خالد علي يكتب: جيهان فاضل….نجمة أضاءت ميادين الثورة
ضاقت البلاد بمن قالوا «لا»، وصار الوطن سؤالًا مؤلمًا، اختارت الغياب الجغرافي دون أن تغيب عن الذاكرة.منفًى اختياريّ،لكن غربته قاسية، لأن القلب ظلّ هنا، معلّقًا بين ميدانٍ لم يكتمل، وحلمٍ لم يُدفن

جيهان فاضل ممثلة مصرية شاركت في ثورة يناير
في تاريخ السينما، هناك وجوه صُممت لتبقى خلف الأضواء الباردة، وهناك وجوه خُلقَت لتلفحها شمس الميادين. جيهان فاضل لم تكن مجرد ممثلة رقيقة الملامح أطلت علينا في “آيس كريم في جليم”، بل كانت روحاً قلقة، بحثت عن “حلمها” وسط زحام الهتافات، واختارت أن يكون دورها الأصعب هو دور “المواطنة” في وقت كان فيه الصمت هو العملة الأكثر رواجاً.
لم تكن جيهان فاضل ممثلةً فحسب، كانت صوتًا خرج من بين الستائر المخملية للشاشة، ووقف في مهبّ الريح، عاريًا إلا من قناع الصدق.
حين ارتجّت الأرض تحت أقدام يناير، واختلط الهتاف بالخوف، اختارت أن تنحاز لا إلى الضوء، لكن إلى الشارع، إلى الناس، إلى الحلم المرتبك في عيون الشباب، إلى الثورة وهي بعدُ فكرةٌ هشّة، وقلبٌ ينبض أكثر مما يحتمل.
لم تكن جيهان مجرد ضيفة شرف في ثورة يناير، بل كانت جزءاً من نسيجها اليومي. في ملامحها الهادئة، كان ثمة إصرارٌ يشي بأن الحرية ليست مجرد نص سينمائي يُحفظ، بل هي كرامة تُعاش. انحازت جيهان للشارع، ليس ببيانات صحفية باردة، بل بوجودٍ مادي، بدموع حقيقية في جنازات الشهداء، وبصوتٍ لم يرتجف وهي تطالب بوطنٍ يتسع للجميع.
لم تخشَ أن تفقد بريق النجومية في سبيل “بريق الحق”. كانت تدرك أن الوقوف في وجه الريح قد يكسر الأغصان، لكنها فضلت أن تكون شجرة شامخة في تراب الوطن على أن تكون زينة مستعارة في صالونات السياسة.
لم تساوم، لم تحسب خطواتها بعدد الأدوار، ولا وزنَ كلماتها بميزان السوق. قالت ما آمنت به، ودفعت ثمن الإيمان كاملًا، دون تقسيط، ودون ندمٍ.
انحيازها لم يكن بيانًا سياسيًا، بل موقفًا أخلاقيًا. كانت تعرف أن الفن إن لم يقف مع الناس يصير زينةً على جدارٍ آيلٍ للسقوط. وأن الصمت، في لحظات كهذه، ليس حيادًا… بل انكس
دائمًا ما يدفع الأنقياء ضريبة باهظة لانحيازاتهم. ومع تغير الفصول وتبدل الوجوه، وجدت جيهان نفسها أمام خيار مرّ؛ فآثرت الانسحاب بهدوء، بعيداً عن صخب الكاميرات التي لم تعد تشبهها، وعن وسطٍ قد يضيق بمن يملك رأياً حراً وقلباً لا يعرف المواربة.
ضاقت البلاد بمن قالوا «لا»، وصار الوطن سؤالًا مؤلمًا، اختارت الغياب الجغرافي دون أن تغيب عن الذاكرة.منفًى اختياريّ،لكن غربته قاسية، لأن القلب ظلّ هنا، معلّقًا بين ميدانٍ لم يكتمل، وحلمٍ لم يُدفن.
نذكر جيهان فاضل اليوم لا كممثلةٍ فقط، بل كإنسانة دفعت من عمرها وطمأنينتها ثمنًا لموقف.
نذكرها ونشكرها، في منفاها الاختياري، وفي غربتها البعيدة،
لأنها اختارت أن تكون مع الثورة…حين كان الانحياز شجاعة، وكان الثمن معلومًا، فدفعته كاملاً بطيب خاطر، وغادرت البلاد ومعها ذكريات الهتاف، صور الشهداء، رائحة الغاز المسيل للدموع، وأحلام جيلٍ آمنت به حتى النخاع.
يا جيهان..مهما طالت المسافات وبدلت الغربة ملامح الأيام، سيظل اسمكِ محفوراً في ذاكرة الأرصفة التي مشيتِ عليها، وفي قلوب الذين رأوكِ “أختاً” و”رفيقة” في لحظات الخوف والرجاء.




