محمد عبد الشكور يكتب: عندما اغتيل الأكسجين باسم الأمن والتطوير! مذبحة الأشجار
ما يثير السخرية حقاً هو ردود أفعال المسؤولين، فعندما تصاعدت الاحتجاجات مؤخراً حول إبادة الأشجار في شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين وحي الزمالك
صورة من مشاهد تقطيع الأشجار
تاريخ الشعوب لا تُكتب فصوله بالقرارات السياسية والمعارك الحربية فحسب، بل تُكتب أيضاً في سطر الحواشي بسيرة أشجارها المعمرة.
فالشجرة في مصر ليست جصاً يُزال، ولا حجراً يُزاح من طريق مرفق عام، بل هي ذاكرة حية.
وشاهد عيان صامت على تحولات وطن يعيش بين حافتين: حافة الوعي الشديد، وحافة الجهل الناجز.
وما جرى ويجري في شوارعنا طيلة السنوات الماضية تحت اسم “التطوير” أو “الدواعي الأمنية” ليس مجرد قطع لأغصان يابسة، بل هو مأساة بيئية وإنسانية مكتملة الأركان بدأت أولى مشاهدها عندما قرر العقل الإداري أن يخوض معركته ضد الإرهاب بإعدام الأشجار!
محمد عبد الشكور يكشف: كواليس الحرب على محلات عصير القصب؟
بداية المذبحة
عودة إلى الوراء تفرز أصل الحكاية، ففي الثاني من أبريل عام 2014، شهد محيط جامعة القاهرة حادثاً مأساوياً هز الأوساط المصرية إثر تفجير عبوتين ناسفتين تم زرعهما بعناية فائقة داخل شجرة معمرة مواجهة للبوابة الرئيسية للجامعة بميدان النهضة.
استهدف هذا الهجوم الغادر تمركزاً أمنياً مكلفاً بتأمين المنطقة، مما أسفر عن استشهاد العميد طارق المرجاوي، رئيس مباحث قطاع غرب الجيزة، وإصابة خمسة ضباط آخرين، في عملية أعلنت جماعة “أجناد مصر” مسؤوليتها عنها لاحقاً.
لم يكن الحادث مجرد اعتداء عابر، بل كان صدمة أمنية كبيرة، لكن الصدمة الأكبر كانت في الفلسفة العبقرية التي تعاطت بها السلطة مع الحدث!
بدلاً من تطوير أدوات الكشف عن المفرقعات وزيادة الكفاءة الاستخباراتية، تفتق ذهن الإدارة عن قرار فذ:
“إذا كانت الشجرة قد دُسّت فيها القنبلة، فلنقطع الشجرة وكل قريباتها من الدرجة الأولى!”
وهكذا تحولت الشجرة في نظر المسؤول من كائن بيولوجي يمنح الحياة، إلى “حاوية متهمة” بالإرهاب وملاذ للخارجين عن القانون.
ومن هنا انطلقت الشرارة الأولى لما بات يُعرف بـ “مذبحة الأشجار”.
بدأت الحملة من محيط الجامعة والجيزة، واجتاحت شارع الهرم بطوله.
حيث هُويت الفؤوس والمنشار الكهربائي على أجساد أشجار عتيقة زرعها أجدادنا منذ أكثر من قرن.
وتحول الحل الأمني إلى عقاب جماعي للمواطنين، وحُرِم الناس من الظل والجمال، وكأن الخضرة أصبحت في عرف القوم جريمة تضر بالأمن العام!

تجريف ممنهج
ثم جاء مشروع تبطين الترع ليتم اقتلاع ملايين الأشجار وشجر النخيل لتصبح جوانب الترع جرداء صحراء بعد أن كانت خضراء بها أشجار وظلال تسر الناظرين لكى تطال المذبحة كل مكان.
وامتدت المأساة كالنار في الحطب؛ فوصلت الجرافات إلى حي الدقي والكورنيش، ثم انتقلت العدوى إلى مصر الجديدة والزمالك والمعادي والتجمع.
لتتحول المذبحة إلى مسلك إداري عام.
والمأساة الاجتماعية في هذا المشهد تتجلى في “فردية الوعي”؛ فالناس لم تتحرك ككتلة واحدة لمواجهة هذا التجريف الممنهج، بل كان المواطن يرى الشجرة تُقطع في الشارع المجاور فيصمت.
حتى إذا وصلت الجرافة إلى باب بيته وقطعت شجرته التي تربى في ظلها، خرج يصرخ على وسائل التواصل مصوراً الكارثة ومتسائلاً بنبرة حسرة: “لماذا يقطعون أشجارنا؟!”
وفي وقت يتنفس فيه العالم بصعوبة تحت وطأة التلوث، تخرج علينا الوزارات المعنية بمبادرات براقة من نوعية “100 مليون شجرة”
لكن الواقع الميداني يكشف كذب هذه الشعارات، فالأرقام المعلنة لا تعدو كونها شتلات كرتونية تُزرع للالتقاء بالمسؤولين واقتناص الصور التذكارية ثم تُترك لتموت عطشاً في الصحراء، في حين يُقطع ما هو قائم ومستقر من أشجار معمرة تزودنا بأطنان الأكسجين!

تبريرات ساذجة
وما يثير السخرية حقاً هو ردود أفعال المسؤولين، فعندما تصاعدت الاحتجاجات مؤخراً حول إبادة الأشجار في شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين وحي الزمالك، خرجت علينا الوزيرة المسؤولة والمسؤولون المحليون بتصريحات متضاربة تثير الشفقة والضحك كلاهما.
تارة يدعون أن القطع يأتي ضمن “التطوير المروري”، وتارة يزعمون أن “الأشجار كانت مريضة ومتهالكة”
وفي أحيان أخرى يخرجون برواية سحرية مفادها أنهم “ينقلونها ولا يقطعونها” في كذب صريح تخالفه المشاهد المصورة لمنشار يقطع ساق الشجرة من جذورها!
لقد أثبت المسؤولون أنهم يمتلكون عقلاً خرسانياً يرى في الشجرة عدواً
فالشجرة بالنسبة لمهندس الحي ليست سوى “مساحة معطلة” يمكن تحويلها إلى منفذ بيع، أو كشك سجاير، أو كافيه مدرج في خطة الإيرادات!
ويزداد المشهد عبثية حين ترى الإعلام يمارس دوره المعهود في تبرير هذه المذبحة.
فتخرج إلينا برامج التوك شو “الموجّهة” لتشرح للمواطن المظلوم كيف أن الشجرة كانت تعوق الرؤية، أو أنها سبب ازدحام المرور.
بل وقد تجد من يلمح إلى أن كثرة الأكسجين تسبب الكسل!
لتتحول الميديا من أداة لنقل الحقيقة إلى مغسلة لإعادة تدوير القرارات الفاشلة وتلميع الفأس على حساب الرئة.
العبث بالتاريخ العمراني
لكن الكارثة الحقيقية تجسد انحيازاً طبقاتياً صارخاً، فهذه القرارات تشكل طبقية بيئية واضحة ضد الفئات البسيطة.
ابن الطبقة الميسورة ينتقل من بيته التكييف في سيارته المكيفة ثم إلى مكتبه المبرد، بينما المواطن الفقير والعامل الكادح والبائع المتجول هم من يدفعون الثمن، هؤلاء ليس لديهم رفاهية التكييف.
وكان ظل الشجرة المعمرة هو ملاذهم الوحيد للهروب من هجير الصيف الحارق، بقطع هذه الأشجار، يُحرم الفقراء من مكيفهم الطبيعي المجاني، ويُجبرون على التأذى الحراري المباشر.
تزداد الحسرة حين نقارن هذا العبث بتاريخ القاهرة الحضاري
فالخديوي إسماعيل عندما خطط القاهرة الخديوية والجيزة والزمالك، استورد أشجار “البوانسيانا” و”الفيsequence” و”الجاكراندا” خصيصاً ليجعل من العاصمة بستاناً مفتوحاً يضاهي باريس ونظيراتها الأوروبية.
كان التخطيط التاريخي يعي أن الشجرة جزء لا يتجزأ من هُوية المدينة وشخصيتها المعمارية، وليست مجرد خضرة زائدة.
أما اليوم، فالمفهوم العمراني الجديد يستبدل الرؤية الجمالية الخالدة بسقائف خرسانية وأسفلت صامت يمتص الحرارة ويردها إلى أجساد المارة!
الشجرة معمل بيولوجي
إن الشجرة ليست مجرد غصن وورق، بل هي معمل بيولوجي معجز، فشجرة واحدة معمرة تنتج أكسجيناً يكفي لتنفس أربعة أشخاص يومياً.
وتستطيع امتصاص 22 كيلوجراماً من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، فضلاً عن خفض درجات حرارة جو الشارع بمقدار 4 إلى 8 درجات مئوية من خلال الظل والنتح.
فعندما تقطع ألف شجرة، أنت لا تزيل مجرد شكل جمالي، بل تتسبب عمداً في إصابة مئات المواطنين بالأمراض الصدرية، وتدفع بالطقس نحو جحيم لا يطاق.
إن السلوك الإداري الذي يرى في الشجرة خطراً والخرسانة ملاذاً هو سلوك قاصر يفتقر لأدنى درجات الوعي والإنسانية.
لقد استبدلنا الجمال الخالد بالرصيف الصامت، والأكسجين الحر بعوادم المحركات.
رحمة بأشجار مصر..
ورحمة برئات أهلها الذين أرهقهم الغلاء والتلوث، يتوجب أن تتوقف هذه الفؤوس فوراً.
وأن يستعيد الشارع المصري حقه السليب في الظل، والجمال، والنفس النقي.
شاركنا برأيك