن أن يفاقم الأوضاع، وتنضم قطاعات أوسع من السكان إلى التلاميذ، ومعها يرتفع سقف المطالب إلى ما تعجز الحكومة الفرنسية عن تحقيقه.

 قد تتسع الإحتجاجات لتصل إلى دول أوروبية أخرى تواجه مشكلات متشابهة في أزمات الديون والتضخم والإنفاق على الحرب الأوكرانية والأزمات السياسية، وهو ما يمكن أن ينتج حالة شبيهة بثورة الشباب في فرنسا، والتي إنطلقت في مايو 1968 من الجامعات، وتمددت إلى قطاعات أوسع من المجتمع، وتخطت حدود فرنسا إلى أوروبا والولايات المتحدة وبلدان أخرى.

شارك المقال:

شاركنا برأيك