أزمة السيستم الجديد
المشهد لم يتغير منذ أسابيع؛ وجوه يكسوها الإرهاق، وأيدٍ تقبض على ملفات ورقية مهترئة، وصوت موظف يخرج من خلف زجاج النافذة بعبارته المعتادة: "السيستم واقع.. فوت علينا الأسبوع الجاي"

صورة تعبيرية للمقال
حين يتحول التحول الرقمي إلى “كمين” للمتقاعدين
لم تكن الساعة قد تجاوزت الثامنة صباحاً، حين وقف (الحاج إبراهيم) أمام مكتب تأمينات “الألفي” وسط القاهرة.
لم يكن وحده، فالعشرات مثله اصطفوا في طوابير تمتد إلى خارج البوابة الحديدية.
المشهد لم يتغير منذ أسابيع؛ وجوه يكسوها الإرهاق، وأيدٍ تقبض على ملفات ورقية مهترئة، وصوت موظف يخرج من خلف زجاج النافذة بعبارته المعتادة: “السيستم واقع.. فوت علينا الأسبوع الجاي”
هذا المشهد ليس مجرد عطل فني عابر، بل هو انعكاس لأزمة هيكلية كبرى تضرب منظومة التأمينات الاجتماعية في مصر، بعد قرار “الهيئة القومية” الانتقال المفاجئ إلى نظام إلكتروني جديد، وصفه مراقبون بأنه تم “على عجل” ودون تجربة كافية.
تشريح “الأزمة التقنية”: أين ذهبت المليارات؟
خلف الأبواب المغلقة، تُثار أسئلة صعبة حول الميزانية الضخمة التي رُصدت لهذا المشروع، والتي قُدرت بنحو 1.3 مليار جنيه.
مصادر تقنية مطلعة كشفت لـنا أن الأزمة تكمن في “عملية هجرة البيانات” (Data Migration).
فالهيئة تمتلك ملايين الملفات التاريخية المخزنة على أنظمة قديمة ومتهالكة، وعند محاولة رفعها على “السيستم الجديد”، حدث تضارب في الأكواد، مما أدى إلى فقدان مؤقت لبيانات بعض المستحقين أو عدم ظهور سنوات الخدمة الفعلية.
يقول مهندس برمجيات عمل سابقاً في أحد مشروعات الرقمنة الحكومية: “المشكلة ليست في البرنامج نفسه، بل في التوقيت.
لا يمكن إيقاف نظام قديم يخدم 12 مليون مواطن قبل التأكد من استقرار البديل بنسبة 100%. ما حدث هو عملية انتحار تقني أدت إلى فراغ إداري كامل”.
سالم أبو رخا يكتب: “سعار” الهجوم الخليجي على مصر
سالم أبو رخا يكتب: مؤسس الإرهاب الأول هرتزل
المركزية الخانقة.. “إدارة العمليات” في قفص الاتهام
أحد الأسباب الجوهرية لتفاقم المعاناة هو تغيير فلسفة العمل داخل المكاتب. ففي النظام القديم، كان مدير المكتب يمتلك صلاحيات محدودة لإنهاء بعض المشكلات يدوياً.
أما الآن، فقد تحول دور المكاتب الفرعية إلى مجرد “مراكز استقبال”، حيث تُرفع الملفات إلى إدارة مركزية تُسمى “العمليات” لفك تشابكات البيانات.
هذه المركزية خلقت “عنق زجاجة”؛ فآلاف الملفات تتكدس يومياً في انتظار مراجعة من عدد محدود من الموظفين في المقر الرئيسي، مما حول دورة إنهاء ملف المعاش من أسبوعين إلى أكثر من ثلاثة أشهر في بعض الحالات.
قصص خلف الأرقام: “بين مطرقة السيستم وسندان الغلاء”
في مكتب تأمينات الرمل بالإسكندرية، تروي (ف.أ)، أرملة لمتوفى كان يعمل بقطاع المقاولات، مأساتها: “زوجي توفي في يناير، ومنذ ذلك الحين وأنا أتردد على المكتب لصرف معاش الورثة. في كل مرة يخبرونني أن بيانات زوجي لم تظهر بعد على السيستم الجديد.
كيف أطعم أطفالي ونحن في موسم مدارس وارتفاع جنوني في الأسعار؟”.
حالة (ف.أ) ليست إلا غيض من فيض؛ فهناك آلاف الأسر التي تعيش تحت خط الضغط العصبي والمادي، حيث يمثل المعاش بالنسبة لها “حبل الإنقاذ” الوحيد. وتكشف شهادات ميدانية من محافظات الصعيد (أسيوط وسوهاج) عن توقف تام في استخراج “برنت التأمينات” الضروري لتقديم الأوراق في وظائف أو الحصول على معاشات “تكافل وكرامة”، مما أصاب مصالح الشباب وكبار السن بالشلل.
المواجهة: رد الهيئة وصدمة النقابات
رغم نفي الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي وجود توقف كلي، ووصفها للأمر بأنه “بطء تشغيلي”، إلا أن دار الخدمات النقابية والعمالية فجرت مفاجأة بتأكيدها أن التعطل طال وظائف حيوية مثل “تسجيل مدد الاشتراك” و”صرف تعويضات الدفعة الواحدة”.
وطالبت الدار بفتح تحقيق شفاف: “كيف يتم إنفاق هذه المبالغ الطائلة دون وجود خطة طوارئ (Back-up plan)؟ ومن يتحمل التكلفة الاجتماعية لهذا التخبط؟”
البرلمان يتحرك.. هل تتراجع الحكومة؟
دخلت الأزمة منعطفاً سياسياً بتقديم طلبات إحاطة عجل بمجلس النواب. النائب أحمد بلال أكد أن “الرقمنة هدف نبيل، لكن لا يجب أن تكون على جثث حقوق البسطاء”.
وتضغط أصوات برلمانية الآن لإلزام الهيئة بصرف “معاشات تعجيلية” أو مبالغ تحت الحساب للمواطنين الذين تعطلت ملفاتهم، لحين استقرار المنظومة التقنية.
خاتمة مفتوحة على القلق
إن أزمة “سيستم التأمينات” ليست مجرد عطل في خادم (Server) أو خطأ في كود برمجي؛ إنها أزمة إدارة تفتقر إلى استراتيجية “إدارة المخاطر”.
وبينما تفتخر الدولة بخطواتها نحو “مصر الرقمية”، يبقى الواقع على الأرض يصرخ بضرورة مراجعة الآليات، فالتكنولوجيا وُجدت لخدمة الإنسان، لا لتحويل حياته إلى “رسالة خطأ” لا يملك أحد فك شفرتها.






