حسن لمداسني يكتب:سبتة و البحث عن حبشة العصر
إن أخطر ما كشفت عنه أحداث سبتة ليس عدد الذين حاولوا العبور، ولا تنوع أعمارهم بين الرضع والقاصرين والشباب وكبار السن، بل أن فكرة الرحيل نفسها بدأت تتحول إلى لغة مشتركة بين المغاربة.

صورة من عبور الآلاف من المغربة إلى إسبانيا
في الأسبوع الأخير، تصدّر المغرب نشرات الأخبار العالمية، لا لإنجاز علمي، ولا لانتصار رياضي، ولا لمبادرة دبلوماسية، وإنما بصور آلاف المغاربة وهم يتدفقون نحو سبتة.
كان المشهد صادماً.
فمثل هذه الصور اعتاد العالم أن يراها في البلدان التي مزقتها الحروب، أو دفعتها الفتن إلى موجات نزوح جماعي. أما المغرب، الذي ظل يفاخر بأن الأمن والاستقرار من أبرز مكاسبه، فقد وجد نفسه أمام سؤال لا يجوز الهروب منه.
كيف أصبحت الهجرة، أو الهروب، لغةً مشتركة بين هذا العدد من المغاربة؟
كيف يمكن لعشرات الآلاف أن يحملوا الشعور نفسه في الوقت نفسه؟
ستون ألف إنسان تقريباً ليست مجرد إحصائية، إنها مدينة صغيرة، بحجم وزان أو اليوسفية، قررت أن تتجه نحو البحر.
ولكي نفك شفرة هذا المشهد، تعالوا نذهب إلى مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا لنستحضر التاريخ، بل لنتعلم كيف نفهم سنن الاجتماع الإنساني.
فعندما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، لم يحدثهم عن ثرائها، ولا عن خصوبة أرضها، ولا عن جمال طبيعتها، ولا عن موقعها، وإنما اختصر أسباب الاختيار كلها في كلمات قليلة:
«إن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد.»
لم يكن هذا مجرد وصف لبلد، بل كان تعريفاً بما يجعل الأوطان جديرة بأن يُقام فيها.
فالاختيار النبوي لم يبن على وفرة المال، ولا على قوة الدولة، وإنما بُني على معيار واحد: العدل.
ومن هنا، فإنني أرى في محاولات عبور الحدود بحثاً مؤلماً عن حبشة العصر.
ليس لأن الضفة الأخرى جنة، ولا لأن كل من يصل إليها يحقق أحلامه، ولكن لأن الإنسان، بفطرته، يبحث عن المكان الذي يعتقد أن كرامته ستكون فيه أكثر أمناً، وأن حقه سيكون فيه أكثر حماية.
ولعل هذا المعنى يزداد وضوحاً إذا تذكرنا موقفاً آخر من السيرة.
فحين غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وقف يخاطبها قائلاً: «والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منكِ ما خرجت.»
لقد أحب النبي وطنه حباً لا يبلغه حب، ومع ذلك خرج منه مكرهاً.
هشام توفيق يكتب: تفكيك اللعبة في سبتة (المغرب) أسئلة وسيناريوهات؟ (1-3)
وهنا تتجلى حقيقة يغفل عنها كثيرون.
فحب الوطن لا يتعارض مع المطالبة بالعدل، ولا يكفي وحده إذا أصبح الظلم سبباً في دفع الإنسان إلى الرحيل.
ولذلك، فإن الوطنية لا تُقاس بعدد الشعارات التي نرفعها، وإنما بقدرتنا على بناء وطن يشعر فيه الإنسان أن كرامته مصونة، وأن حقوقه محفوظة.
لقد قرر ابن خلدون قبل قرون أن الظلم مؤذن بخراب العمران.
ولعل أول ما يخربه الظلم ليس الحجر، بل ثقة الإنسان في وطنه.
وحين تهتز تلك الثقة، يبدأ البحث عن وطن آخر، ولو كان وراء بحر يبتلع كل يوم أحلاماً جديدة.
إن أخطر ما كشفت عنه أحداث سبتة ليس عدد الذين حاولوا العبور، ولا تنوع أعمارهم بين الرضع والقاصرين والشباب وكبار السن، بل أن فكرة الرحيل نفسها بدأت تتحول إلى لغة مشتركة بين المغاربة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فالأوطان لا تُستنزف حين تخسر ثرواتها فقط، بل حين تخسر إنسانها.
فكل شاب يرحل، وكل أسرة تحمل أبناءها إلى المجهول، وكل طفل يكبر وهو يحلم بوطن آخر، هو جزء من المستقبل يغادر قبل أن يولد.
ولهذا، فإن معالجة الهجرة لا تبدأ من تشديد الحراسة على الحدود، ولا من تخوين الراغبين في الرحيل، بل من إزالة الأسباب التي تجعل الرحيل حلماً.
بعد أربعة عشر قرناً، ما تزال الوصية النبوية تضع لنا منارة الطريق.
لقد آن الأوان أن تتحول من نص نردده إلى مشروع وطني.
تعالوا نصنع في أرضنا حبشةً لا يضطر معها أحد إلى البحث عن حبشة أخرى في أرض الله الواسعة.
تعالوا نبني وطناً يكون العدل فيه أساس العلاقة بين الدولة والمواطن، وتكون الكرامة فيه حقاً لا منحة، ويشعر فيه المغربي أن مستقبله يبدأ من هنا، لا من وراء البحر.
فبناء وطنٍ لا يُظلم فيه أحد لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة وطنية.
العدل هو المبتدأ والخبر






