منى شماخ تكتب: من يملك حق النسيان؟ ذاكرة المدن تحت المعول
كل هذه التفاصيل تبدو صغيرة، لكنها مع الوقت تصبح جزءًا من ذاكرة المكان (المدن) ومن حياة الناس الذين عاشوا فيه، لا تُقاس بالمتر المربع، ولا تظهر في تصميم هندسي، لكنها هي التي تمنح المكان ذاكرته وهويته.
المدن القديمة ليست صماء انها حياة البشر
هل نقيم الجديد فوق أساسات الماضي، أم نزيله لنبني على أرض خالية من كل أثر للتاريخ؟
حين نهدم مبنى قديمًا في وسط المدينة ليحل محله برج زجاجي لامع، يُقال لنا إن هذا «تطوير»
حين نعيد تخطيط حي شعبي بالكامل، نرفع لافتات «التحديث» و«التجميل». لكن أحدًا لا يسأل: تطوير ماذا؟ وبأي ثمن؟
المشكلة ليست في التطوير نفسه، فالمدن كائنات حية، تتغير وتتوسع مع الزمن.
المشكلة أن كثيرًا مما نسميه «تطويرًا» يتحول إلى عملية استبدال: نزيل القديم بطبقاته وحكاياته، ونضع مكانه جديدًا لا يحمل صلة بما كان.
لا نُرمم الذاكرة، بل نمحوها ونبني فوق الفراغ، والفارق بين «التطوير» و«المحو» هو بالضبط ما يطرحه السؤال الذي بدأنا به.

منى شماخ تكتب: حين يصبح الترند صوت المواطن
الحي القديم ليس مجرد مبانٍ
حين نهدم حيًا قديمًا، لا نهدم جدرانه وأسقفه وحدها، بل نقتلع معها تفاصيل حياة كاملة.
الدكان الذي كان صاحبه يعرف وجوه سكان الشارع وأسماءهم، ويحفظ احتياجاتهم وحكاياتهم الصغيرة.
المقهى الذي شهد جلساتهم ونقاشاتهم، وعاصر أفراحهم وانكساراتهم، والرصيف الذي لعب عليه الأطفال، والجدران التي ترك عليها العابرون أسماءهم وآثارهم.
كل هذه التفاصيل تبدو صغيرة، لكنها مع الوقت تصبح جزءًا من ذاكرة المكان (المدن) ومن حياة الناس الذين عاشوا فيه.
لا تُقاس بالمتر المربع، ولا تظهر في تصميم هندسي، لكنها هي التي تمنح المكان ذاكرته وهويته.
حين نهدم كل ذلك باسم التحديث، قد نبني أبراجًا أحدث وأعلى، لكنها لا تحمل ذاكرة المكان.
عندها لا يعود السؤال فقط: هل بنينا مكانًا جديدًا، أم محونا مكانًا كان موجودًا بالفعل؟
بل يصبح السؤال أعمق من مجرد الشكل: من يقرر ما الذي يستحق أن يبقى منه، وما الذي يمكن أن يختفي؟

من يقرر ماذا “يستحق” الحفظ؟
غالبًا ما تحكم حسابات الاستثمار العقاري مصير هذه الأماكن أكثر مما تحكمها قيمتها في ذاكرة المكان، أو دورها بوصفها جزءًا من نسيج إنساني تشكّل عبر أجيال.
تحرص الجهات المسؤولة على الحفاظ على ما يخدم الصورة الحديثة التي يريدها السائح أو المستثمر، بينما تترك ما لا يخدم هذه الصورة يختفي، حتى لو كان يحمل جانبًا أساسيًا من ذاكرة المكان وهويته.
لكن قرار الهدم أو الحفظ يجب ألا يكون قرارًا هندسيًا فقط، بل قرار ثقافي واجتماعي أيضًا؛ فهو لا يحدد شكل المكان في المستقبل فحسب، بل يعيد صياغة العلاقة بين ماضيه وحاضره ومستقبله.
من يكتب تاريخ المكان؟
المشكلة أن الجهة التي تتخذ قرار الهدم قد تكون هي نفسها التي تقدم الرواية الرسمية لما حدث: تقارير تتحدث عن أرقام الإنجاز، وصور «قبل وبعد» تُظهر الانتقال من «الفوضى» إلى «النظام»، وخطابات عن «النهضة العمرانية».
لكن هذه الرواية تظل ناقصة إذا لم نسمع الطرف الآخر: سكان الحي الذين عرفوا تفاصيله وعاشوا فيه.
فمن عاش في المكان لا يراه بالطريقة التي تظهر بها خرائط التطوير أو التقارير الهندسية؛ الحي عنده ليس مجموعة مبانٍ قديمة، وإنما سنوات من الحياة لا يمكن اختزالها في عمر مبنى أو حالته الإنشائية.
حين يتخذ المسؤولون قرارات الهدم دون النظر إلى هذه الذاكرة باعتبارها جزءًا من قيمة المكان، يصبح التغيير أوسع من مجرد إزالة مبانٍ قديمة: نحن لا نعيد رسم المكان فقط، بل نعيد صياغة العلاقات بين سكانه، وبينهم وبين ماضيهم.

فهل هو تطوير فعلًا؟
لهذا، في كل مرة يطرح فيها أحدهم فكرة هدم حي قديم، لا يكفي أن نسأل: ماذا سنبني مكانه؟ بل علينا أن نسأل أيضًا: ماذا كان هذا الحي يمثل لمن عاشوا فيه، وماذا سنفقد حين يختفي؟ ومن يملك أصلًا حق اتخاذ هذا القرار؟
ليس التطوير أن نمحو القديم، بل أن نمنحه فرصة ليعيش. أما حين نهدمه دون سؤال، فإننا لا نطوّر مكانًا، بل نحرم أهله من ذاكرتهم.
تلك الذاكرة التي قد تبدو عبئًا على خرائط التطوير، لكنها في الحقيقة الرابط الذي يصل الإنسان بمكانه، ويمنحه إحساسًا بأنه ينتمي إلى شيء أكبر من مجرد جدران يسكنها.
فقيمة المكان الحقيقية لا تُقاس بثمنه في السوق، بل بما تراكم فيه من تاريخ وحكايات وأرواح عاشت بين جدرانه – وهذا ما يجعل من المكان وطنًا، لا مجرد كتلة إسمنتية بلا روح.
شاركنا برأيك