1977 العام المر (9)
كان معتادا في الصيف على إرتداء الزي الشعبي الليبي، الجلباب والعمامة، معتزا بجذوره وتراثه، يستبدله فقط حين نبدأ في لعب الكرة

صورة تعبيرية لسلسلة العام المر
البدايات التي لا تهم أحد
كلما عادت بي الذاكرة لهذا النزاع- المصري/ الليبي (تابع مقال 8 من السلسلة) طاف بخاطري صديقي مصعب كان يأتي إلى النادي في سيارة دبلوماسية.
مصعب صديقي الليبي والأزمة
والده أحد أفراد البعثة الدبلوماسية الليبية في مصر، أختفي أيام النزاع في شهر يوليو/ تموز وعندما عاد للظهور في أكتوبر.
كانت ملامح التوجس والترقب تطغيان على ملامحه الوجه مصفرا بعد حمرة والعينان زائغتان بعد حدة وبريق..
ترى كيف نستقبله وقد صرنا أعداءا بعد أن كنا أصدقاء؟
هل تغيرت القلوب وثقلت النفوس وحملت الأنفس معان متناقضة؟
نحن ومصعب لم نتغير في الأزمة
كان معتادا في الصيف على إرتداء الزي الشعبي الليبي، الجلباب والعمامة، معتزا بجذوره وتراثه، يستبدله فقط حين نبدأ في لعب الكرة.
مكانة والده الدبلوماسية سمحت له بدخول النادي بهذا الزي رغم منع الآخرين منه.
اليوم أتى مثلنا بالبنطال و القميص لم يكن يريد أن يميزه احدن لقد صار عدوا يجب أن يذوب في الجموع بلا هوية ولا تمييز.
يبدو أنه فوجئ بإستقبالنا المرحب وحفاوتنا، لم تغير الحرب في قلوبنا الغضة شيئا.
الحرب يشعلها ويطفئها هؤلاء الكبار الحمقى، لما لا يتركوا الحكم فقط بضعة سنوات للأطفال؟
1977 العام المر (6) السادات وجماعات التكفير
توجس ثم عودة للطبيعة
قد يمتلئ العالم حينها طهرا وبراءة، شيئا ما من مهارته المعتادة في المراوغة يثقل جسده، لعلها البدانة الطارئة عليه فقد ظل حبيس المنزل جل شهور الأجازة الدراسية كما روي.
شيئا فشيئا إستعاد ذاته وروحه وزهوته، كان قديما لا يغضب منا عندما نسخر من لهجته البدوية ونطقه السريع للألفاظ والكلمات ولا حتى عندما ننزع عمامته عابثين، بين الأصدقاء لا مجال للسخط والتبرم.
الآن بعض الحرص والحذر يسود تصرفاته وأفعاله ويقيدها، ربما تشرب بعض خصال والده الدبلوماسية الحذرة التي تدور حول المعنى والجوهر دون أن تلامسه، صار يخطو على الشاطئ دون أن يخوض غمار البحر.
قطع العلاقات مصعب صديقي لاجيء سياسي
بعد نحو عام ونيف قطعت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وليبيا، أختار والده اللحوء السياسي لمصر.
ما أصعب كلمة لاجئ؟ هو الضيف الغريب الذي يعيش مهددا مطاردا تحت حمايتك وفي ظلك، المحسوب التصرفات والحركات والمواقف والكلمات حتى لا يثير سخط المضيف ويتخلي عنه.
يحيا على كرم المضيف ومخصصاته ورضاه، وربما يضطر لإتخاذ مواقف ضد دولته لا يرغب فيها او يريدها، فقط يريد أن يحيا فيها _ دولة اللجوء_كإنسان أضطرته الظروف لهجران وطنه في أمن وسلام.
مصعب تحت الحراسة خطوات محسوبة
أمن؟ سلام؟ كلمات عطرة محملة بالفضائل لا علاقة لها بعالم السياس، صار يعيش مع أسرته تحت الحراسة، شبه إقامة جبرية خوفا من التهديدات.
كلما تبني والده موقفا مناهضا للسلطات الليبية زاد حصاره وضاق سجنه وإستحكم قيده.
في المرات النادرة التي كان يأتي فيها للنادي كان يشير إلينا بالتحية من بعيد ويمضي راجلا في مضمار ملعب الكرة يصاحبه جندي الحراسة كأنفاسه، يسير مندفعا والحارس وراءه يطأ ظله المنعكس على الأرض بقدماه، هو وظله مراقبين مرصودين.
الدبلومسي اللاجيء هل عاد إلى وطنه؟
“حرب الايام الأربعة_ كما اصطلح على الحرب المصرية الليبية _ مبادرة السادات، إتفاقية كامب ديفيد، مشاريع العقيد القذافي الوحدوية، تحولات المنطقة وصراعاتها، قتلت طفولة مصعب أغتصبتها دون أن يند عنه صرخة رفض او إعتراض او ألم.
أين مصعب الآن هل عاد إلى ليبيا
ترى أين هو الآن؟ هل عاد إلى وطنه بعد رحيل القذافي؟ وهل تولي والده الدبلوماسي المخضرم” المناضل ” منصبا في الدولة الليبية الناشئة؟
في أي بقعة من الجحيم والصراع الليبي يحيا؟
ولأي فريق من اطرافه ينحاز؟
كيف مضت حياته وهل صادف أن أقتنص لحظات هدأة وسعادة؟
مصعب وكم من شباب الأمة دفع ثمن خطايا الساسة
دفع مصعب ثمنا باهظا جراء تبدلات السياسة وتحولاتها ونزوات القادة والزعماء والملوك والأمراء.
الثمن هو حياته وأحلامه وأيامه، ترى كم مصعب مر في بوادي وصحاري وسهول وجبال منطقتنا العربية المنكوبة؟
وإلى متي يمضي العابرون الساقطون من دفات سفر التاريخ وأنباؤه بلا غاية او سبيل؟
أضحيات منحورة على صحائف كل قائد وزعيم، من الحياة إلى الممات، ومن الصبا إلى الشيب، هل مكمن الداء فينا؟
أم هي لعنة الجغرافيا والتاريخ؟ وسط دائرة الأسئلة المنهكة تعتصر ارواحنا وتمضي أعمارنا وتجف دماؤنا، ولا من جواب شاف أو بريق أمل يلوح، فقط نجوم تضيئ وتنطفئ وتبقي السماء مدلهمة حالكة مظلمة.
عودة من المصيف ودخول رمضان
الخامس عشر من أغسطس 1977، اول ايام شهر رمضان المبارك كنت مع الأسرة عائدين من الإسكندرية.
للعودة من عروس البحر الأبيض شجن خاص، أنظر للبحر مودعا من زجاج نافذة السيارة الفولكس العتيقة على أمل بلقاء قريب، لم يلطف ذلك الحزن سوي بهجة قدوم رمضان بطقوسه المحببة.
صيف شديد الحرارة وصيام الطفولة
الطقس أربعيني الحرارة، والظمأ شديد العرق يزيد آلام طبقات الجلد الوردية الوليدة لتحل محل تلك التالفة من التسلخات، عشق البحر له ثمن أيضا،لم يعد يصح الإفطار لقد بلغت عشرة سنوات ونيف، لابد من التحمل و أن أصوم رمضان كاملا.
أخيرا إنقضت ساعات النهار الطويلة،مدفع الإفطار إضرب، وأنطلق مدفع الإفطار، آذان المغرب حسب التوقيت المحلي لمدينة القاهرة.
لحظة الإفطار المنتظر والراديو والتليفزيون
تلك اللحظة وصوت الشيخ” محمد رفعت” يردد ” الله أكبر.. الله أكبر” أنتظرها كل يوم لأطفئ الظمأ بكوب كبير من التمر هندي المثلج، الجوع لا يمثل مشكلة كبيرة يمكن الصبر عليه.
تواشيح النقشبندي وفوازير أمال فهمي
تواشيح الشيخ النقشبندي، فوازير آمال فهمي، المسلسل الرمضاني، كان للإذاعة شأن آخر وخصوصا على مائدة رمضان، نجم الموسم، حكايات ميزو، نحن لا نزرع الشوك، وأغنية شادية (أه يا زمن .. لا بأدينا زرعنا الشوك يا زمن) مارد الجبل، فوازير نيللي، التلفزيون أيضا له مذاق خاص في الشهر الفضيل، تناول الكنافة، والقطايف، وما أشهاها لا سيما إن كان صانعها عرفة الكنفاني.
الواد الجن حريف الكرة الشراب
الشارع يعج بالزينة خيوطها ممتدة بين الشرفات، وأعمدة الإضاءة، المصابيح الملونة تضئ جنبات الحارة المظلمة عادة.
طاولة لعبة البنج بونج، وملعب كرة مرسوم خطوطه بالجير، ومرميين ينسدل منهما الشباك، ستبدأ الدورة الرمضانية بعد قليل.
مباريات الدورة الرمضانية
نتابع المباريات بحسرة، يوما ما سنكبر وتراقبنا البنات من الشرفات، مشاهدة عادل الجن وهو يتلاعب بالمنافسين ويتحكم بالكرة الشراب كأنها مربوطة بقدمه متعة خاصة.
” جووووون” يعلن المذيع المتحمس، نتقافز طربا ونحن نهتف جن يا جن جن يا جن، و الجن يلوح لنا في تواضع العظماء.
ليل رمضان والمسحراتي
ولأن ليل الصيف دوما قصير، المسحراتي، يطوف بطبلته منبها الصائمين، لحظة سعيدة عندما يذكر أسماءنا،أشرب زجاجة كبيرة كاملة من الماء المثلج.
المنشد في الراديو ينهي إبتهالاته (الصلاة والسلام عليك.. يا سيدي يا رسول الله) تلك علامة التوقف عن الطعام والشراب.
يمكننا أن نسهر حتى الصباح نقرأ ميكي، وألغاز المغامرين الخمسة، ونلعب ألعابنا الصغيرة في هدوء.
أيام وليالي ويمضي رمضان
نصحو عند العصر،نجهز أسلحتنا من (البمب)، و(الحبش وأطاليا) وتدور معركة حامية، لكنها حميمية لا ضحايا فيها ولا غالب ولا مغلوب، القناة ” الثانية تعرض حلقات خاصة من (ستيف أوستن_ رجل بستة ملايين دولار) و(المرأة الخارقة) نموذج البطل الأمريكي الخارق الذي لا يقهر يتسلل إلى عقولنا دون أن ندري.
ضيف كريم هو رمضان، يمر بسرعة مرور الكرام، قد نتعب من الصيام،نتعجل مروره أحيانا، ليس ضجرا منه ولكن لأنه يسلمنا للعيد،وما أدراك ما العيد ووعود السعادة والمرح القادمة.






