علي الأفريقي يواصل: هل كانت السودان جزء من مصر؟
انعقدت جلسة مجلس الأمن في 5 اغسطس 1947 وخلالها ادعى رئيس الوفد البريطاني أن لمصر أطماعا في السودان وترفض الاعتراف بحق السودانيين في تقرير المصير

صورة مستوحاة من سلسلة المقالات
القضية السودانية في مجلس الأمن
بعد فشل المفاوضات المصرية-البريطانية بشأن السودان، قررت مصر عرض القضية على مجلس الأمن، فأرسلت الي المجلس عريضة دعوي مدعومة بالوثائق والمستندات التاريخية التي تؤكد وحدة وادي النيل.
ثم توجه الوفد المصري برئاسة “النقراشي باشا” إلى نيويورك، وهناك تم استئجار مكتب دعاية لكسب تأييد الشعب الامريكي.
لاسترضاء امريكا ألقى “النقراشي” خطابا أعده له مستشار الدعاية الامريكي “مستر مورد”، هاجم خلاله الشيوعية والاتحاد السوفيتي وبولندا، مؤكدا أن مصر الديمقراطية المعادية للشيوعية ستظل حليفا دائما لأمريكا والغرب.

انعقدت جلسة مجلس الأمن في 5 اغسطس 1947 وخلالها ادعى رئيس الوفد البريطاني أن لمصر أطماعا في السودان وترفض الاعتراف بحق السودانيين في تقرير المصير، وألمح لانحياز الملك فاروق إلى المانيا خلال الحرب العالمية، وأن الوجود البريطاني في مصر والسودان حال دون هذا الخطر.
ورد النقراشي بأن مصر ساعدت الحلفاء في كسب الحرب بكل الوسائل، وبالنسبة للسودان فهناك ارتباط تاريخي بين البلدين فرضته الجغرافيا الطبيعية ونهر النيل ووحدة اللغة والثقافة والدين.
وأن بريطانيا حين قمعت ثورة “المهدي” فعلت ذلك باسم مصر، وهو إقرار بسيادة مصر على السودان، وأن تقرير المصير للسودان شأن داخلي لا يحق لأي طرف التدخل فيه.
واتهم بريطانيا بالسعي لفصل مصر عن السودان عبر إثارة الفرقة بين المصريين والسودانيين.
كما انها تبث الانقسام بين السودانيين أنفسهم لتقسيم السودان إلى شمال وجنوب، وان مصر تعتزم حماية السودانيين وتمكينهم من إدارة شؤونهم في إطار الوحدة تحت تاج مصر.
بعد مناقشات في مجلس الأمن، كانت النتيجة ضد مصر حيث انحازت أغلبية الدول إلى بريطانيا.
لم تؤيد مصر سوى ثلاث دول فقط هي سورية والاتحاد السوفيتي وبولندا، وامتنعت عن التصويت الصين وأمريكا.
هكذا رفض مجلس الامن دعوى مصر.
وكان هذا الموقف اول محك عملي يختبر فيه المصريون موقف امريكا منهم.
هل كانت السودان جزء من مصر؟ (11)
هل كانت السودان جزءا من مصر؟ (10)
كيف ظهرت فكرة ملك مصر والسودان
في 19 يونيو 1948 أعلن حاكم السودان إنشاء أول جمعية تشريعية في السودان كخطوة نحو الحكم الذاتي.
وبسبب رفض الاتحاديين لهذا المجلس، الذي يهدف لإجهاض وحدة وادي النيل، قاطعوا الانتخابات، ففاز حزب الأمة بأغلب المقاعد.
وتمكن نوابه بقيادة “عبدالرحمن المهدي” من تمرير قرار يطالب مصر وبريطانيا بمنح السودانيين الحكم الذاتي، ما أثار غضب مصر وأسعد بريطانيا لأنه عزل الاتحاديين.
ردا على ذلك، شكلت الأحزاب الاتحادية جبهة وطنية تنادي بالحكم الذاتي تحت التاج المصري بدلًا من الوحدة الكاملة بين مصر والسودان.
ومع مطلع الخمسينيات، برز في السودان جيل جديد من الشباب كان أشد عداءا لبريطانيا، لكنهم لم يكونوا موالين تماما لمصر.
عارضوا حزب الأمة الانفصالي، وفي نفس الوقت لم ينقادوا للاحزاب الاتحادية لان مفهومها يخالف افكارهم.
إذ رأوا أن الاتحاد مع مصر وسيلة مشتركة لمقاومة الاستعمار البريطاني ونيل استقلال السودان، لا هدفا في ذاته، وقد انعكست هذه الرؤية على التطورات التي حدثت بعد ذلك.
في 8 أكتوبر 1951، ألقى زعيم الوفد “النحاس باشا” بيانا في البرلمان، حمل العديد من المفاجآت؛ إذ أعلن، باسم الشعب، قطع المفاوضات مع بريطانيا، وإلغاء معاهدة 1936، واتفاقية 1899 الخاصة بإدارة السودان، كما أعلن ما يلي:
1- البدء في تعديل الدستور المصري لينص علي تلقيب الملك فاروق بلقب “ملك مصر والسودان” بعد أن كان لقبه “ملك مصر”.
2- تشكيل مجلس وزراء من آهل السودان لادارة الشئون الداخلية ويعين جلالة الملك هذه الحكومة ويخرج من اختصاصها شؤون الدفاع والسياسة الخارجية.
3- وضع دستور خاص بالسودان تعده جمعية تأسيسية تمثل أهالي السودان.
لكن هل تم الاعتراف بلقب ملك مصر والسودان؟، وكيف جاءت ردود الفعل العالمية تجاه هذه القرارات؟

العالم يرفض الاعتراف بلقب ملك مصر والسودان
في عام 1922 تم تلقيب سلطان مصر “فؤاد الاول” لقبا تشريفيا وهو: “حضرة صاحب الجلالة ملك مصر وسيد النوبة وكردفان ودارفور”
فوجدتها لجنة اعداد دستور 1923 فرصة للنص في الدستور الجديد علي ان يكون اللقب هو “ملك مصر والسودان” الا ان بريطانيا اعترضت بشدة فتم الغاء الاقتراح.
ظل اللقب الرسمي هو: “ملك مصر” واستمر هكذا منذ فبراير 1923 حتي أكتوبر 1951 حين اعلن “النحاس باشا” تعديل الدستور لينص علي ان يكون لقب الملك فاروق هو “ملك مصر والسودان”، ليحدث زلزالا سياسيا.
رفضت دول العالم، بما فيها الفاتيكان، الاعتراف باللقب، بداعي أنه صدر بإرادة منفردة ويتعارض مع حق السودانيين في تقرير المصير.
كما أعلنت بريطانيا أنها لا تعترف بأي إجراءات تتخذها مصر من جانب واحد.
قوبل هذا الإعلان برفض حاسم من النقابات والأحزاب والهيئات الشعبية السودانية.
اما قادة الأحزاب الاتحادية، فرحبوا بالقرار لانه يتفق مع مبدأ وحدة وادي النيل، لكنهم استاءوا لعدم استشارتهم أو التنسيق معهم.

وعقد المجلس التشريعي السوداني اجتماعا في 25 أكتوبر 1951 أصدر خلاله بيانا يدين محاولة مصر تنصيب الملك فاروق ملكا على السودان دون الرجوع إلى السودانيين
وتساءل “عبد الرحمن المهدي” زعيم حزب الأغلبية بالمجلس عن الدافع وراء هذه الخطوة قائلا: “أهو إفلاس سياسي أم حلم من أحلام اليقظة أم سهم طائش في كنانة اليأس رمته مصر ليذهب إلى غير مرمى؟”
كما رفضت الجبهة الوطنية السودانية القرار، مؤكدة أنه لا يحق لمصر فرض التاج المصري على السودان.
وأصدر نظار العشائر السودانية بيانا أشاروا فيه إلى أنهم يمثلون 70% من سكان السودان، مستنكرين محاولة مصر إخضاع السودان للتاج المصري.
ولتدارك الموقف، عرضت أمريكا عبر سفيرها بالقاهرة “جيفرسون كافري” حلا لأزمة اللقب.
والحقيقة أن الحل الامريكي كان حلا مثاليا سنتعرف عليه في الحلقة القادمة..
المراجع:
– كتاب (الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان)- فيصل عبدالرحمن على طه- مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي- أم درمان.
– كتاب (مصر والسودان الانفصال بالوثائق السرية البريطانية والامريكية) – محسن محمد- دار الشروق- الطبعة الاولي.
– كتاب (السودان من الحكم البريطاني الي فجر الاستقلال)- السير جيمس روبرتسون – الحاكم البريطاني لنيجيريا.
– تقرير دبلوماسي لبريطانيا أُرسل للولايات المتحدة (The Ambassador in the United Kingdom (Gifford) to the Department of State — Telegram 1734 London, October 9, 1951 — 3 p.m. )
– كتاب: (قضية وادي النيل، بيانات حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا/ رئيس مجلس الوزراء ورئيس وفد مصر أمام مجلس الأمن) – أغسطس 1947 – المطابع الأميرية .






