علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: عتبة الغياب

ن تستطيع مواصلة حياتك لا يعني أن عليك أن تتصالح مع كل ما فرضه الغياب. وأن يهدأ الحزن لا يعني أن تهدأ الأسئلة معه. وأن يصبح الكلام عن السيد جزءًا من الذاكرة لا يعني أن يتحول ما مثله إلى ذكرى

مشاركة:
حجم الخط:

قبل عام تقريبًا، كتبت عن الغياب تحت العنوان نفسه، «عتبة الغياب» كنت أكتب يومها من قلب الصدمة، رغم أن عامًا كان قد مضى على الغياب، وكان السؤال الذي يشغلني كيف يمكن لفقد بهذا الحجم أن يمر بنا من دون أن يتحول، مع الوقت، إلى حزن عابر، ثم إلى ذكرى، ثم إلى خبر قديم تبتلعه الأيام.

أعود اليوم إلى الفكرة نفسها، لا لأكرر ما كتبته، وإنما لأن عامًا آخر يكشف في الغياب أشياء لم تكن واضحة من قبل. الأيام ” قد ” لا تعيد من غاب، لكنها تغير الطريقة التي نرى بها غيابه.

كنت دوماً، في حياة السيد، وعلى نحو خاص آخر عامين من حضوره مشغولا بهاجس عن شكل الحياة في غيبته. فهو، منذ بروزه إلينا، كان منذورًا للغياب وبهذا الثقل. لكنني لم أكن أتصور أنني سأكتشف يومًا أنه لا حياة كحياتنا مع السيد.

في الأيام الأولى، يكون الغياب كثيفًا إلى درجة تحجب كل شيء.

لا ترى إلا حجم هذا الفراغ الذي تركه صاحبه، ولا تستطيع أن تتخيل كيف يمكن للأيام أن تستمر بصورة طبيعية بعد أن غاب حضور كان جزءًا من معنى الأشياء نفسها.

ثم تستمر الحياة، شئنا أم لم نشأ. تأتي وقائع جديدة، تتبدل الأخبار، تكثر الأصوات، ويعود العالم إلى حركته. ونجد أنفسنا نعيش أيامًا لم نكن نتصور أننا سنعيشها من دونه. لكن شيئًا لا يعود كما كان. تكتشف بعد وقت أن بعض الغياب لا يتراجع، وإنما ينتقل إلى مكان أعمق فيك.

السيد لم يكن مجرد حضور في المشهد حتى يترك مكانًا يمكن أن يملأه أحد. كان حضوره نفسه جزءًا من ميزان المشهد.

كانت كلمته وموقفه وطريقة نظره إلى الأحداث تمنح الأشياء وزنها، وتضع حدودًا لما يمكن احتماله وما لا يجوز قبوله. ولهذا فإن غيابه لا يُقاس بالفراغ الذي تركه فقط، وإنما بما تغير بعده.

هناك أشياء لا ننتبه إلى قيمتها وهي موجودة، لأن وجودها يصبح جزءًا من اعتيادنا على العالم. وحين تغيب، لا نفتقدها وحدها، بل نكتشف كم من الأشياء كان يستند إليها وجودنا من دون أن نشعر.

ربما لهذا ظللت أقول، منذ البداية، إن السيد باق. وما زلت أقولها. لكنني أرى العبارة اليوم بوجه مختلف قليلًا.

بقاء السيد في الوعي، وفي الطريق، وفي المعنى الذي تركه، لا يلغي حقيقة أن حضوره المادي غاب، ولا يعوض تفاصيل لا يستطيع أحد أن يعوضها. والأهم أنه لا ينبغي أن تصبح العبارة طريقة نخفف بها عن أنفسنا ثقل الفقد.

السيد باق، نعم، لكن بقاءه لا يعفينا من مسؤولية غيابه. وما بقي منه فينا ليس تعويضًا عما فقدناه. إنه حمل جديد.

بقي المعنى، وبقي الأثر، وبقيت معايير كانت تبدو في وجوده وكأنها جزء طبيعي من الأشياء، ثم اكتشفنا بعد غيابه أنها لم تكن كذلك.

لم أكن أرى هذه المسافة بالوضوح نفسه حين كتبت «عتبة الغياب» قبل عام. كنت أخشى يومها أن يتحول الفقد إلى مجرد ذكرى. أما اليوم، فأخشى شيئًا آخر، أن يتحول البقاء نفسه إلى وسيلة لا نشعر معها بثقل الغياب. نقول لأنفسنا إن السيد باق، ثم نمضي. نقول إن الطريق مستمر، ثم نتصرف أحيانًا كأن استمرار الطريق يعفينا من أن نسأل أنفسنا إن كنا نسير فيه بالثبات نفسه.

ليس البقاء أن تبقى الصورة، ولا أن تتكرر العبارات، ولا أن نستعيد الكلمات في المناسبات. البقاء الحقيقي يظهر في أشياء لا يراها أحد. في اختيار تتخذه وأنت تعرف أن الطريق الأسهل أمامك. في لحظة تستطيع فيها أن تساوم، ولا تساوم. في موقف لا تحتاج فيه إلى أن يراك أحد حتى تعرف ماذا كان سيعني لك الثبات.

الإنسان في حياته يستطيع أن يواجهك بنظرة أو كلمة أو موقف، وربما يكفي حضوره أحيانًا لكي يمنعك من خداع نفسك. أما حين يغيب، فلا يبقى لك إلا ما تركه فيك. وهذه مسؤولية أثقل مما تبدو.

ولهذا فإن الفقد الحقيقي لا يُقاس بعدد المرات التي نبكي فيها من نفتقدهم، ولا بعدد الكلمات التي نكتبها عنهم. ربما يُقاس بما إذا كان حضورهم السابق قد أصبح جزءًا من تكويننا إلى الدرجة التي تجعل غيابهم أكثر مسؤولية، لا أقل.

بعد عامين ثقال كالحجر على الصدر، لا أحتاج إلى أن أسأل نفسي إن كنت ما زلت أفتقد السيد. نعم.

لكن السؤال الذي يؤلمني أكثر هو شيء آخر: هل ما زال غيابه قادرًا على تغيير شيء فينا؟ هل ما زالت الأشياء التي كانت واضحة في حضوره واضحة بالقدر نفسه في غيابه؟ هل ما زالت الكرامة كرامة حين تصبح مكلفة؟

وهل ما كنا نراه ظلمًا قبل أن يغيب أصبح أقل ظلمًا لأن الزمن طال، ولأن التعب أصابنا، ولأن العالم اعتاد المشهد؟

ربما لا يكون أخطر ما يفعله الزمن أنه يجعلنا ننسى، وإنما أنه يجعلنا نعتاد. والاعتياد على الغياب ليس هو تجاوزه.
أن تستطيع مواصلة حياتك لا يعني أن عليك أن تتصالح مع كل ما فرضه الغياب. وأن يهدأ الحزن لا يعني أن تهدأ الأسئلة معه. وأن يصبح الكلام عن السيد جزءًا من الذاكرة لا يعني أن يتحول ما مثله إلى ذكرى.

لهذا لا أحب أن يُغلق الغياب بكلمات مكتملة. بعض الغياب ينبغي أن يبقى مفتوحًا، ليس لأننا عاجزون عن تجاوزه، وإنما لأن إغلاقه أحيانًا يعني أننا تعلمنا كيف نعيش مع السؤال من دون أن نسمح له بأن يغير شيئًا في حياتنا.

السيد الذي غاب لا يحتاج منا إلى أن نبقيه حاضرًا بالكلمات. إن كان لما تركه من معنى وقيمة، فالأجدر أن يظهر ذلك المعنى في اختياراتنا، في صلابتنا حين تصبح الصلابة مكلفة، وفي قدرتنا على ألا نحول ما كنا نراه حقًا إلى مجرد ذكرى جميلة.

فالذين نحبهم لا يبقون فقط لأننا نذكر أسماءهم، ولا لأن صورهم تظل معلقة في الذاكرة. يبقون حين يستمر حضورهم في تشكيل اختياراتنا بعد أن يصبح صوتهم غير متاح. نحن الذين بقينا، ونحن الذين نكمل الطريق، ولذلك أصبح علينا أن نعرف ماذا بقي فينا فعلًا، لا ماذا نقول عن الذي بقي.

قبل عام، ظننت أن «عتبة الغياب» هي المسافة التي يقف عندها الإنسان أمام الفقد. اليوم أراها بصورة مختلفة. لم نعبرها بعد، وربما لا ينبغي لنا أن نعبرها تمامًا.

بعض العتبات تُترك مفتوحة، لأن ما وراءها ليس مكانًا ننتهي إليه، وإنما معنى نحمله معنا. والسيد، في غيابه، لم يعد يستطيع أن يحمل هذا المعنى عنا. نحن نحمله، شئنا ذلك أم لم نشأ.

لقد نقل الغياب مسؤولية الحضور إلينا. مسؤولية أن تظل الأشياء التي كانت عظيمة في حضوره عظيمة في غيابه، وأن يظل الحق حقًا حين يصبح الدفاع عنه مكلفًا، وأن تظل الكرامة كرامة حين يصبح التنازل عنها أسهل، وأن تظل قادرًا على النظر إلى نفسك من دون أن تحتاج إلى حضوره لكي تعرف إن كنت قد ابتعدت عن الطريق.

وربما يكون هذا هو المعنى الذي أبحث عنه اليوم، بعد عام من النص الأول. لم أعد أفكر كثيرًا في كيفية أن يبقى السيد حاضرًا فينا، بقدر ما أفكر في كيفية ألا يصبح غيابه شيئًا اعتدناه.

لم يكن الغياب نهاية الحضور، لكنه نقل مسؤولية الحضور إلينا. ولهذا لا أريد أن أغلق هذه العتبة. سأظل واقفًا عندها، كلما احتجت أن أتذكر من كنا، ومن نريد أن نبقى.

فالسيد غاب. أما ما تركه، فما زال بين أيدينا. وما سيعطي غيابه معناه الحقيقي ليس مقدار ما نقوله عنه، وإنما مقدار ما بقي فينا منه.

شارك المقال:

شاركنا برأيك