رواية علي محمد علي: الراعي (12)
لم يذهب وحده طويلًا، سرعان ما جرّ القطيع خلفه، كما يجرّ السؤالُ صاحبه إلى نهايته، كانوا يقتربون، يتوقفون، يتراجعون، ثم يعودون، كأنهم جميعًا يتعلّمون الشك من جديد، لا في الطريق… بل في الخوف نفسه.

تصميم خاص لرواية الراعي
هو و الطريق
لم تعد فكرة الطريق تخيفه كما كانت، لم تعد تقف في صدره كشوكة، بل كنداء خافت، يتردد في داخله كلما مرّ بالقرب منه، الأعشاب على حافتيه بدت كما لو أنها وُلدت لتوّها، خضراء بكر، نضرة، لم تمسسها قدم، ولا عيْن اعتادت الرعي، كأن الطريق يمدّ له بساطًا من الغواية، يزيّن له ما كان يُخيفه، ويرشيه بلون الحياة التي حُرمها طويلًا.
وكان حلم أي راعٍ أن يجد المرعى… فكيف إذا كان المرعى هو من يبحث عنه؟
في البداية، كان يقف بعيدًا، يمدّ نظره فقط، يختبر المسافة بعينيه، كأن الخطوة جريمة، وكأن الأرض هناك ليست أرضه، ثم، ببطءٍ لا يُرى، تقدّم، خطوة تلدها خطوة، وارتباك يتوارى خلف ثباتٍ متعلَّم، حتى صار الطريق أقرب مما ينبغي، وأقل رهبة مما قيل له.
لم يذهب وحده طويلًا، سرعان ما جرّ القطيع خلفه، كما يجرّ السؤالُ صاحبه إلى نهايته، كانوا يقتربون، يتوقفون، يتراجعون، ثم يعودون، كأنهم جميعًا يتعلّمون الشك من جديد، لا في الطريق… بل في الخوف نفسه.
الحاجز الذي بناه “أبو الفضل بيه” لم يسقط فجأة، لم يُهدم، بل ذاب، كما يذوب الثلج تحت شمسٍ عنيدة، اختفى دون صوت، دون أثر يُمسك به، حتى لم يعد عبدون يذكر متى كان قائمًا أصلًا.
كانت عيناه تلتقطان العابرين، سيارات تشقّ الصمت، تترك خلفها ذيولًا من غبار، تلمع ثم تختفي، وجوه لا تُرى، لكنها لا تحمل العداء، ولا تتربص، لم تُشهر في وجهه سلاحًا، لم تتوقف لتطارده، لم يحدث شيء.
رواية علي محمد علي الراعي (11)
رواية علي محمد علي الراعي (10)
وهذا “اللا شيء” كان أكثر ما أربكه.
في كل مرة، كان يقترب أكثر، كمن يختبر كذبة قديمة، يقلّص المسافة، يمدّ وجوده إلى ما وراء حدوده، يرى ما لم يُسمح له برؤيته، يسمع ما لم يكن يصل إليه، ومع ذلك… لم ينكسر العالم، ولم ينقضّ عليه أحد.
وقف يومًا على حافة الطريق، أقرب مما تخيّل أنه سيصل، والقطيع خلفه، ساكن، ينتظر، كأنهم جميعًا على عتبة شيء لا يُسمّى، نظر طويلًا… لا إلى السيارات، بل إلى الفراغ الممتد بعدها،
إلى احتمالات لا نهاية لها.
وحين لم يحدث شيء… فهم، أو كاد يفهم، أن الخوف الذي عاش به كل تلك السنين… لم يكن يسكن الطريق.
قال لنفسه، لا بصوت، بل بيقين يتكوّن: لأختبر مسالمة هؤلاء العابرين… لأرى نواياهم حين يُوضَعون في الاختبار، لم تكن الفكرة عابرة، كانت كأنها نبتت فيه منذ أيام،
وها هي تخرج أخيرًا لتُجرَّب.
في نهار قائظ، الشمس فيه تقسو بلا رحمة، والهواء نفسه يلهث، وقف عبدون عند حافة الطريق، عينه تقيس المسافة، وصمته يسبق الفعل، ثم أشار، لا بيده، بل بعينه، إشارة خفيفة، لكنها حاسمة، فانفصلت بعض من غنمه وكباشه، وتقدمت، ووقفت في منتصف الطريق، صفًّا غير مكتمل، لكنه كافٍ ليقطع المسار.
وقفت الأغنام كما لو أنها تؤدي طقسًا مقدسًا، لا تفكر، لا تتراجع، كأن الطاعة عندها أقدم من الخوف،
وأعمق من الغريزة.
من بعيد، ظهرت سيارة، نقطة تتحرك في السراب، تقترب بسرعة لا تعرف ما ينتظرها، لم يكن العابر يتوقع شيئًا، الطريق أمامه مفتوح، صافٍ، حتى ظهرت الأجساد فجأة، كأنها خرجت من الرمل نفسه.
ارتبك، شدّ المقود، ضغط المكابح بعنف، لكن المسافة كانت أقصر من أن تُنقذ، والصوت كان أعلى من أن يُحتمل.
اصطدمت السيارة بكبش نحيل، جسده لم يحتمل الضربة، فارتفع قليلًا ثم سقط، وسالت دماؤه في الحال، حمراء فاقعة، كأنها تكتب شيئًا على الطريق
توقفت اللحظة… ثم انكسرت.
لم يتوقف السائق، لم يلتفت، لم ينزل، فقط انطلق، كأن ما حدث لم يكن، أو كأن الخوف كان أسرع من أي قرار، ترك خلفه غبارًا كثيفًا، وجريمة لم يُسمِّها.
وقف عبدون، لم يتحرك، عيناه على الجسد الممدد، الدم يخرج منه ببطء، لا يتوقف، والقطيع من خلفه ساكن، يراقب، لا يقترب، لا يفرّ.
كأنهم جميعًا في انتظار تفسير.
تسللت الفكرة إلى رأسه، حادة، قاطعة: هؤلاء… لا يتوقفون، هؤلاء… يرون الدم ولا يعنيهم، هؤلاء… القتل عندهم… عابر.
لم يمد يده، لم يقترب، لم يسحب الكبش من الطريق، كأنه أراد أن يرى النهاية كاملة، أن يترك الفكرة تنضج حتى آخرها، والدم ما زال يسيل.
ثم، من بعيد، ظهرت سيارة أخرى، أكبر، أبطأ، اقتربت، ثم توقفت قبل الجسد بقليل، كأنها رأت ما لم يره الأول، أو كأنها اختارت أن ترى.
فتح الباب، ونزلت امرأة في منتصف العمر، ملامحها لا تحمل خوفًا، ولا عجلة، بيدها حقيبة صغيرة، مألوفة، لكنها غريبة على هذا المكان، نظرت حولها، لم تبحث طويلًا
ثم اتجهت مباشرة نحو الكبش.
كان عبدون مختبئًا خلف حزمة من الأعشاب، قريبًا بما يكفي ليرى، وبعيدًا بما يكفي ليظل غير مرئي، عيناه ثابتتان، تراقبان كل حركة، كأن المشهد يُعاد أمامه لأول مرة.
انحنت المرأة، لم تتردد، لم تتقزز، وضعت يدها على الجرح، ضغطت، أخرجت شيئًا من حقيبتها، قماش، رباط، حركة تعرف طريقها، لا تتلعثم، أوقفت النزيف ببطء، كأنها تسابق الدم نفسه، تمتمت بكلمات لم تصل، لكنها لم تكن خائفة.
هدأ الجسد قليلًا، مسحت الدم، ضمّدت الجرح، ثم وضعت يدها على رأس الكبش، رفعت وجهه برفق، انتظرت، كأنها تطلب منه أن يعود، لا تأمره،
وبعد لحظات، ارتجف، فتح عينه، تنفّس.
ساعدته على النهوض، تردد، ثم وقف، ضعيفًا، لكنه واقف، التفت قليلًا، ثم تحرك، ببطء، حتى عاد إلى القطيع، الذي لم يتحرك من مكانه، كأنه كان ينتظره.
وقفت المرأة لحظة، نظرت إليه، تأكدت، ثم عادت إلى سيارتها،
وأكملت طريقها، دون أن تلتفت خلفها
ظل عبدون في مكانه، لم يتحرك، لم يقل شيئًا، لكن شيئًا ما داخله… لم يعد كما كان، فكرة لم تكتمل، انكسرت قبل أن تُغلق، سؤال كان حادًا… ثم أصبح أثقل:
هل هؤلاء… يقتلون؟ أم ينقذون؟ أم أن الطريق… لا يُجيب بإجابة واحدة؟






