مصطفي السعيد يكتب: نهاية 50 عاما من الإنحطاط “الحقبة الخليجية”
كان لسفر العمالة بكثافة إلى دول الخليج آثارا إقتصادية واجتماعية وسياسية وأخلاقية خطيرة للغاية، فعلى الصعيد الإقتصادي فرغت دول الخليج العمالة والخبرات الكفاءات، ترسل أموالا لتشتري سلعا مستوردة، دمرت الصناعات المحلية.
كان ظهور النفط الخليج بداية عصر من الانحطاط الاستهلاكي والثقافي
ظهرت في الأفق علامات نهاية حقبة الإنحطاط التي تسيدت فيها دول الخليج المنطقة العربية، ولم يقف الإنحطاط عند حدود المنطقة العربية، بل تعداها، لارتباط دول الإنحطاط بالمشروع الإستعماري الصهيو.أمريكي.
فكان لدول الخليج دور رئيسي في إسقاط الإتحاد السوفييتي، ليس من خلال إنشاء وتمويل جماعات وهابية مثل القاعدة وغيرها فحسب، بل كان الأهم أنها عندت إلى رفع إنتاج البترول بصورة مفرطة، لتخسف بسعره الأرض.
بالطبع لا يهمها خسارتها، طالما ستخدم المشروع الإستعماري، وبالفعل انهارت عائدات الإتحاد السوفييتي لسنوات، عمقت أزمته الإقتصادية، لتكون أحد الأسباب الرئيسية لانهياره.
مصطفى السعيد يكتب: هل تنقذ الحروب الإقتصاد الأمريكي من الإنهيار؟
كان نفط الخليج من أنقذ الدولار الأمريكي عندما قرر الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون وقف ربط الدولار بالذهب
ليأتي ربط صادرات نفط الخليج بالدولار لينقذ مكانة الدولار كعملة مرجعية، ليستمر الدولار في موقع الهيمنة، وتصبح دول الخليج أحد أهم دعائم الهيمنة الأمريكية.
كانت دول الخليج الممول لحرب العراق على إيران، والتي راح ضحيتها نحو مليون قتيل من الجانبين، واستمرت 8 سنوات، بفضل تمويل تلك الدول لصفقات السلاح إلى صدام حسين ليستمر في الحرب، مستفيدا من تفكك الجيش الإيراني بعد انهيار حكم الشاه.
مولت دول الحليج كل الأحزاب والجماعات المعادية للمقاومة، وفي لبنان دعمت أحزاب جعجع والجميل وجنبلاط وجماعات سلفية وشكلت حزبا مواليا للسعودية، يحمل رئيسه جنسيتها، وتولى رئاسة الوزراء.
وفعلت ذلك أيضا في العراق أثناء حكم الإحتلال الأمريكي
ومازالت تمول الجماعات والأحزاب والشخصيات الموالية للإحتلال، والتي تتمسك ببقاء القوات الأمريكية، واستمرار تحويل أموال بيع النفط إلى البنك الفيدرالي الأمريكي حتى الآن.
الأموال الخليجية تواصل تدميرها للثقافة والفن وأفكار التحرر الوطني في كل أنحاء المنطقة، وفي المركز منها مصر، وتركي آل الشيخ واحد من أبرز النماذج، وجمع حوله رجال أعمال وممثلين ومغنيين، ومطربو الساحل نموذجا.
تسيطر دول الخليج على الإعلام العربي، قنوات فضائية وصحف، وتغلغلت إلى الكثير جدا من القنوات والصحف الوطنية، عبر تقديم دعم إلى جتنب مكافآت للإعلاميين والصحفيين حيث أنشأت جوائز ومسابقات في مجالات صحفية وأدبية، وتدعم دور نشر وأنشطة متنوعة
اعترفت دول الخليج بأنها استجابت للطلب الأمريكي بنشر الرؤية الوهابية للإسلام
والتي رأت فيها المخابرات الأمريكية أداة فعالة في مواجهة خصومها، والسيطرة على جماعات يسهل توجيهها لتنفيذ الأجندة السياسية الأمريكية، وهدم المجتمعات التي تخطط للسيطرة عليها، من خلال مجموعات من الدعاة الذين يمكن توجيههم لتنفيذ تلك المخططات وكأنها تعاليم دينية، وبالفعل كانت أداة فعالة للغاية، وحققت نجاحات لم تستطع الجيوش تنفيذها.
كان لسفر العمالة بكثافة إلى دول الخليج آثارا إقتصادية واجتماعية وسياسية وأخلاقية خطيرة للغاية، فعلى الصعيد الإقتصادي فرغت دول الخليج العمالة والخبرات الكفاءات، ترسل أموالا لتشتري سلعا مستوردة، دمرت الصناعات المحلية.
وأنتجت طبفة من التجار والمستوردين تصدروا المجتمع، وليس من مصلحتهم أن تنتعش الصناعة الوطنية، بل عليهم محاربة المنتج المحلي ليأتوا بالمستورد، ويجنوا الأرباح الهائلة.
تمكن هذه الطبقة ترك بصماته على السياسات وليس الإقتصاد فقط، فهي بحكم تبعيتها للمركز الأجنبي في الإقتصاد، فالوكيل للشركة الأجنبية يتأثر بسياساتها، ليصبح الوكيل مع استمرار وتقوية التبعية.
لا توجد نقابات مهنية أو عمالية، ولا حتى قوانين تحمي العمالة
إنما نظام الكفيل، والإذعان المطلق لهذا الكفيل الذي يتحكم في العمالة، فهو من يرفع الأجرد ومن يطرد بلا سبب قانوني، يتحكم في كل شيء، ويحتفظ بوثيقة السفر لديه.
فكان لتأثير هذا النظام أثره على العائدين، الذين دمروا بلا وعي الإرث النضالي الذي حمى حقوق العمال والمهنيين من خلال القانون والنقابات، ليضيع إرث طويل من نظام قانوني وأعراف تحدد حقوق وواجبات أطراف العمل، ليجد “الإنبطاح” مجالا للتوسع والإنتشار.
كان لقدوم السائحين من دول الخليج آثاره على المجتمعا، يأتون للسهر في الملاهي، التي انتشرت وارتفعت عوائدها، وظهر نوع من الغناء والرقص الذي يرضي من يدفع أكثر، وكذلك ظهرت زيجات ليست بزيجات، إنما بيع مراهقات لكبار السن الأثرياء والأجلاف.
وهناك الكثير من الظواهر المدمرة لأرواح الشعوب وثقافاتها، والتي حلت محلها ثقافة أدنى، ارتفعت بتأثير نفط الخليج وأمواله.
50 عاما من التدمير الممنهج للثقافة والإقتصاد والسياسة كانت كفيلة بتوسيع حالة الإنباطاح والإنحطاط في منطقتنا الموبوءة.
المبشر أن تلك الحقبة شارفت على نهايتها، وأن لدينا بقع من الضوء لم تنطفئ خلال الحقبة السوداء، وأننا مقبلون على حقبة جديدة سينحسر فيها الإنحطاط بالتدريج، نحتاج خلالها إلى جهد كبير لتنظيف ما لوثته الحقبة النقطية السوداء.
شاركنا برأيك