حسن مدبولي يكتب: عبد الفتاح إسماعيل الرفيق الذي أختفى ولم يظهر؟
كان عبد الفتاح إسماعيل يؤمن بأن قضية اليمن لا تنفصل عن القضية العربية، وأن معركة التحرر الوطني واحدة من المحيط إلى الخليج

صورة عبد الفتاح إسماعيل مع بعض روساء الدول العربية (وسائل التواصل)
في ذكرى ميلاد الرفيق عبد الفتاح إسماعيل (1939–1986)
لم يكن الرفيق عبد الفتاح إسماعيل مجرد رئيس لدولة أو أمين عام لحزب، بل كان أحد أبرز رموز اليسار العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.
ومن أكثر القادة العرب تمسكًا بمشروع التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية.
فقد ارتبط اسمه بتجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وبالتحولات الكبرى التي شهدها جنوب اليمن بعد الاستقلال عن الاستعمار البريطاني.

الميلاد والنشأة
وُلد عبد الفتاح إسماعيل في محافظة تعز عام 1939، وعمل في بدايات حياته عاملًا في ميناء عدن، قبل أن ينخرط مبكرًا في العمل الوطني السري ضد الاحتلال البريطاني.
وكان من القيادات المؤسسة لـ”الجبهة القومية”، التي قادت الكفاح المسلح حتى نيل الاستقلال في 30 نوفمبر 1967.
بعد الاستقلال، لعب دورًا محوريًا في ترسيخ التوجه الاشتراكي للدولة الجديدة، وكان من أبرز مهندسي التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن الداعين إلى بناء دولة تقوم على مجانية التعليم والرعاية الصحية، والإصلاح الزراعي، وتمكين المرأة، ومحاربة البنى القبلية والطائفية، وتوسيع مشاركة العمال والفلاحين في الحياة السياسية.
وفي عام 1978 أسهم في تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني، وانتُخب أول أمين عام له، ليصبح الحزب الإطار السياسي الجامع لقوى الثورة في الجنوب.
كما تولى رئاسة هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى، ليصبح القائد السياسي الأبرز في البلاد خلال تلك المرحلة.

كان عبد الفتاح إسماعيل يؤمن بأن قضية اليمن لا تنفصل عن القضية العربية.
وأن معركة التحرر الوطني واحدة من المحيط إلى الخليج.
لذلك أقام علاقات وثيقة مع حركات التحرر العربية والعالمية، ودعم المقاومة الفلسطينية، ونسج علاقات استراتيجية مع الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي، انطلاقًا من قناعته بأن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون استقلال اقتصادي واجتماعي.
ومن أكثر مواقفه إثارة للجدل موقفه الحاد من الأنظمة الخليجية المحافظة، إذ كان يعتبرها ركيزة من ركائز المشروع المضاد للتحرر العربي.
ورأى أن الثروة النفطية استُخدمت في كثير من الأحيان لإجهاض الحركات الوطنية والتقدمية في المنطقة. وفي هذا السياق تُنسب إليه العبارة:
“الأنظمة الحاكمة في الخليج هي خنجر الرجعية في خاصرة الثورة العربية، فكلما نهضت حركة تقدمية في اليمن أو العراق أو سوريا كان مال الخليج حاضرًا ليقف في وجهها ويمول خصومها”
كما كان يردد أن الثورة ليست انقلابًا عسكريًا بل عملية تاريخية طويلة لتغيير المجتمع وبناء الإنسان، وأن الاشتراكية بالنسبة للشعوب الفقيرة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لتحقيق العدالة والكرامة الوطنية.

مسيرته لم تكن خالية من الصراعات الداخلية.
ففي عام 1980 تنحى عن السلطة وسافر إلى موسكو، قبل أن يعود إلى عدن عام 1985 في محاولة لرأب الصدع داخل الحزب الاشتراكي.
غير أن الخلافات تفجرت بصورة دامية في 13 يناير 1986، فيما عُرف بأحداث يناير، وهي واحدة من أكثر المحطات مأساوية في تاريخ اليمن الجنوبي.
وخلال تلك المواجهات اختفى عبد الفتاح إسماعيل في ظروف لم تُحسم بصورة قاطعة حتى اليوم.
والرواية الأكثر شيوعًا أنه قُتل أثناء قصف استهدف المدرعة التي كانت تقله، ولم يُعثر على جثمانه، بينما ظهرت روايات أخرى غير مؤكدة تحدثت عن نجاته أو اغتياله لاحقًا، دون أن تقدم أدلة حاسمة.
ولذلك يبقى مصيره النهائي موضع جدل تاريخي، بينما يُعد في نظر أنصاره من شهداء الحركة الوطنية اليمنية.
ورغم مرور أربعة عقود على رحيله، لا يزال عبد الفتاح إسماعيل حاضرًا في الذاكرة السياسية العربية باعتباره أحد أكثر القادة تمسكًا بمبادئ التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية.
وأحد أبرز الوجوه التي ربطت بين النضال الوطني اليمني والمشروع القومي والتقدمي العربي.
المجد والخلود للرفيق عبد الفتاح إسماعيل… أحد أبرز مناضلي اليمن والثورة العربية.





