مقالات
محمد حماد
محمد حماد

كاتب صحفي

محمد حماد يكتب: قبل أن نصل محطة سيدي جابر

قبل أن نصل محطة "سيدي جابر" بقلم الكاتب الكبير: محمد حماد كان الأديب الكبير نجيب محفوظ يعي بصفاء الفلاسفة، ويقر بقلب المبدع أن الإنسان منذ لحظة ميلاده يمشي إلى قبره،…

مشاركة:
حجم الخط:

قبل أن نصل محطة سيدي جابر

بقلم الكاتب الكبير: محمد حماد 

كان الأديب الكبير نجيب محفوظ يعي بصفاء الفلاسفة، ويقر بقلب المبدع أن الإنسان منذ لحظة ميلاده يمشي إلى قبره، مهما طالت به الرحلة وتعددت محطاتها. الطريق قد يلتف، وقد يتباطأ، لكنه لا يغيّر وجهته الأخيرة.

وحين سُئل الأديب الفيلسوف، وقد بلغ الثالثة والتسعين من عمره:
ـ كيف تشعر وقد وصلت إلى هذا العمر؟
ابتسم وقال:
ـ أخيرًا وصلنا محطة سيدي جابر.

لم تكن هذه الإجابة طرفة عابرة، بل استعارة حياة كاملة. فسيدي جابر هي المحطة التي يترجل عندها أغلب الركاب القادمين من القاهرة إلى الإسكندرية، يفرغ بعدها القطار إلا من القليل، أولئك الذين كُتب لهم أن تُكمل بهم الرحلة حتى محطة مصر.

رصيف المحطة وذكريات نقشت في الوجدان

كانت إجابة رجل اعتاد أن يقضي شهورًا من كل عام في المدينة التي أحبها من قلبه، وكانت له ملاذًا من أوجاعه، ومحطة لقاء بأحبته، ومساحة هادئة للتأمل والمصالحة.

وهي إجابة رجل أيقن أن الرحلة قد اكتملت، وأن القطار لم يعد أمامه سوى المسافة الأخيرة.

وهو نفسه الذي كتب في «أصداء السيرة الذاتية»، عن لحظة الوصول، أو الحركة الأخيرة، تحت عنوان «الحركة القادمة»، كأنها حديث عن وظيفة، وهي في حقيقتها حديث عن المصير الذي لا فكاك منه.

قال برجاء حار:
ـ جئتك لأنك ملاذي الأول والأخير.
فقال العجوز مبتسمًا:
ـ هذا يعني أنك تحمل رجاءً جديدًا.
ـ تقرر نقلي من المحافظة في الحركة القادمة.
ـ ألم تقضِ مدتك القانونية بها؟ هذه هي تقاليد وظيفتك.
ـ النقل الآن ضارٌّ بي وبأسرتي.
ـ أخبرتك بطبيعة عملك منذ اليوم الأول.
ـ الحق أن المحافظة أصبحت وطنًا لنا، ولا غنى عنه.
ـ هذا قول زملائك السابقين واللاحقين، وأنت تعلم أن ميعاد النقل لا يتقدم ولا يتأخر.
قال بحسرة:
ـ يا لها من تجربة قاسية.
فجاءه الرد هادئًا وحاسمًا:

ـ ولمَ لم تُهيّئ نفسك لها، وأنت تعلم أنها مصير لا مفر منه؟

كأن أديبنا الكبير كتب هذا الحوار في أجواء السؤال السابق، والإجابة التي تيقن قرب تحققها، أجواء ما قبل الرحيل، لا عن محافظة ولا عن وظيفة، بل عن الحياة نفسها؛ عن التعلّق، والتكالب، والتنافس، والرجاء، ومحاولة تأجيل ما نعلم جميعًا أنه حتمًا آتٍ.

وكأنه، دون تصريح، كان يتمثل المعنى الكامن في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾.

هي رحلة كل إنسان، لا يتخلف عنها أحد، رحلة تبدأ حيث نعلم، وتمضي كما قُدِّر لها، وتنتهي بمحطة أخيرة لا يتجاوزها أحد، وانتقال لا مفرّ منه، ولا رجعة بعده.

﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾.

شارك المقال: