اقتصاد

اقتصاد الظل في مصر.. 600 مليار جنيه خارج المنظومة الرسمية؟

تشير نتائج التعداد الاقتصادي 2022/2023 إلى أن المنشآت غير الرسمية تمثل 50.7% من منشآت القطاع الخاص، بينما تستحوذ على نحو 7.7% من إنتاج القطاع الخاص، بما يعادل قرابة 600 مليار جنيه. وتختلف تقديرات حجم الاقتصاد غير الرسمي من الناتج المحلي بحسب منهج القياس.

مشاركة:
حجم الخط:

  اقتصاد الظل في مصر.. كم تبلغ قيمة الاقتصاد غير الرسمي؟

لا يظهر الاقتصاد المصري بالكامل في البيانات الرسمية.

فإلى جانب الشركات والمصانع والمتاجر المسجلة، تعمل ملايين المنشآت والأنشطة خارج الإطار الرسمي كليًا أو جزئيًا، ما يجعل الاقتصاد غير الرسمي أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الاقتصاد المصري.

وتكمن المفارقة في أن أحدث البيانات الرسمية لا تقدم رقمًا واحدًا يمكن اعتباره القيمة النهائية لـاقتصاد الظل في مصر؛ إذ تختلف التقديرات وفق تعريف الاقتصاد غير الرسمي وطريقة قياسه ونطاق الأنشطة التي تشملها البيانات.

نصف منشآت القطاع الخاص تقريبًا غير رسمية

تكشف نتائج التعداد الاقتصادي المصري 2022/2023 عن وجود نحو 3.9 مليون منشأة اقتصادية في القطاع الخاص الرسمي وغير الرسمي.

وتشكل المنشآت غير الرسمية نحو 50.7% من منشآت القطاع الخاص، مقابل 49.3% للمنشآت الرسمية.

لكن هذه النسبة لا تعني أن نصف الناتج المحلي المصري يأتي من الاقتصاد غير الرسمي. فالمنشآت وعددها شيء، وحجم إنتاجها شيء آخر.

جهاز مستقبل مصر.. الذراع الاقتصادية الجديدة للمؤسسة العسكرية

50.7% من المنشآت مقابل 7.7% من الإنتاج

رغم استحواذ المنشآت غير الرسمية على أكثر من نصف عدد منشآت القطاع الخاص، فإن وزنها في الإنتاج أقل بكثير.

وبحسب نتائج التعداد، بلغ إجمالي إنتاج القطاع الخاص نحو 7.6 تريليون جنيه، استحوذ القطاع الرسمي على 92.3% منه، مقابل 7.7% للقطاع غير الرسمي.

وبالحساب التقريبي، يعادل إنتاج المنشآت الخاصة غير الرسمية نحو 585 مليار جنيه، وهو رقم قريب من تقدير رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الذي تحدث عن نحو 600 مليار جنيه لإنتاج القطاع غير الرسمي ضمن نتائج التعداد.

وهنا تظهر المفارقة الرئيسية:

نحو نصف منشآت القطاع الخاص غير رسمية، لكنها تمثل نسبة محدودة من الإنتاج.

الإمارات بين الاقتصاد والأمن القومي المصري؟

لماذا تنخفض مساهمة القطاع غير الرسمي في الإنتاج؟

يرتبط ذلك بدرجة كبيرة بطبيعة المنشآت غير الرسمية، التي تضم نسبة كبيرة من المشروعات متناهية الصغر والصغيرة ذات الإنتاجية المحدودة.

وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن أكثر من نصف المنشآت غير الرسمية، وفق نطاق المقارنة، تقع ضمن فئة المنشآت التي تضم بين عاملين وتسعة عمال.

وتتركز هذه الأنشطة في قطاعات متعددة، وهو ما يجعل الاقتصاد غير الرسمي شبكة واسعة من الأنشطة الصغيرة بدلًا من كونه قطاعًا اقتصاديًا واحدًا مستقلًا.

العمالة.. الوجه الآخر لاقتصاد الظل

تختلف الصورة عند الانتقال من الإنتاج إلى سوق العمل.

فوفق نتائج التعداد، يعمل في القطاع الخاص الرسمي وغير الرسمي نحو 14.3 مليون مشتغل، ويستحوذ القطاع غير الرسمي على نحو 27.3% من العمالة.

كما تشير البيانات إلى ارتفاع عدد العاملين داخل منشآت القطاع غير الرسمي إلى نحو 3.9 مليون مشتغل في 2022/2023.

لكن هذا الرقم لا يمثل بالضرورة إجمالي العمالة غير المنتظمة.

فوفق تعريف أوسع ورد في تصريحات رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ عدد العمالة غير المنتظمة خارج المنشآت نحو 7.5 مليون عامل، إلى جانب نحو 4 ملايين عامل داخل القطاع غير الرسمي، بإجمالي يقارب 12 مليون عامل وفق هذا التعريف.

وهذا الاختلاف يؤكد أهمية تحديد المقصود بدقة عند الحديث عن حجم العمالة غير الرسمية.

أين يتركز الاقتصاد غير الرسمي؟

تتركز نسبة كبيرة من العاملين في القطاع الخاص غير الرسمي في أربعة أنشطة رئيسية.

وتستحوذ هذه الأنشطة مجتمعة على نحو 80.7% من العاملين في القطاع غير الرسمي:

  • تجارة الجملة والتجزئة وإصلاح المركبات: 51%.

  • الصناعات التحويلية: 16.9%.

  • خدمات الغذاء والإقامة: 6.6%.

  • الزراعة واستغلال الغابات وصيد الأسماك: 6.2%.

وتكشف هذه الأرقام عن اتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي وتداخله مع قطاعات أساسية في الحياة الاقتصادية اليومية.

لماذا لا يوجد رقم واحد لحجم اقتصاد الظل؟

تحديد قيمة الاقتصاد غير الرسمي ليس عملية حسابية بسيطة.

فالاقتصاد غير الرسمي لا يعني بالضرورة أن النشاط غير مسجل بالكامل. فقد تكون المنشأة مسجلة، لكنها لا تسجل جميع معاملاتها، أو يعمل شخص داخل منشأة رسمية دون الحصول على جميع أشكال الحماية الرسمية.

ولهذا تستخدم المؤسسات الدولية طرقًا مختلفة لتقدير حجم الاقتصاد غير الرسمي.

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وفق البيانات الواردة في التقرير، إلى أن تقديرات الاقتصاد غير الرسمي في مصر من حيث الناتج تراوحت في دراسات مختلفة بين 29.3% و50% من الناتج المحلي الإجمالي في بداية جائحة كورونا، بحسب مصدر البيانات والمنهج المستخدم.

وفي المقابل، أشار تقدير بحثي آخر ورد في دراسة عبر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى نسبة تقارب 80% للاقتصاد الموازي في مصر وفق دراسة عام 2024.

لكن هذا الرقم لا يمثل تقديرًا رسميًا نهائيًا، كما أن الدراسة نفسها أشارت إلى صعوبة الوصول إلى رقم محدد.

أي رقم يعكس الحقيقة؟

الإجابة الأدق هي أنه لا يوجد رقم واحد نهائي لحجم اقتصاد الظل في مصر.

والأفضل الفصل بين المؤشرات المختلفة:

عدد المنشآت:
50.7% من منشآت القطاع الخاص غير رسمية وفق التعداد الاقتصادي.

الإنتاج:
7.7% من إنتاج القطاع الخاص الواقع ضمن نطاق التعداد.

تقديرات الاقتصاد غير الرسمي من الناتج المحلي:
تختلف بصورة كبيرة وفق المنهج المستخدم، ووردت في الدراسات المشار إليها تقديرات بين 29.3% و50% في بعض الحالات.

لذلك لا يصح جمع هذه النسب أو مقارنتها مباشرة، لأنها لا تقيس الظاهرة نفسها بالطريقة نفسها.

الضرائب.. لماذا تريد الدولة دمج الاقتصاد غير الرسمي؟

يمثل الاقتصاد غير الرسمي تحديًا أمام المالية العامة، لأن الأنشطة التي لا تدخل المنظومة الرسمية بالكامل قد لا تخضع للضرائب والتأمينات ومتطلبات التسجيل بالدرجة نفسها التي تخضع لها المنشآت الرسمية.

لكن دمج هذه الأنشطة لا يتعلق بالضرائب فقط.

فإدخال المنشآت إلى الاقتصاد الرسمي يمكن أن يحسن جودة البيانات الاقتصادية، ويوسع نطاق الحماية الاجتماعية، ويساعد المشروعات على الوصول إلى التمويل الرسمي، ويتيح لها فرصًا أكبر للنمو والتوسع.

لماذا لا يكفي إلزام المشروعات بالتسجيل؟

دمج الاقتصاد غير الرسمي لا يعني ببساطة مطالبة صاحب المشروع بالتسجيل ودفع الضرائب.

فالمشروع الصغير قد يخشى أن تؤدي الإجراءات والتكاليف الرسمية إلى إضعاف قدرته على المنافسة.

ولهذا يرتبط نجاح عملية الدمج بعدة عوامل، من بينها:

  • تبسيط إجراءات الترخيص.

  • خفض تكلفة التسجيل.

  • نظام ضريبي مبسط.

  • توسيع الشمول المالي.

  • تسهيل الوصول إلى التمويل.

  • توفير الحماية الاجتماعية.

  • تقديم حوافز للانتقال إلى الاقتصاد الرسمي.

  • رفع الإنتاجية.

وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى تبني مصر إجراءات تستهدف إدماج الأنشطة غير الرسمية، من بينها سياسات مرتبطة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة والشمول المالي وتبسيط التعاملات الضريبية.

اقتصاد الظل.. مشكلة أم فرصة؟

الاقتصاد غير الرسمي يمثل مشكلة وفرصة في الوقت نفسه.

فوجود نشاط اقتصادي خارج النظام الرسمي قد يضعف التحصيل الضريبي، ويحد من الحماية الاجتماعية، ويجعل قياس النشاط الاقتصادي أكثر صعوبة.

وفي المقابل، يمثل هذا القطاع مصدر دخل وفرص عمل لملايين الأشخاص.

لذلك فإن الهدف لا ينبغي أن يكون مجرد تحويل المنشآت من «غير رسمية» إلى «رسمية»، وإنما رفع إنتاجيتها وقدرتها على الاستثمار والتوسع وتوفير وظائف أكثر استقرارًا وحماية للعاملين.

اقتصاد كبير عدديًا.. محدود نسبيًا في الإنتاج

تكشف الأرقام عن مفارقة أساسية في الاقتصاد غير الرسمي في مصر:

عدد كبير من المنشآت والعاملين، مقابل وزن إنتاجي أقل بكثير من الوزن العددي.

وهذا يعني أن القضية لا ترتبط فقط بالتهرب الضريبي، بل أيضًا بمشكلة الإنتاجية وحجم المنشآت وقدرتها على النمو.

وبالتالي، فإن دمج اقتصاد الظل في الاقتصاد الرسمي سيكون أكثر فاعلية إذا ارتبط بتحسين بيئة الأعمال وتوسيع التمويل ورفع الإنتاجية، وليس فقط بزيادة إجراءات الرقابة.

الخلاصة

كم تبلغ قيمة اقتصاد الظل في مصر؟

لا توجد إجابة واحدة نهائية.

لكن أحدث الأرقام الواردة في التقرير تشير إلى أن 50.7% من منشآت القطاع الخاص غير رسمية، بينما تبلغ حصتها نحو 7.7% من إنتاج القطاع الخاص داخل نطاق التعداد، بما يعادل قرابة 600 مليار جنيه.

أما تقديرات حجم الاقتصاد غير الرسمي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي فتختلف بصورة كبيرة بحسب المنهج المستخدم.

لذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم تبلغ قيمة اقتصاد الظل؟

بل أيضًا:

كم يمكن أن يضيف للاقتصاد المصري إذا تحول من نشاط منخفض الإنتاجية إلى قطاع رسمي أكثر إنتاجية وقدرة على النمو؟

شارك المقال: