علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
أخبار أخر الكلام
أخبار أخر الكلام

فريق عمل غرفة الأخبار في "أخر الكلام"

تقرير: نتنياهو المعزول والمقاعد في قاعة الأمم المتحدة

كانت أهم مفارقات اجتماعات نيويورك كلها، ففي الوقت الذي كان نتنياهو يؤكد من المنصة ضرورة استمرار الضغط على إيران، كانت واشنطن وطهران قد أعادتا فعليًا فتح قناة تفاوض على هامش الجمعية العامة بعد أشهر من الجمود.

مشاركة:
حجم الخط:

إيران وغزة وقطر وتركيا في خطاب المواجهة 

لم يكن ما جرى في اليوم الثالث من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خطاب جديد يضاف إلى عشرات الكلمات التي استمعت إليها نيويورك.

بينما كانت الكاميرات مثبتة على منصة القاعة، كانت حرب أخرى تتحرك في الممرات والغرف المغلقة، حيث الرسائل الأمريكية تصل إلى الإيرانيين عبر الوسطاء.

القطريون يتحركون بين العواصم والوفود، ودول الخليج تضغط لإبعاد المنطقة عن انفجار جديد.

كان بنيامين نتنياهو يستعد للصعود إلى المنصة بخطاب لا يبحث عن تهدئة بقدر ما يقدم روايته الكاملة للحرب ويهاجم خصوم إسرائيل وحلفاءها المنتقدين في وقت واحد.

وهنا، في منصة «آخر الكلام» الإخبارية

لا نتوقف عند الكلمات التي يسمعها العالم أمام الميكروفونات، بل نرصد ونحلل كذلك ما يدور خلف الأبواب المغلقة في اجتماعات الأمم المتحدة.

من حركة الوفود والوسطاء إلى الاتصالات غير المباشرة والصفقات التي يجري اختبارها بعيدًا عن الأضواء، لأن الصورة الحقيقية في نيويورك لم تكن موجودة كاملة داخل قاعة الجمعية العامة، وإنما كانت موزعة بين المنصة والممرات وغرف الاجتماعات المغلقة.

تقرير: كواليس الأمم المتحدة ومعارك الشرق الأوسط خلف المنصة

تقرير :  انقسمت منصة الأمم المتحدة بين سوريا وحرب إيران

القاعة تفرغ أمام نتنياهو.. والاحتجاج يسبق الكلمة

قبل أن يبدأ نتنياهو حديثه، كان المشهد قد تحول إلى رسالة سياسية قائمة بذاتها.

فقد غادر عشرات المندوبين القاعة بينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يتجه إلى المنصة، وسط صيحات واعتراضات دفعت رئيس الجلسة إلى طلب النظام أكثر من مرة.

وأظهرت حصيلة إسرائيلية لاحقة أن مقاعد 83 دولة كانت خالية خلال الخطاب، سواء نتيجة الانسحاب أو عدم الحضور أصلًا، ولذلك لا يمكن اعتبار الرقم كله حصيلة للمقاطعة المنظمة، لكن المؤكد أن مشهد الانسحاب الجماعي كان من أبرز أحداث اليوم.

وكانت البعثة الفلسطينية قد دعت مسبقًا بعثات أخرى إلى مغادرة القاعة عند بدء الكلمة.

ورد نتنياهو فورًا على المغادرين بوصفهم بـ«الجبناء أخلاقيًا» وطالب من بقي منهم ويريد المغادرة بأن يفعل ذلك.

ثم قال إن إسرائيل وهي تدافع عن نفسها تدافع أيضًا عن عدد من الدول التي خرج ممثلوها للتو.

من اللحظة الأولى تحول الخطاب من عرض سياسي إلى مواجهة مباشرة مع جزء من القاعة نفسها.

صورة قاسم سليماني في مواجهة نتنياهو في القاعة
صورة قاسم سليماني في مواجهة نتنياهو في القاعة

إيران أولًا.. من أسهل القرارات التي اتخذتها

كان الملف الإيراني هو الباب الذي اختاره نتنياهو للعبور إلى بقية خطابه.

قال إن ضرب المنشآت النووية الإيرانية كان عملًا عسكريًا شديد الصعوبة، لكنه وصف قرار شن الهجوم بأنه واحد من أسهل القرارات التي اتخذها، وقدم العملية باعتبارها خطوة منعت ـ وفق روايته ـ خطرًا وجوديًا على إسرائيل ودول أخرى.

وكانت المفارقة أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقف قبلها بيوم واحد فقط على المنصة نفسها ليقدم الرواية المضادة تمامًا:

إيران ضحية حرب وضغوط وحصار، وبرنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية، ولن تستسلم للتهديد العسكري.

وهكذا تحولت منصة الأمم المتحدة خلال أربع وعشرين ساعة إلى مسرح تعرض فيه تل أبيب وطهران نسختين متناقضتين تمامًا للحرب، بينما كانت واشنطن في الخلفية تتحدث مع الإيرانيين عن كيفية إنهائها.

المفاجأة في الكواليس.. الأمريكي والإيراني كانا يتحدثان

وهذه ربما كانت أهم مفارقات اجتماعات نيويورك كلها، ففي الوقت الذي كان نتنياهو يؤكد من المنصة ضرورة استمرار الضغط على إيران، كانت واشنطن وطهران قد أعادتا فعليًا فتح قناة تفاوض على هامش الجمعية العامة بعد أشهر من الجمود.

وبحسب رويترز، تواصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر عبر وسطاء، في أول اتصالات من هذا النوع منذ انهيار تفاهم وقف إطلاق النار المؤقت في يوليو.

ووصف ترامب اجتماع مبعوثيه مع الوسطاء بأنه «مثمر جدًا»، بينما قالت الخارجية الإيرانية إن الاتصال تم عبر وسيط قطري وإن طهران نقلت شروطها، ومنها إنهاء الحرب ووقف ما تصفه بالاعتداءات الأمريكية.

لم يكن الطرفان يعلنان أن اتفاقًا أصبح جاهزًا، لكن مجرد عودة الرسائل بهذه الكثافة داخل نيويورك كان يعني أن خلف خطابات التهديد توجد محاولة جدية لاكتشاف الباب الذي يمكن الخروج منه من حرب استمرت قرابة سبعة أشهر.

هرمز في قلب الصفقة.. الممر البحري يتحول إلى ورقة تفاوض

ثم ظهرت التفاصيل الأخطر. مصادر إيرانية وإقليمية وغربية تحدثت لرويترز عن بحث اتفاق مرحلي يخرج الطرفين تدريجيًا من المواجهة:

إيران تعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، والولايات المتحدة ترفع أو تخفف حصارها الاقتصادي، مع إمكان حصول طهران على جزء من أصولها المجمدة.

المعضلة لم تكن في معرفة المطلوب، بل في تحديد من يقدم التنازل الأول.

واشنطن تريد ضمان حرية الملاحة قبل أن تخفف الضغط، وطهران لا تريد التخلي عن ورقة هرمز قبل أن ترى أثرًا اقتصاديًا حقيقيًا.

ولهذا جرى الحديث عن تنفيذ الاتفاق على مراحل بدل صفقة شاملة مرة واحدة، وهو ما يجعل مضيق هرمز، لا الملف النووي وحده، مركز المساومة الجديدة بين الطرفين.

وبدا أن جميع الأطراف تدرك حجم الورقة الإيرانية؛ فقد تراجعت حركة السفن عبر المضيق بصورة حادة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، الأمر الذي جعل أي تحرك دبلوماسي مرتبطًا به ينعكس فورًا على أسواق الطاقة.

قطر تدخل الغرفة.. والوساطة تصبح جزءًا من المعركة

وجود قطر في قلب الاتصالات منح هجوم نتنياهو عليها معنى سياسيًا إضافيًا.

ففي خطابه اتهم الدوحة بالإنفاق لسنوات على الجامعات الأمريكية ووسائل الإعلام بهدف التأثير في الرأي العام، بينما كانت قطر في الوقت نفسه تلعب دور قناة اتصال بين الولايات المتحدة وإيران.

إيران أكدت أن رسائلها إلى واشنطن انتقلت عبر وسيط قطري، بينما كانت الوفود الخليجية تتحرك على هامش الاجتماعات لمنع الحرب من التوسع وضمان حرية الملاحة.

وبذلك كانت قطر في خطاب نتنياهو خصمًا إعلاميًا وسياسيًا، لكنها خلف أبواب نيويورك كانت واحدة من القنوات التي يحاول من خلالها الأمريكي والإيراني معرفة ما إذا كان يمكن بناء تسوية.

أردوغان وماكرون ولندن.. نتنياهو يرد على من سبقوه

لم يترك رئيس الوزراء الإسرائيلي الهجمات التي تعرضت لها سياسات حكومته خلال اليومين السابقين من دون رد.

فقد هاجم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحدة بعد أن كان الأخير قد وجه من منصة الأمم المتحدة اتهامات قاسية لإسرائيل.

كما انتقد مواقف قادة أوروبيين، وخصوصًا فرنسا وبريطانيا، ورد على الخطاب الذي يربط ما يجري في غزة والضفة بالاستعمار والاستيطان.

وتحولت الكلمة بذلك إلى رد متأخر على معظم ما سمعته القاعة منذ افتتاح المناقشة العامة:

أردوغان ينتقد إسرائيل، القادة العرب يعيدون فلسطين إلى مركز الخطاب، الأوروبيون يتحدثون عن الدولة الفلسطينية والاستيطان، ثم يأتي نتنياهو ليقول إن أصل الصراع، من وجهة نظره، ليس الأرض وحدها وإنما رفض وجود دولة يهودية.

غزة.. الحرب تنتقل إلى معركة التعريف

وكانت غزة أكثر ساحات الخطاب حساسية.

رفض نتنياهو اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، ووصف الاتهام بأنه من أكبر أكاذيب العصر، وقال إن الجيش الإسرائيلي اتخذ إجراءات لتحذير المدنيين وإدخال المساعدات، وحمّل حماس مسؤولية استخدام المنشآت المدنية والمناطق المأهولة.

لكن النزاع حول توصيف ما يحدث في غزة لم يعد سياسيًا وإعلاميًا فقط، بل أصبح ملفًا قانونيًا دوليًا مفتوحًا.

لذلك فإن موقف الحكومة الإسرائيلية يبقى موقف أحد أطراف النزاع، تمامًا كما تبقى اتهامات الدول والجهات الأخرى محل إجراءات ونقاشات قانونية لم يصدر بشأن موضوعها حكم نهائي من محكمة العدل الدولية.

سوريا والجولان.. رد مباشر على الشرع

ووصل نتنياهو إلى أحمد الشرع، الذي كان قد أعلن قبل يوم من المنصة نفسها تمسك سوريا بالجولان وبسيادتها الكاملة على أراضيها.

ورد رئيس الوزراء الإسرائيلي باستدعاء رواية تاريخية ودينية عن الوجود اليهودي في الجولان منذ العصور القديمة، ليظهر أمام الجمعية العامة نزاع آخر لا يتعلق بالحاضر وحده، بل يستخدم فيه كل طرف التاريخ لتدعيم روايته السياسية عن الأرض والسيادة.

وهكذا كان السوري والإسرائيلي يتحدثان إلى العالم من المنصة نفسها بفارق يوم واحد، لكن كلًا منهما يرسم خريطة مختلفة تمامًا للحدود ولحقوق السيادة.

ترامب حاضر حتى وهو خارج القاعة

كان اسم دونالد ترامب يتردد بقوة في كلمة نتنياهو باعتباره الشريك الأمريكي الأهم لإسرائيل في المواجهة مع إيران.

لكن ترامب نفسه كان يقدم في الكواليس وجهًا آخر للمشهد، فهو من ناحية يهدد طهران ويشدد على منعها من امتلاك سلاح نووي، ومن ناحية أخرى يؤكد استمرار الاتصالات معها ويقول إنه يعتقد بإمكان الوصول إلى تسوية.

ومن هنا تتشكل إحدى أهم مفارقات أسبوع نيويورك:

نتنياهو يصعد إلى المنصة ليقدم الحرب باعتبارها معركة وجود لا مجال فيها للتراجع، بينما مبعوثو أقرب حلفائه يختبرون خلف الأبواب المغلقة صيغة لإنهاء الحرب نفسها.

«آخر الكلام».. ما وراء الخطابات أخطر من الخطابات

وفي قراءة «آخر الكلام» لمشهد اليوم الثالث، ربما لا تكون العبارة الأهم هي تلك التي قالها نتنياهو أمام الوفود، وإنما ما لم يقله أي زعيم علنًا بالكامل:

أن المنطقة وصلت إلى مرحلة أصبح فيها الجميع يلوح بالقوة بينما يبحث في الوقت نفسه عن باب للخروج منها.

إيران تريد كسر الحصار من دون الظهور بمظهر المتراجع، وواشنطن تريد فتح هرمز ومنع أزمة أطول وأكثر كلفة.

ودول الخليج تريد إبعاد الصواريخ عن منشآتها وإعادة حركة الطاقة والتجارة إلى طبيعتها، بينما تتحرك قطر والوسطاء بين هذه الحسابات المتناقضة.

أما إسرائيل التي تبدو معزولة عالميا،  فنتنياهو لا يزال يقف بوقاحة المجرمين على منصة الأمم المتحدة تحت حماية العجل البرتقالي ترامب 

وهنا تحديدًا تظهر أهمية متابعة ما يجري خلف الأبواب المغلقة في الأمم المتحدة، لأن الكلمة التي يلقيها الرئيس أمام الكاميرات قد تكون شديدة اللهجة، بينما يكون مبعوثوه في الغرفة المجاورة يبحثون عن صيغة تسوية مع الخصم نفسه.

لقد كانت نيويورك في ذلك اليوم مسرحًا لحربين:

حرب ظاهرة فوق منصة الجمعية العامة، عنوانها إيران وغزة وتركيا وقطر ضد مجرم الحرب نتنياهو، وحرب صامتة تدور حول هرمز والحصار والأصول المجمدة ومن يقدم التنازل الأول.

وبين الحربين، بقي السؤال الذي ستحدد إجابته ما يأتي بعد الأمم المتحدة:

هل كانت اجتماعات نيويورك بداية الطريق إلى صفقة تُغلق أبواب الحرب، أم مجرد محطة تفاوض قصيرة قبل أن تُفتح الجبهات من جديد؟

هذه النسخة تحافظ على هيكل النسخة الأولى وقوتها السياسية، لكنها تجعل كواليس واشنطن وطهران جزءًا من الحبكة نفسها بدل أن تتحول إلى تقرير منفصل.

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.